في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحول محل دار «تودز» اللندني الواقع بـ«بوند ستريت» إلى ورشة تعبق بالحرفية والفنية على حد سواء. ففي الطابق العلوي جلست فنانة الوشم العالمية ساييرا هانغان فوق مكتب ضخم ترسم لوحات فنية مستوحاة من الأساطير على جلود طبيعية، وإلى جانبها جلس حرفي إيطالي، بالكاد يتحدث اللغة الإنجليزية يصيغ ما كانت تنتهي من وشمه على شكل حقائب يد تم طرحها مؤخرا بعدد محدود جدا. كلاهما كان يستعمل إبرة، لكن الاختلاف بينه وبينها، كما بين الإبرتين، كان صارخا.
وفي حين كان يُمثل كل ما هو إيطالي، من مظهر كلاسيكي وطريقة عمل، كانت هي تمثل حالة تمرد على التقاليد والمتعارف عليه، بجسدها المغطى بالوشم، من العنق إلى الساقين. ومع ذلك كان منظرهما في غاية التناغم وكأنهما يؤديان رقصة تانغو مع بعضهما. ما إن تنتهي من رسم لوحتها حتى تُسلمها له ليحيكها آخذا بعين الاعتبار أن كل جانب وزاوية وكل طية من الحقيبة يجب أن تحافظ على جمال اللوحة والصورة الموشومة عليها.
كان وجود الفنانة ساييرا هانغان في محل الدار بـ«بوند ستريت» بلندن، يدخل ضمن خطة ينتهجها صاحبها الملياردير دييغو ديلا فالي منذ زمن لتعريف الزبائن بحرفية الدار وتسليط الضوء على ما يتطلبه صنع حقيبة واحدة من وقت ودقة وجهد.
والحقيقة أنك كلما قابلت السيد دييغو ديلا فالي، من ضمن 26 أغنى رجل في إيطاليا، تشعر بمدى عشقه للفن واحترامه للتقاليد الحرفية. تشعر أيضا بدفء الشخصية الإيطالية ينبعث منه بجرعات عالية، إضافة إلى أناقته التي لا تتقيد بالمتعارف عليه بالنسبة لرجل أعمال. فأسلوبه منطلق إلى «الداندية» أقرب منه إلى الكلاسيكية. لدى مقابلته في محله بـ«بوند ستريت» مثلا كان يلبس وشاحا أسود مستطيلا من الحرير عوض ربطة عنق، ليُذكرنا بأن الخيط بين الأسلوب الإيطالي والأسلوب «الداندي» المنمق رفيع جدا.
غني عن القول إن وجوده في لندن كان فرصة للحديث معه والتعرف على هدفه من هذا التعاون بينه وبين ساييرا هانغان. ما إن وصل إلى المحل ولمحني أراقبها وهي ترسم لوحاتها على قطع من الجلد بتفان وصبر، حتى أشار إليها غامزا لي: «أمامك فرصة لا تتكرر للحصول على وشم شخصي إن أردت». عندما أجبته أن والدتي يمكن أن تُصاب بالإغماء لو قمت بهذه «الفعلة»، رد ضاحكا ومتعاطفا مع والدتي: «أفهم ردة فعلها جيدا، لأنني أيضا مثلها لا يمكنني أن أفكر في القيام بذلك، رغم أني معجب للغاية بما تقوم به وشغفها به».
قال هذا، وهو يشير إلى ساييرا التي كانت في عالمها الخاص غير مبالية بما يجري حولها أو يُقال عنها. كانت الدقة التي تستعمل بها الإبرة للرسم تشد الأنفاس، بينما يبقى الإعجاب بجسدها الموشوم، مجرد إعجاب، كما لو كنت في معرض فني تُعجبك فيه كل اللوحات المعروضة لما تتضمنه من إبداع، لكنك لا تفكر في اقتنائها لأنها لا تناسب ديكور بيتك أو ذوقك. ولا شك أن هذا شعور ينتاب الأغلبية عندما يتعلق الأمر بفن الوشم على البشرة، حسب قول دييغو ديلا فالي. فمهما كان موضة دارجة تُروج لها مثيلات أنجلينا جولي وكايت موس وريهانا وديفيد بيكهام وغيرهم، فلا أحد يعرف كيف سيكون تقبلها والتعامل معها بعد عقد من الآن. فالزمن له قدرة عجيبة على تغيير أذواقنا وجعل ما قد يكون مقبولا في فترة الشباب، غير مرغوبا فيه في الكبر. الحل بالنسبة لدييغو ديلا فالي هو الاستمتاع بهذا الفن من خلال حقيبة يد فريدة من نوعها، لهذا منح الفنانة ورقة بيضاء لتعيد صياغة حقيبة الدار الأيقونية «دابل تي» Double T بطريقتها.
قدم لها كل التسهيلات الممكنة من جلود مترفة إلى حرفيين مهرة يقومون بتنفيذ كل صغيرة وكبيرة، وفي المقابل، كان يتوقع منها خمس حقائب كل واحدة برسمة مختلفة تجعلها فريدة من نوعها. بعبارة أخرى طلب أن تكون كل رسمة بمثابة جينات وراثية تميز كل حقيبة عن أختها، وهذا ما كان.
