صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

بنغازي تصارع الإرهاب 4 من 5 : المحال التجارية تعود للحياة.. والأجانب يتوافدون لاقتناص الفرص

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية
TT

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

انقطعت الكهرباء مجددًا في متجر إبراهيم صاحب الشركة الحديثة للمواد الغذائية. هذا أمر شائع في ضاحية الهواري في بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية. الكهرباء تنقطع في عموم البلاد لعدة ساعات في كل يوم. وأحيانا تنقطع لعدة أيام في الأسبوع. بكل هدوء وسلاسة نهض إبراهيم البالغ من العمر 65 عاما من فوق مقعده وشغل مولد الكهرباء الخاص الذي اشتراه قبل شهرين بما قيمته 150 ألف دينار (نحو 30 ألف دولار). لديه سبعة عمال في متجره المطل على الشارع الرئيسي، لكن كلما انقطعت الكهرباء قام بتشغيل المولد بنفسه، لعدة أسباب.. أولا: السعر الباهظ للمولد. وثانيا: لقطع الطريق على أي تذمر قد يبديه العمال صغار السن قليلو الصبر على مثل هذه المشاكل.
على منوال هذه الطريقة الهادئة في معالجة الأمور والتغلب على العراقيل والمصاعب، يعمل غالبية التجار الكبار والمسؤولون في المنطقة الشرقية من البلاد والتي تمتد من مدينة إمساعد على الحدود مع مصر، إلى منطقة الموانئ النفطية في الشمال الأوسط من ليبيا قرب مدينة سرت. أما في الجانب الغربي من البلاد والذي تسيطر عليه الميليشيات، فتعم الفوضى ويسود الغموض دون أن تلوح في الأفق بوادر للثقة في المستقبل مثل تلك التي يتميز بها إبراهيم وقادة الشرق الذين يتأهبون لافتتاح مشروعات أمام المستثمرين الأجانب بمليارات الدولارات.

بعد نحو خمس سنوات من العذاب، تخلصت مدينة بنغازي وكل مدن الشرق الليبي من الميليشيات المتطرفة التي هيمنت عليها عقب سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وفي الوقت الراهن يحاصر الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر بقايا المتطرفين في عدة ضواحٍ في غرب بنغازي. ووفقا لتقديرات محلية عاد ما لا يقل عن خمسين ألفا من أبناء المدينة التي هجروها هربا من تسلط الجماعات المتشددة. وتسود روح التفاؤل من خلال عملية واسعة لترميم مباني المدينة التي خربتها الحرب، وافتتاح المراكز التجارية والمؤسسات الخدمية. ومثل غالبية تجار بنغازي، وجد إبراهيم شركته منهوبة. ويقول: استولى المتطرفون على مخازن الطحين ونهبوا كراتين الزيت والصلصة والمياه المعدنية.
وفي الوقت الراهن تستيقظ بنغازي كل يوم من أجل إعادة بناء نفسها وترميم الكسور وتلوين الجدران التي غطاها سخام الحرائق لشهور، استعدادا لاستقبال الوفود الاقتصادية الأجنبية التي تسعى إلى الاستفادة من الثروات النفطية ومن إعادة الإعمار ومن استكمال مشروعات أخرى تبلغ قيمتها مليارات الدولارات كانت متوقفة منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وتشمل استئناف عملية ازدواج الطرق الصحراوية الطويلة وبناء مدن سكنية ومشاريع سياحية وغيرها.
تتحرك بنغازي قدما وهي تشكو من صداع انقطاع الكهرباء وتأخر الرواتب وشح المواد الغذائية. ومع ذلك نشطت حركة الأسواق ومنها أقدم سوق لبيع وشراء السيارات المستعملة. كانت مكتظة. ووقف المنادي جوار سيارة يابانية الصنع موديل 2013، تعمل بالدفع الرباعي، وقطعت مسافة، وفقا للعداد، قدرها 20 ألف كيلومتر، وقال إن سعرها 60 ألف دينار ليبي. وارتفع صوت مناد آخر على سيارة كورية موديل 2012 قطعت مسافة 50 ألف كيلومتر وبدأ السعر بـ50 ألف دينار. وعلى المقاهي المجاورة يمكن ملاحظة ارتفاع أسعار المشروبات وأسعار تقديم خدمة الدخول على الإنترنت.
