تغيير ترامب في قوانين الضرائب قد يشجع نمو الثروات العائلية

ضريبة العقارات على رأس القائمة

خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)
خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)
TT

تغيير ترامب في قوانين الضرائب قد يشجع نمو الثروات العائلية

خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)
خطة ترامب ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية ما دام أنهم لم يبيعوا ما ورثوه (رويترز)

في حال وفى دونالد ترامب بالوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، فسوف تُرفع حزمة من مختلف أنواع الضرائب من على كاهل الأميركيين من بالغي الثراء، وستستجد حوافز ضريبية للتشجيع على المساهمة في المشروعات الخيرية، وستكون الفرصة أسهل أمام العائلات الثرية لتكديس مزيد من المال لتزداد ثراء.
تأتي ضريبة العقارات أعلى القائمة، فقوانينها الحالية مباشرة وصريحة؛ إذ تنُص على أن الزوجين معفيان من سداد الضرائب على ممتلكاتهما العقارية طالما كانت قيمتها السوقية أقل من 10.9 مليون دولار، في حين يتحتم عليهما سداد ضريبة تعادل 40 في المائة من أي قيمة تزيد على هذا المبلغ. كذلك يبدو مقترح ترامب مباشرا وصريحا، حيث ألغى الضريبة العقارية وضريبة التركات. ففي عام 2012 اعتبر أغلب خبراء الضرائب أن قضية الضريبة العقارية قد حُلت عندما توصل غالبية أعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري والرئيس أوباما، عشية احتفالات العام الجديد، إلى ما وصفوه بأكبر صفقة مقايضة ضريبية. وكجزء من تلك الصفقة، جرى الاتفاق على الإعفاء المعمول به في الضرائب العقارية حاليا، مع زيادة سنوية لتتواكب مع نسب التضخم. وبمقتضى الاتفاق، أعفي أكثر من 99 في المائة من الأميركان من الضريبة العقارية.
والعام الماضي، على سبيل المثال، قامت «هيئة العوائد الداخلية» بمراجعة 4918 حالة ضرائب عقارية فيدرالية (وبلغ مجموع ما تحصلت عليه الهيئة 17 مليار دولار). فالعمل لمجرد استرضاء مجموعة صغيرة من الناس يمكن النظر إليه من زاويتين: كإهدار لرأس المال السياسي، أو كنهاية لضريبة شجبها أنصار الحزب الديمقراطي بوصفها غير عادلة واعتبرها أنصار الحزب الديمقراطي حارسا لثروات الأجيال.
لكن اقتراح ترامب لم يأت مباشرا مثلما الحال في اقتراح الإلغاء، حيث قالت خطته أيضا إن «مكاسب رأس المال التي احتفظ بها الإنسان حتى موته والتي تتعدى 10 ملايين دولار سوف تخضع للضريبة، على أن تعفى المشروعات الصغيرة والمزارع العائلية من الضرائب». بمعنى آخر، ستدفع الضريبة على الممتلكات التي تتعدى قيمتها 10 ملايين دولار فقط في حال جرى بيع الأصول.
بالنسبة لبعض المحاسبين، فقد أحيا المقترح ذكريات عام 2010 عندنا أُلغيت الضريبة العقارية، وخضعت أصول الأثرياء لضريبة رأس الماس بحسب قيمتها المتزايدة، وهو ما مثل صداعا حقيقا، إذ إن قلة من الناس فقط هي من تحتفظ بسجلات تفصيلية للرجوع للثمن الأصلي، أو لتحديد السعر بعد خضوع الأصل للتحسينات على مدار عقود.
