بنغازي تصارع الإرهاب 2 من 5: متطرفو بنغازي محاصرون في غرب المدينة ويتلقون المدد من البحر

تقارير عن وجود عسكريين أجانب تتسبب في تعثر مفاوضات «الممر الآمن»

مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط»)  -  ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)
مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط») - ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)
TT

بنغازي تصارع الإرهاب 2 من 5: متطرفو بنغازي محاصرون في غرب المدينة ويتلقون المدد من البحر

مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط»)  -  ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)
مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط») - ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)

على مساحة طولها نحو 10 آلاف متر على شواطئ بنغازي وعرضها، نحو 1.5 ألف متر في عمق المدينة الغربي، يتمركز بين جدران المباني عدة مئات من خليط من المقاتلين المتطرفين الذين ينتمون لتنظيم داعش وتنظيمات متشددة أخرى. يدير اثنان من شبان ضاحية قنفودة هنا آلية ذات إطارين منصوب عليها مدفع عيار 23 ملليمتر، ويرددان نشيدًا حماسيًا وهما في حالة تحدٍ لطائرات الجيش التي ستحلق في السماء لقصف مواقعهم ومواقع زملائهم.
ومن على بعد عدة أمتار، تقدمت سيارة دفع رباعي، وبدأت عملية سريعة لجر المدفع عبر شارع يغطيه ركام المباني المهدمة، واختفى الشابان للتمركز في زاوية أخرى من الضاحية المشوهة، وابتعد صوت النشيد: «يا خوتي جتكم طيارة.. يا خوتي ردوا هالغارة». هذان اثنان من شبان ضاحية قنفودة الذين التحقوا بالجماعات المتطرفة تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي»، المعادي للجيش والبرلمان.
حتى صيف العام الماضي، كان الألوف من المتطرفين يسيطرون على بنغازي بالكامل. أرادوا حكم المدينة بالتعاون مع عناصر متشددة وفدت إلى هنا من تونس ومصر والجزائر والنيجر وغيرها. شبان ليست لديهم خبرة في الإدارة. بدأ الأمر بنصب ما يسميه أهالي بنغازي «بوابات الاستيقاف»؛ كل بوابة منصوبة في مدخل ضاحية وفي زاوية شارع، يقف عليها من ثلاثة إلى خمسة شبان مدججين بالأسلحة والغضب. وقد أذاقت عناصر الاستيقاف هذه أهالي بنغازي الأمرين. يقول محمود ابن قبيلة العواقير، وصاحب محل الجواهر في ضاحية الليثي: كانوا يفتشون المارة؛ من يجدون أن له علاقة بالجيش أو بالشرطة يقتلونه على الفور، ومن يشكون في أنه يرفض سلطتهم، ينزعون قميصه ويجلدونه أمام أسرته في الطريق، باعتباره مخالفًا للشريعة.
وقد قتل المتطرفون خلال أكثر من 18 شهرًا من السيطرة على بنغازي ما لا يقل عن ألفي ليبي، من بينهم نحو 700 من رجال الجيش والشرطة؛ استولوا على مبان حكومية، وناموا على أسرة بيوت الناس، ونهبوا فنادق ومخازن للسلع ومستشفيات. هاجموا معسكرات الجيش في المدينة، وأشهرها معسكر الصاعقة الذي دارت حوله معارك شرسة عدة مرات.
تقول الدكتورة أم العز الفارسي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة قار يونس، أكبر جامعات المدينة: إن الحياة كانت شبه مستحيلة في بنغازي خلال تلك الفترة. ويضيف النائب عن المدينة في البرلمان الليبي إبراهيم عميش: كنت أرى مدينتي العزيزة على قلبي وهي تنهار أمامي، لكن كان لدي أمل في تغيير كل هذه الفوضى في المستقبل، وهذا ما يحدث الآن؛ نحن لا نحارب متطرفين محليين.. نحن نحارب إرهابًا دوليًا.