وعلى الجانب الآخر بدأت سوق العقارات تنتعش مع دخول مقاولين عالم ترميم المنازل والمحال التجارية. كما انتشر عمال البناء، معظمهم من مصر والسودان، تحت الكباري وعلى جانب الطرق في انتظار فرصة عمل، دون خوف من تعرضهم للخطف على يد التنظيمات المتطرفة كما كان يحدث قبل شهور.
ويقول إبراهيم: «مقارنة بما كانت عليه بنغازي فإننا الآن في وضع جيد. في كل يوم الأمور تتحسن عن اليوم السابق. في العام الماضي اقتحم المتطرفون المتاجر الكبرى في بنغازي. وأضرموا النيران في قاعات أفراح وفي مسارح وفي بيوت للفنون والشعر. ونسفوا مبنى مديرية الأمن الضخم بالسيارات المفخخة حتى تحول إلى كومة تراب. وتعرضت العديد من المصانع والدور الحكومية إلى دمار. ومع دخول الجيش إلى المدينة وفرض سيطرته عليها، وتعيين حكام عسكريين للمدن في شرق البلاد، بدأ نبض الحياة يظهر من خلال اللافتات الملونة وفاترينات عرض السلع وأضواء الكهرباء حتى لو كان مصدرها مولدات خاصة باهظة الثمن».
وانتهى إبراهيم قبل يومين من إعادة رسم لوحات دعائية على واجهة متجره الذي كان يطلق عليه في عهد القذافي «تشاركية». وجاءت شاحنة قادمة من مصر محملة بكراتين البطاطس المقلية. ثم أفرغت شاحنة أخرى قادمة من واحات الجنوب حمولة من مياه الشرب المعبأة من الآبار الجوفية. وبدأ المتجر يمتلئ.
في بداية دخول الجيش إلى المدينة وطرد المتطرفين من غالبية ضواحيها، كانت متاجر بنغازي تفتح في نحو الساعة الحادية عشرة صباحا وتغلق أبوابها قبل أذان العصر خوفا من طلقات الرصاص الطائشة ومن القذائف الصاروخية. لكن الوضع تغير الآن. وتسهر غالبية المتاجر والمقاهي حتى وقت متأخر من الليل. وفي الدواوين الحكومية التي عادت للعمل يستقبل المسؤولون الزوار الأجانب الذين بدأوا يتوافدون لاقتناص الفرص. جاء صينيون وفرنسيون وعرب وإيرانيون أيضا.
ويجري في الوقت الراهن بحث عودة فرع شركة شلمبرجير الفرنسية للعمل مع شركة الخليج العربي للنفط، وهذه الأخيرة شركة ليبية كبيرة تضررت بشدة من الفوضى التي أحدثتها الجماعات المتطرفة بعد مقتل القذافي. ويقول مسؤول في الشركة إن انتشار الجيش أخيرا خاصة في المنطقة الشرقية، فتح الشهية لاستئناف العمل. وكرمت الشركة أحد شيوخ القبائل ممن لعب دورا في دعم الجيش واستعادة الموانئ النفطية من الميليشيا التي كانت تسيطر عليها. وهي، مثل العديد من الشركات التي تسعى لاستئناف العمل بعد طول غياب، تنظر بعين الاحترام للدور الذي تقوم به إدارة الاستخبارات العسكرية ومديرها العميد شعيب الصابر، لبسط الأمن في عموم ليبيا.