غير أن خطة ترامب، وفق تفسير بعض المحامين والمحاسبين، ستعفي الورثة الأثرياء من دفع أي ضرائب عقارية طالما أنهم لم يبيعوا ما ورثوه. وسوف يمثل ذلك صعوبة لمن ورث تركة متواضعة لأنهم عادة ما يبيعون وينفقون ما ورثوه، لكن ذلك لن ينطبق بالضرورة على من ورثوا تركات ضخمة مثلما الحال بالنسبة لأبناء ترامب لأن العقارات التي ستؤول ملكيتها لهم ستدر دخلا كبيرا، ناهيك عن ملاعب الغولف التي سيستطيعون الاقتراض بضمانها من دون الحاجة إلى بيعها.
وأفاد مارك بلوستين، شريك بمؤسسة روبس آند غراي، بأن «أغلب الناس ممن لديهم ثروات كبيرة عادة ما تكون ثرواتهم على هيئة أصول رأسمالية تزيد قيمتها بمرور الوقت»، مضيفا: «يعتمد الأمر هنا على ما إذا كنت تنوي بيع الأصول أم لا. فمثلا في حال ورث شخص ما مجمع منشآت عائلية فسيكون الأمر عظيما، لكن بالنسبة لشخص ورث مشروعا تجاريا تحصلت عليه عائلته عن طريق مزاد علني فسوف يتعين عليه سداد الضرائب المستحقة».
وفيما يخص الخصم في حال المساهم في المشروعات الخيرية، فقد تعرض ترامب لهذا في خطبه الجماهيرية مرتين. فمن ضمن مقترحاته بشأن الضريبة العقارية، أنه «لكي نتجنب الظلم، فلن يسمح بمشاركة الأصول المتزايدة في الجمعيات الخيرية الخاصة التي أسسها المتوفى أو أقاربه». وفي الجزء المتعلق بضريبة الدخل، قال ترامب إن جميع الشرائح الموضحة التي تمتعت بخصومات ضريبية سيكون حدها الأقصى مائتي ألف دولار أميركي للزوجين. في حين يستخدم أغلب الناس خصومات محددة للدخل الضريبي الحكومي المدفوع وفوائد الرهن العقاري، فإن هذه الخصومات - المقدمة للأثرياء المقيمين في ولايات لا يخضعون فيها لضريبة الدخل ولا لفوائد الرهن العقاري للمنازل التي يعيشون فيها - جميعا تأتي من المساهمات في الجمعيات الخيرية. وغالبا ما تكون هذه المساهمات بالملايين، أو مئات الملايين من الدولارات.
فحسب الخبراء الماليين فإن تحديد الحد الأقصى للخصومات بمبلغ مائتي ألف دولار، ومنع أي خصومات أخرى، فوضع الأصول المتزايدة في مؤسسة عائلية خاصة من شأنه أن يحد من الحوافز المالية للأثرياء ولن يشجعهم على الدخول في مؤسسات خيرية.
بالطبع، سيقول كثير من المستشارين إن الحوافز الضريبية ليست هي السبب الوحيد في تقديم الناس المال للجمعيات الخيرية. لكن عامل الحوافز المالية، في بعض المستويات، كان له الفضل في جعل الأميركان أكثر شعوب العالم إقبالا على الأعمال الخيرية في العالم.
«أشعر بالضيق من إمكانية أن تكون خصوماتي مشروطة بمساعدة مزيد من الناس»، وفق تود مرجان، رئيس مؤسسة بي أير للاستشارات الاستثمارية، وأحد المؤيدين لمقترح إلغاء الضريبة العقارية، مضيفا: «لكني سأستمر في فعل ذلك للأسف. لكن إن لم يجر تخفيف ذلك، فإن هذا الجانب من قانون الضرائب سوف يكون أمرا سلبيا بالنسبة للمحتاجين».
من ضمن القوانين الحديثة المرتبطة بقانون العقارات هناك قانونان يمكن أيضا أن يلغيا: «ضريبة الهدايا» وضريبة «تخطي الأجيال»، وهما الضريبتان اللتان لم يتناولهما ترامب في خطاباته بشكل مباشر، لكن مستشاري الضرائب أفادوا بأن ترامب قد يقدم على إلغائهما أيضا. فإن حدث فإن التأثير الاقتصادي لذلك سوف يكون أكبر من تأثير إلغاء الضريبة العقارية نفسها.