ثم أضاف موضحا أنه عاشق للفن والموضة على حد سواء، الأمر الذي شجعه على التعاون مع ساييرا هانغان، التي ما إن وقعت عيناه عليها ورأى أعمالها حتى ألهمته بفكرة طرح حقائب يد ترقى إلى مرتبة تحف فنية. «هذا التعاون جزء من فلسفة الدار المستمر بمزج الحداثي بالتقاليد الحرفية التي نحرص عليها ونعتمد في استمرارها على حرفيين مهرة توارثوا المهنة أبا عن جد» حسب قوله.
تلتقط ساييرا خيط الحديث لتقول إن «الفكرة كانت بالنسبة لي أن أبدع أشكالا رومانسية وقوية، وهو ما ترجمته من خلال رسمات مستوحاة من الأساطير القديمة، يظهر في كل منها حيوان أسطوري برأس أسد، أو بجسد تنين أو أفعى وما شابه، في تسلسل عجيب يُشعرك بأنها تحكي لك قصة متكاملة».
ووضح ديلا فالي أن النية، بعد إطلاق الخمس الحقائب، التي ستكون من نصيب امرأة محظوظة جدا، إتباعها بمجموعة أخرى، تُطبق فيها الرسمات نفسها بالليزر، وتتوفر في محلات الدار الرئيسية في كل العواصم العالمية منذ بداية الشهر الحالي.
ورغم أنه يقول إنه رجل أعمال أكثر منه مصمم أزياء وإنه نادرا ما يتدخل في عملية التصميم، فإن أي متابع له ولمسيرته المهنية، يعرف أن بصماته واضحة في دار «تودز» تحديدا. فهي دار تتمتع بمعزة خاصة في نفسه. فرغم امتلاكه بيوتا أخرى نذكر منها «هوغان أند فاي»، و«روجيه فيفيه»، و«إلسا سكاباريللي» تبقى «تودز» مولوده البكر، التي تابع نجاحها خطوة خطوة منذ أن تسلمها من والده في عام 1978 ونجح في تحويلها من ماركة محلية إلى اسم عالمي يجسد مفهوم «صُنع في إيطاليا». أما عشقه للموضة وشغفه بالفن فهما عنصران تشاطرهما معه ساييرا، لهذا فتح لها أبواب معامل دار «تودز» الواقعة بـ«برانكادورو» على مصراعيها. وهناك أتيح لها ترف اختيار أجمل أنواع الجلود، حسب قولها: «لقد جربت أنواعا مختلفة، بما فيها جلود التماسيح والأفاعي وغيرها، وكان بإمكاني أن أختار أيا منها لكني اكتشفت أنها إما لا تمتص الحبر بسهولة، أو بسمك لا يسمح للإبرة باختراقها». بعد عدة تجارب واختبارات رسا اختيارها على نوع من جلد العجل تُطلق عليه الدار «فاشيتا» وتستعمله في كثير من حقائبها الأيقونية.
وقد تعاملت مع هذه الجلود كما تتعامل مع البشرة تماما نظرا للتشابه بينهما، باستثناء أنها هنا تتمتع بمساحات معينة عليها أن تدرسها من كل الجوانب حتى تتأكد من أنها ستعطي لكل زاوية وجزء من الحقيبة حقه، وتتيح للحرفي إمكانية طيها وحياكتها من دون التأثير على الرسمة.
تشرح ساييرا هانغان أن قصة حبها لفن الوشم بدأت عندما كانت في الـ14 من عمرها «عندما وقعت عيني، لأول مرة على مجموعة أزياء تظهر فيها رسمات على شكل وشم للمصمم جون بول غوتييه. في تلك اللحظة عرفت أني أريد أن أكون فنانة وشم، ومنذ ذلك الحين وجون بول غوتييه مصدر إلهامي». نظرا لهذه العلاقة الروحية مع جون بول غوتييه، فهي لا ترى أن دخولها الموضة، من خلال تعاونات مع بيوت أزياء كبيرة، أمر غريب عليها. فهي كامرأة تحب الموضة وتستلهم منها كثيرا من رسماتها، كما تفهم تخوف البعض من وشم أجسادهم، بالنسبة لهؤلاء تبقى الأزياء والإكسسوارات طريقة أخرى للاستمتاع بالوشم من دون أي تورط بعيد المدى.
فن الوشم ينتقل إلى حقائب اليد
دييغو ديلا فالي لـ: تعاوننا مع ساييرا هانغان جزء من فلسفتنا في مزج الفني بالتقاليد الحرفية
حقيبة «دابل تي» Double T الأيقونية التي ألهمت الفنانة ساييرا - الفنانة ساييرا هانغان أكبر مروج لفنها - حقيبة «دابل تي» Double T الموشومة
فن الوشم ينتقل إلى حقائب اليد
حقيبة «دابل تي» Double T الأيقونية التي ألهمت الفنانة ساييرا - الفنانة ساييرا هانغان أكبر مروج لفنها - حقيبة «دابل تي» Double T الموشومة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