ويجري العمل في كل مكان على قدم وساق. واستقبل العميد الصابر وفدا من لجنة الأمن القومي في مجلس النواب، برئاسة النائب طلال الميهوب. وفي الجانب الآخر من الشارع كان عشرات الشبان المتطوعون يرافقون شاحنة رفع القمامة وركام الحرب، للمساعدة في تنظيف الشوارع وتزيينها. ورفع عامل في شركة الخدمات العامة في المدينة، يدعى حسين، ذراعيه عاليا محييا موكبا عسكريا تابعا للجيش يتكون من ثلاث سيارات مدرعة لتفقد أحوال بنغازي. وهذه هي المرة الأولى التي تستأنف فيها شركة الخدمات العامة أعمالها في رفع قمامة المدينة منذ عام 2011.
وبسبب كثرة المخلفات التي تركتها الصدامات بين الجيش والمتطرفين، جاءت عدة شاحنات أخرى ومعها متطوعون، وعلى رأسها مدير شركة الخدمات نفسه، محمد البرغثي. ودخلت إلى الشوارع الرئيسية في منطقتي سيدي يونس والوحيشي. وأخذت المعاول تزيل أكوام الإسمنت والطوب والحديد للمباني المهدمة.. هناك أيضا حاويات بضائع مثقوبة وأجهزة مدمرة ومقاعد ومكاتب لم تعد تصلح للاستخدام بعد أن طالتها قذائف المتحاربين لشهور.
هذه مجرد عملية لبعث الحياة في المدينة وإغراء السكان والتجار الذين هجروها للعودة إليها مرة أخرى. عملية يشارك فيها الجميع. ووفقا للمسؤولين في بنغازي فإن الخطة الكبيرة لإعادة إعمار المدينة ستبدأ خلال الشهور المقبلة على أيدي الشركات المتخصصة سواء شركات ليبية أو عربية أو أجنبية. وجرى وضع تخطيط لجانب كبير من بنغازي في ستينات القرن الماضي على يد شركة دوكسيادس اليونانية، وتبعتها في العمل في هذا الاتجاه شركات أخرى من روسيا وتركيا ومصر. واستمر التطوير فيها لأكثر من ثلاثة عقود.
ثم شهدت المدينة طفرة نمو كبيرة منذ بداية الألفية، غيرت معالمها وحولتها إلى واحدة من المدن التجارية المهمة في شمال أفريقيا. وقاوم أصحاب المراكز التجارية الضخمة العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على نظام القذافي في ذلك الوقت. وبعد انتفاضة 2011، دخلت المدينة في موجة نمو جديدة أكثر طموحا، لكنها لم تستمر إلا لمدة 18 شهرا. وتعثر كل شيء بعد ذلك بسبب الفوضى والحرب مع المتطرفين. وظلت قوانين القذافي الاقتصادية هي القائمة حتى الآن. وخلال جولة قامت بها «الشرق الأوسط» خلال اليومين الماضيين في قلب المدينة، بدا أن المناقشات تجري على قدم وساق بين كبار المسؤولين للتعجيل باتخاذ خطوات عملية تعيد بنغازي إلى الواجهة.
وتحاول السلطات في بنغازي الحد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ولديها رجال يمرون على الأسواق الرسمية (الجمعيات الاستهلاكية). لكن المشكلة تكمن في أن معظم هذه السلع متوفرة في الأسواق الموازية بضعف الثمن. مثلا السعر الرسمي لفئات لتر الزيت النباتي أقل من دينارين، لكنه يباع بشكل غير رسمي بأربعة دنانير وخمسة دنانير.
وفي الجهة الأخرى من بنغازي تجمع عدد من المسؤولين وقاموا بافتتاح مبنى بلدية المدينة الجديد. ووقفوا لأكثر من نصف ساعة في الهواء الطلق أمام المبنى. وتوقف المارة لتحيتهم. فقبل شهور قليلة كان يسيطر على هذه المنطقة المتطرفون. ولم يكن أحد من أهالي بنغازي، ولا من الجيش ولا من الشرطة، يمكنه العبور من هنا. وما زالت فلول المتطرفين تعرقل وصول السلطات إلى ميناء المدينة البحري. وهو ميناء تجاري هام. ويقول رئيس البلدية، العميد أحمد العريبي: «نتعاون مع الأطراف المعنية لاستعادة ميناء بنغازي البحري من أيدي المتطرفين، وتشغيل مطار بنينا الدولي».