ففي الأصل، كان الهدف من سن قانوني «الهدايا» و«تخطي الأجيال» منع الأثرياء من تجنب سداد الضريبة العقارية. لكن، على سبيل المثال، في حال أراد ثري منح أصوله لأطفاله أو أحفاده من ذوي الشرائح الضريبية الأقل، فسوف يدفعون ضرائب أقل على النقل إلى ملكيتهم، مما يقلل المال المفترض أن يذهب إلى الخزانة الأميركية.
ولمواجهة ذلك، بدت خطة ترامب بشأن الضريبة العقارية وكأنه قد فصلها لتناسب مقاس الأثرياء مثله: فثروته مركزة في العقارات، ولن يحتاج ورثته لبيعها، ولذلك لن يخضعوا للضريبة العقارية المفترض سدادها بعد بيع عقار يتعدى ثمنه 10 ملايين دولار، ناهيك عن أنه ليس من طبعه التبرع للمساهمة في الجمعيات الخيرية، ولذلك لن يستفيد كثيرا من الخصم المقدم للمتبرعين لتلك الأعمال.
وقالت سارة كونلي، شريكة بشركة نيكسون بيبودي للمحاماة والاستشارات، إن «الضريبة العقارية لن تؤثر على سكان المناطق الريفية الذين توافدوا بأعداد غفيرة للتصويت له».
فرغم أن الجمهوريين سيسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ، فقد يناضل ترامب لإلغاء الضريبة العقارية. وأفاد ريتشارد بهرنديتت، مدير التخطيط العمراني بمؤسسة إنيكس ويلث مانجمنت ومستشار سابق بدائرة الإيرادات الداخلية، بأنه «لن يكون الأمر بالسهولة التي نراها الآن». لكن بالنسبة لبالغي الثراء، فقد يكون انتخاب ترامب قد تسبب بالفعل في إثارة الجدل حول موضوع كان من المقرر له أن يثار في الأول من ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ وهو مناقشة المزايا الضريبية الضخمة الممنوحة للشراكة العائلية.
مثل تلك الشراكة عادة ما تستخدم للحفاظ على الأصول العائلية، مثلما هي الحال في الشركات الخاصة. وكانت دائرة الإيرادات الداخلية قد سمحت بخصم بلغ نحو 30 في المائة من الأسهم بتلك الهيئات نظرا لقلة عدد المساهمين (في حال ما كان الشركاء أقارب، فيحق للشريك الخارجي الشراء بتخفيض كبير).
غير أن تلك الكيانات تخضع للتدقيق منعا لإساءة استخدام القانون، فقد يقدم مثلا بعض الأثرياء على ضخ الأصول سهلة التقييم داخل هذا الكيان العائلي، مثل السندات المالية السوقية ليستفيد من التخفيضات الكبيرة الممنوحة لتلك الشريحة. أفاد المستشارون الأسبوع الحالي أنهم يرون أن الاجتماع المفترض أن يسد تلك الثغرة لن يسفر عن شيء يذكر، هذا إن عقد الاجتماع من الأساس. فجميع هذه التغييرات الضريبية تأتي أعلى القائمة وقبل قوانين أكثر أهمية والتي تهدف إلى إعادة صياغة ضريبة الشركات، والتي تمثل أهمية كبيرة لأصحاب المشروعات، وقوانين أخرى مثل تخفيض ضريبة الدخل الشخصي وإلغاء نسبة 3.8 في المائة المقررة كضريبة دخل استثماري والتي استهدفت «قانون الرعاية بأسعار معقولة» التي قال ترامب إنه ينوي إلغاءها.
فبالنسبة لمرشح وصفت رسالته بأنها شعبية، جاءت مقترحاته الضريبية لتوحي بعكس ما يقول. فمقترحاته ستسمح بخلق ثروات عبر الأجيال كمنافس لما يعرف بـ«العصر المُذهب» في الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي والذي كان سببا في سن قانون الضرائب بالدولة الحديثة عام 1916.
*خدمة «نيويورك تايمز»



البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».


طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.