وفي هذه الأثناء.. أي مع حلول صيف العام الماضي، كان المشير خليفة حفتر قد انتهى تقريبًا من رص صفوف أبناء القوات المسلحة في المنطقة الشرقية من البلاد. بدأ الأمر باستعادة نحو 30 ألف جندي وضابط وصف ضابط؛ هؤلاء كانوا في السابق في الجيش الليبي، لكنهم كانوا قد تركوا الخدمة بعد سقوط نظام معمر القذافي. كما أن جانبًا منهم كان قد انشق عن الجيش في أثناء الحرب بين قوات المتمردين ونظام القذافي في 2011، واستمرت إعادة هيكلة الجيش وتنظيمه على يد حفتر عدة شهور، بدأت منذ منتصف عام 2014، وشملت ضم عناصر عسكرية أخرى من مناطق مختلفة من ليبيا، أي من الجنوب ومن الغرب.
حفتر في نظر كثير من القيادات السياسية والميليشياوية التي تسيطر على طرابلس ومصراتة ومدن أخرى في غرب البلاد، يعد عسكريًا يدير انقلابًا على السلطة، رغم أن السلطة التي انتخبها الليبيون في صيف سنة 2014، كانت هي البرلمان. وهذا البرلمان عيَّن حفتر قائدًا للجيش، وكلفه بمحاربة الإرهابيين. بيد أن القيادات في غرب البلاد لا تريد الاعتراف بالبرلمان، وبالتالي تنفي شرعية حفتر وشرعية الجيش الوطني الليبي الذي يقوده. وحين ظهرت صفوف الجنود في مراكز التدريب داخل معسكرات الجيش الوليد في شرق بنغازي، زادت وتيرة دعم طرابلس ومصراتة للمتطرفين في بنغازي عبر البحر والبر؛ شحنات من صواريخ غراد، ودبابات ومدرعات وسيارات دفع رباعي، وألغام وأحزمة ناسفة، ومقاتلين محليين وأجانب، ومنظومات للمراقبة والتجسس، وغيرها.
بنغازي هي مدينة الثورات ومدينة الحراك السياسي. هي مقياس الحرارة.. منها تعرف توجهات الريح، وتعرف أين سيكون المستقبل. ألقى الملك السنوسي بيان الاستقلال وجلاء الاحتلال في مطلع خمسينات القرن الماضي من شرفة قصر الحكم القريب من بحر بنغازي القديمة. وأعلن القذافي من مبنى إذاعتها المشرف على الشاطئ أول بيان له. وتقول الدكتورة الفارسي: مدينتا ليست كأي مدينة. كنا نشعر بالأسى حين كانت ترزح تحت سلطة المتشددين.
ومثل كل شيء غريب وغير معتاد في ليبيا، تكونت سلطة المتطرفين في المدينة، تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي»، من خليط غريب من الجماعات المتشددة. ظهر على رأس هذه الجماعات تنظيم «أنصار الشريعة» الذي كان يقوده عازف الإيقاع السابق في فرقة درنة الموسيقية، محمد الزهاوي. والتحقت به مجاميع قتالية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين الليبية، وأخرى تابعة للجماعة الليبية المقاتلة المنتمية لتنظيم القاعدة. ومع السيطرة شبه التامة على المدينة، التحقت بالسلطة الجديدة للمتطرفين أفواج من مشارب وجنسيات مختلفة، أغلبهم من التونسيين الذين يجدون سهولة في التسلل عبر الحدود مع ليبيا، والقدوم إلى بنغازي. وزادت وتيرة استهداف رجال الجيش والشرطة والمعارضين.
ومع بداية عام 2015، أعلن تنظيم «أنصار الشريعة» موالاته لتنظيم داعش. ولم يؤثر هذا التحول على بنية «مجلس شورى ثوار بنغازي»، ولم تقف ضده باقي الجماعات المختلفة عنه فكريًا، كما حدث في العراق وسوريا. وظل العمل بين هذه الفرق يسير في تناغم وسلاسة، رغم أن القوات المتطرفة التي كانت تسيطر على بوابات بنغازي الجنوبية الشرقية، بقيادة زياد بلعم، آمر كتيبة عمر المختار، كانت تقول إنها ليست منضوية في «مجلس شورى ثوار بنغازي»، لكنها تقاتل معه.