وفي المساء عاد من طريق المطار الذي جرى تنظيفه من بقايا الحرب، وفد لشركات قادمة من الصين تبدو متعطشة لاستئناف العمل وجني الأرباح من المشروعات الجديدة. ويتكون المطار من جزأين.. الجزء القديم وهذا أصبح جاهزا للعمل ويمكن افتتاحه لاستقبال الطائرات خلال الفترة المقبلة. والجزء الحديث الذي شرع نظام القذافي في بنائه لكنه لم يكتمل بسبب انتفاضة 2011، مثله مثل المئات من المشاريع الأخرى التي تنتظر استئناف العمل بها بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات.
ظهور الأجانب في بنغازي التي تعرضت فيها القنصلية الأميركية للهجوم في أواخر 2012، بدا لافتا للنظر. الفريق الصيني مطمئن وهو يتجول في الضواحي الشرقية من المدينة. والفريق الطبي الأميركي يتسوق من وسط بنغازي دون خوف. لقد وصل وفد جديد من هؤلاء الأميركيين التابعين لجمعية «نوفك» لجراحات القلب للأطفال. وظهرت مواكب أخرى لرجال أعمال أوروبيين وآسيويين وهم يتفقدون المجمعات السكنية الضخمة وغير المكتملة. الجميع يبحث استئناف أعمال التنقيب عن النفط وبناء العمارات ورصف الطرق ومد خطوط المياه وتحديث محطات الكهرباء والمستشفيات وغيرها.
وبما أن البلاد تعتمد على النفط، فإن الصراع السياسي والعسكري يبدو أنه يدور حول هذه النقطة. وشعرت بنغازي بالارتياح بعد أن سيطر الجيش على موانئ تصدير النفط في سبتمبر (أيلول) الماضي. لكن ما هي الجهة إلى ستقوم بتصديره ولمن ستذهب العائدات المالية، وكيف سيجري تقاسمها مع السلطات المتنافسة التي تحكم طرابلس ممثلة في المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل. ويقول أحد المسؤولين العسكريين ممن جرى تعيينهم ضمن فريق من الجيش لحكم بنغازي، بدلا من مجلسها المنتخب: «نحن في حالة حرب. في الحرب لا يمكن الانتظار».
وبينما يجري الحوار السياسي بين عدة أطراف ليبية برعاية الأمم المتحدة لتوحيد السلطات في هذا البلد الغارق في الفوضى، تبدو بنغازي محورا مهما في إعادة هيبة الدولة من جديد إلى ليبيا بعيدا عن المفاوضات السياسية الأممية. تحركات سريعة. معروف أن الانقسام السياسي في البلاد، تسبب في انقسام المصرف المركزي إلى مصرفين، والمؤسسة الوطنية للنفط (المعنية بتصدير البترول للخارج) إلى مؤسستين. وعلى وقع تقدم الجيش في عدة محاور ليس في بنغازي فقط ولكن في العديد من البلدات بما فيها الجنوب والغرب، بدأ البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق، ويعد خصما لمجلس السراج الرئاسي، يشعر بالقوة.
