إسرائيل ـ فلسطين.. والعلاقات في ظل الإدارة المقبلة

الإسرائيليون متفائلون.. والفلسطينيون متأكدون من انحياز واشنطن ضدهم

إسرائيليون يلوحون بالأعلام دعمًا لترامب في القدس
إسرائيليون يلوحون بالأعلام دعمًا لترامب في القدس
TT

إسرائيل ـ فلسطين.. والعلاقات في ظل الإدارة المقبلة

إسرائيليون يلوحون بالأعلام دعمًا لترامب في القدس
إسرائيليون يلوحون بالأعلام دعمًا لترامب في القدس

في أول تصريح له على نتيجة الانتخابات الأميركية وصف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو فوز ترامب بالرئاسة بأن الأخير صديق حقيقي لإسرائيل. ووجه ترامب، بعد ساعات قليلة من فوزه دعوة شخصية لنتنياهو، للاجتماع معه في واشنطن بـ«أقرب فرصة»، وكان ترامب تعهد خلال حملته الانتخابية بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وهذا أثلج قلب إسرائيل، التي طالبت ترامب مباشرة بأن يفي بوعوده.
وأعرب سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة رون ديرمر عن يقينه بأن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب ستتعزز في عهد إدارة الرئيس ترامب. جاء ذلك عقب اجتماع عقده السفير الإسرائيلي في نيويورك الليلة الماضية مع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، بحسب الإذاعة الإسرائيلية.
وقال مكتب نتنياهو: إن رئيس الوزراء أكد في برقية «سنعمل معا من أجل دفع الأمن والاستقرار والسلام في منطقتنا قدما». وأضاف نتانياهو «إن العلاقة المتينة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مبنية على قيم ومصالح مشتركة وعلى مصير مشترك».
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ثقته بأن «الرئيس المنتخب ترامب وأنا سنواصل تعزيز التحالف الفريد القائم بين إسرائيل والولايات المتحدة، وسنقوده إلى قمم جديدة». وتحدث هاتفيا إلى ترامب و«أبلغه بأن إسرائيل هي أفضل صديق للولايات المتحدة».
ورغم هذه التصريحات فإن الحكومة الإسرائيلية مطمئنة أن الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، لا ينوي التدخل الزائد في الصراع الإسرائيلي العربي، ولن يفرض على إسرائيل شيئا، فإن الطواقم المهنية في وزارة الخارجية، التي أجرت تحقيقات معمقة حول مواقف ترامب، وتابعت تصريحاته العلنية والسرية، خرجت بالاستنتاج أن الرجل في الحقيقة غامض. ولا ينبغي التحمس لتصريحاته العلنية: «لأنه لا يملك حتى الآن برنامجا أو آيديولوجية يمكنهما أن يدلا على حقيقة ما يفكر فيه، وعليه ينبغي الانتظار حتى يدخل إلى البيت الأبيض ويبدأ ممارسة مهامه رسميا».
وقد جاء هذا التقييم في وثيقة داخلية للوزارة أعدها قسم المعلومات فيها، الذي يعتبر أحد أجهزة الأمن وجمع المعلومات. وقد تم تسريب الوثيقة إلى وسائل الإعلام بعد يومين من الانتخابات، بعدما عممتها الوزارة على الممثليات الإسرائيلية في الخارج. وجاء فيها أن «ترامب لا يمتلك المعلومات عن خبايا الصراع في الشرق الأوسط، ويطلق التصريحات بشكل ارتجالي لا يدل على أنه حامل رؤية سياسية واضحة». وقالت الوثيقة: إن «ترامب لا يرى في الشرق الأوسط منطقة ينبغي تكريس الوقت والاهتمام لها، وسيسعى لتقليص الضلوع الأميركي فيها؛ بغية التركز في مصاعب أميركا الداخلية. وأما في القضايا الخارجية الملحة فيضع أولا الحرب ضد تنظيم داعش، وإكمال الزخم الحاصل في القتال في مدن الموصل في العراق والرقة في سوريا». وأضاف السفير ديرمر في تصريحاته بعد لقاء ترامب: إن «إسرائيل تتطلع للعمل مع جميع مسؤولي الإدارة الجديدة، بمن فيهم مستشار الرئيس المنتخب ستيف بانون الذي تتهمه بعض الجهات اليهودية الأميركية بأنه أبدى في الماضي مواقف لاسامية».
وأثار تعيين ترامب لبانون انتقادات من الديمقراطيين ومنظمات الحريات المدنية وبعض الجمهوريين الذين يدينون الرئيس السابق لشبكة بريتبارت نيوز لاستخدامه الموقع الإلكتروني منتدى لتجمع من النازيين الجدد والعنصريين البيض والمعادين للسامية.
وقال ديرمر في ردهة برج ترامب «نتطلع للعمل مع إدارة ترامب ومع كل أعضاء إدارة ترامب، بمن فيهم ستيف بانون في جعل التحالف الأميركي الإسرائيلي أقوى من ذي قبل».
وكان وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت قد صرح بأن فكرة الدولة الفلسطينية انتهت بعد انتخاب ترامب، داعيا إسرائيل إلى التراجع عن فكرة إقامة هذه الدولة.