ومن مظاهر قوة الجيش والبرلمان، بدء مناقشات جادة بين مؤسستي النفط المنقسمتين من أجل إعادة توحيدهما في جسم واحد يعمل انطلاقا من بنغازي. ويقول مسؤول في الاستخبارات العسكرية: هذا مصير الليبيين.. هذه قوتهم.. هذه مسألة أمن قومي. وفي حال نجحت عملية نقل المؤسسة، موحدة، إلى بنغازي، سوف يزيد إنتاج النفط إلى نحو 700 ألف برميل يوميا. وحول كيفية معالجة النزاع القائم بين رئيس المؤسسة في طرابلس ورئيس المؤسسة في بنغازي، يضيف المسؤول العسكري الذي يراقب عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة: «ما توصلنا إليه حتى الآن هو أن ينتقل مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة في طرابلس للقيام بعمله كرئيس للمؤسسة نفسها انطلاقا من بنغازي.. على أن يكتفي ناجي المغربي، رئيس المؤسسة في بنغازي، بموقع عضو مجلس إدارة في هذه المؤسسة.. توجد مساعٍ إيجابية لإقناعه بذلك. الهدف استئناف تصدير النفط للتغلب على نقص الأموال في عموم ليبيا».
وفي مصفاة طبرق التي تبلغ قدرتها نحو 20 ألف برميل في اليوم، اصطف عدد من الموظفين لاستقبال الوفود الرسمية التي تأتي إلى هنا لتفقد أحوال موانئ التصدير، بينما كانت عدة ناقلات نفط ترابط داخل البحر. وانتهت الأطقم الفنية، وكلهم مختصون ليبيون، داخل المصفاة، من تنفيذ عملية ترميم كبيرة استمرت ثلاثة أسابيع استعدادا لقابل الأيام. ويتوقع أن يزيد إنتاج المصفاة إلى الضعف مقارنة بما كانت عليه في السابق.
حالة الانتعاش والأمل في صلاح الأحوال تسيطر أيضا على مهندسي البترول في العديد من الحقول وموانئ التصدير. وفي موقع حقل الحمادة لإنتاج البترول الذي تديره شركة الخليج العربي للنفط ويبعد نحو 400 كيلومتر إلى الجنوب من العاصمة طرابلس، اجتمع مديرو عدة مواقع مماثلة من عموم البلاد، منها حقول «السرير» و«النافورة» و«مسلة»، وتعهدوا بتقديم المساعدة التي تسهم في سرعة وتيرة العمل. ويأمل المسؤولون الليبيون في أن يؤدي هذا إلى التغلب على مشاكل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وارتفاع أسعار الدولار أمام العملة المحلية، ونقص السيولة المالية في المصارف.
وتتنافس كل من سلطات الشرق والغرب على محاولات استرضاء الليبيين.. وتعيش طرابلس العاصمة وعدة بلدات مجاورة لها مأساة أكبر مما هو موجود في المناطق الشرقية الأكثر استقرارا. وفي كل من الجانبين يبدو الوضع الاقتصادي صعبا على السكان. ووصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى أكثر من خمسة دنانير، بعد أن كان سعره في السابق 1.3 دينار.
وقام المصرف المركزي في طرابلس باعتماد ميزانية طوارئ قدرها 1.5 مليار دينار ووفر سيولة قدرها 9.4 مليار دينار، لكن المردود يبدو أنه ليس مرضيا بالشكل الكافي. فالزحام على المصارف في عموم ليبيا أصبح من المظاهر المعتادة بالإضافة إلى نقص الخدمات وارتفاع الأسعار إلى الضعف والضعفين، خاصة مع حلول موسم الشتاء. الكيلوغرام من الفحم أصبح سعره يزيد على خمسة دنانير. وملء أسطوانة غاز الطهي وصلت في بعض المناطق إلى نحو 70 دينارا. وارتفعت أسعار مولدات الكهرباء الخاصة.. بعض البيوت والدكاكين الصغيرة تضطر لشراء المولد المستعمل بما لا يقل عن ستة آلاف دينار. وهو مولد ذو صوت مرتفع. أما المولدات الضخمة التي يبلغ حجمها حجم حاوية وذات ضجيج أقل، فتبدأ أسعارها من مائة ألف دينار وحتى مائتي ألف دينار. ومثل هذه تجدها في المنازل والمتاجر الكبيرة مثل متجر إبراهيم.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.