ورأى بينيت، زعيم حزب «البيت اليهودي» المتشدد، أن «فوز ترامب يشكل فرصة لإسرائيل للتخلي فورا عن فكرة إقامة دولة فلسطينية». وأضاف: «هذا هو موقف الرئيس المنتخب (...) انتهى عهد الدولة الفلسطينية».
وسارع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى تهنئة الرئيس الأميركي المنتخب، لكن المحللين يرون أن فترة رئاسة المرشح الجمهوري سيكون لها تأثير سلبي عميق في تطلعات الفلسطينيين في الوقت الذي تعزز فيه ثقة الإسرائيليين.
وفي بيان بدا أن عباس يبقي على بعض الأمل في أن ترامب الذي لم يعلن أي برنامج واضح للسياسة الخارجية قد يفتح صفحة جديدة فيما يتعلق بالشرق الأوسط. وجاء في البيان الذي نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»: إن «الرئيس محمود عباس يهنئ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمناسبة انتخابه، ويأمل تحقيق السلام العادل خلال ولايته». لكن هذا قد يبدو من قبيل التمنيات.
وأثناء الحملة الانتخابية حظي ترامب بدعم من الإسرائيليين بعد أن وعد بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهي خطوة من شأنها أن تكرس الاعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل. وعلى الرغم من أن هذا الوعد سبق أن أطلقه كثيرون من المرشحين الرئاسيين الأميركيين، فإن ترامب هو من نوع الزعماء الذين قد يجعلون هذا الوعد واقعا، ومن المرجح أن يحظى أيضا بمساندة كاملة من الكونغرس الأميركي الذي يسيطر عليه الجمهوريون.
وفي حال حدثت هذه الخطوة فإنها ستلغي عقودا من الدبلوماسية الدولية التي حافظت على أن الوضع النهائي للقدس لن يتقرر إلا من خلال تسوية عن طريق التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يريدون أن تكون القدس الشرقية عاصمة دولتهم التي يريدون أن تضم أيضا الضفة الغربية وقطاع غزة.
وربطت نتنياهو علاقة مضطربة بالرئيس الأميركي باراك أوباما، وانهارت محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في عام 2014.
ويوجد الآن 350 ألف مستوطن يهودي يعيشون في الضفة الغربية و250 ألفا في القدس الشرقية. ويبلغ عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية نحو 8.‏2 مليون، في حين يعيش نحو 300 ألف في القدس الشرقية. وفي ظل رئاسة ترامب، يتوقع محللون إسرائيليون ضغوطا أقل من الولايات المتحدة لوقف البناء الاستيطاني؛ مما يعني أن عدد المستوطنين سيزداد بلا رادع؛ مما يجعل حل الدولتين، الذي تعمل الدبلوماسية الدولية على التوصل إليه منذ عقود، بعيد المنال بشكل أكبر.
وقال سامي أبو زهري، المتحدث باسم حماس: «الشعب الفلسطيني لا يعول كثيرا على التغيير في الرئاسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية»، مضيفا في تصريحات أوردتها وكالة «رويترز» إن «هذه سياسة ثابتة وقائمة على الانحياز للاحتلال الإسرائيلي».
في حين قال المحلل السياسي في رام الله جورج جقمان لـ«رويترز»: «لقد اتسمت معظم تصريحات ترامب بشعارات لا مضمون واضحا لها ودون تفاصيل». وأضاف: «لا يجب أن نتوقع أن الشعارات التي أطلقها ترامب في حملته الانتخابية ستبقى كما هي.. غير أن ما يميز ترامب من غير المعروف تماما ما هي السياسات التي سينتهجها لأنه لا توجد أي خطط تفصيلية سوى شعارات». هذا الموقف يحتمل التفسيرين السلبي والإيجابي، لكن من وجهة نظر المحللين الفلسطينيين فهو سلبي.
وقال عدنان أبو عامر، وهو محلل سياسي في غزة «فوز ترامب يعد بشرى سيئة للساحة السياسية الفلسطينية».
وأضاف قائلا: «ترامب قد يذهب باتجاه تهميش الملف الفلسطيني الإسرائيلي وتفعيل ملفات أخرى مثل سوريا وإيران والعراق. وهذا ما تريده إسرائيل ويتخوف منه الفلسطينيون».
بدوره قال رياض المالكي، وزير الخارجية الفلسطيني لإذاعة «صوت فلسطين»: «دائما نحن نلاحظ فروقات كبيرة بين الدعاية الانتخابية والشخص الذي يجلس فيه رئيس منتخب، خصوصا في الولايات المتحدة الأميركية».
وأضاف يقول: «بالتالي لا نريد أن نستبق الأمور فيما يتعلق بمثل هذه القضايا. علينا أن نراقب خطاب الفوز أولا... ثم الخطوات اللاحقة التي ستتضح أكثر».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.