ويقول المثل الليبي إن من يسيطر على بنغازي يسهل عليه السيطرة على كل ليبيا. ولهذا كانت الأنظار تتجه إلى ما يمكن أن يفعله الجيش وهو يستعد لخوض حرب صعبة مع المتطرفين في المدينة. بدأت العملية أولاً بقصف مكثف بطائرات السوخوي ضد مواقع المتطرفين في المدينة من أجل تحقيق عدة أهداف، من بينها تقليص الدعم الذي يصل لـ«مجلس شورى الثوار» من طرابلس ومصراتة. ثم تحركت طلائع الجيش على الأرض لأول مرة تحت لهيب حرارة صيف العام الماضي، في أكبر عملية في شمال أفريقيا لطرد ألوف المقاتلين من هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة. كان هذا يجري في طريق، بينما الأمم المتحدة تسير في طريق آخر.
أدارت الأمم المتحدة محاولات في بلدة الصخيرات المغربية لجمع بعض الأفرقاء الليبيين حول حكومة توافق، لكن في بنغازي كانت الحرب لاستعادة الدولة. الوضع العسكري كان كالآتي: قوات «مجلس شورى الثوار» تحكم بنغازي، وتنشر الرعب في ضواحيها، وترابط على الطرق الدائرية وفوق الكباري، وتسعى - بقيادة الزهاوي - للدخول إلى قلب مطار بنينا الدولي، في جنوب شرقي المدينة. ومن الجانب الآخر، كان الجيش بقيادة حفتر يستعد للحرب، انطلاقا من تجمعات قواته البرية وقوات الصاعقة وقوات مكافحة الإرهاب، من ناحية مدينة المرج الصحراوية الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترا شرق بنغازي، ومن ناحية منطقة الرجمة العسكرية على بعد نحو 25 كيلومترا جنوب شرقي المدينة. كان المطار هو النقطة التي سيتحدد فيها من هو الغالب ومن هو المغلوب لسنوات طويلة مقبلة.
تقدم الجيش.. وجد أمامه «بوابة مالك»، وهي أول خط للمواجهة. وتفصل البوابة بين ضاحية «سيدي فرج» الكبيرة التي تنتشر فيها الأسوار والمزارع ومخازن البضائع التابعة لرجال الأعمال والشركات العامة، والطرق المؤدية إلى الرجمة وإلى مطار بنينا. تسيطر على البوابة كتيبة عمر المختار بقيادة بلعم، وهو شاب في أواخر الثلاثينات من العمر، له شعر طويل ينسدل على كتفيه ويضع عليه قبعة، ولحية تغطي صدره.
وبدأت قذائف المدفعية تنهمر على المتقاتلين في الجانبين. وبدأت معها تحركات باقي المقاتلين تأتي من وسط المدينة ومن المحاور المجاورة، لدعم بلعم. استمرت المعركة عدة أيام، لكن قوات بلعم ومن معه من جيش المتطرفين انهارت وتقهقرت نحو سبعة كيومترات إلى الخلف. وشهد شارع المطار الذي يبلغ طوله نحو 15 كيلومترًا، من وسط المدينة حتى بننيا، حربًا مستعرة لعدة شهور. وتمكن الجيش رغم إمكاناته الضعيفة، ورغم الحظر الدولي على تسليحه، من إزاحة المتطرفين وهو يتقدم بخطوات حثيثة حتى بسط سلطته على غالبية بنغازي. وقتل في الحرب المئات من «مجلس شورى ثوار بنغازي»، من بينهم الزهاوي نفسه، وفر بلعم بقواته إلى غرب البلاد.
وغير الجيش اسم «بوابة مالك» إلى «بوابة سيدي فرج»، على اسم المنطقة التي تطل عليها. ويقف فيها اليوم جنود متأهبون وهم يلوحون للمارة بعلامات النصر، لكنهم يحرصون على تفتيش السيارات والتدقيق في أوراق الهوية. وانتهى العمال من إعادة ترميم مطار بنينا، وتنظيف الشارع الطويل الواصل للمطار من آثار القذائف والخراب. وانتشرت في باقي المدينة قوات الجيش والشرطة العسكرية وشرطة المرور. وبدأت الأسواق تفتح أبوابها والمنتديات تستضيف الشعراء من باقي المدن الليبية. وتقول الدكتورة الفارسي: نحن أبناء بنغازي نحب سهرات نهاية الأسبوع، لقد افتقدنا هذا الأمر مدة طويلة، لم نكن نستطيع التأخر خارج بيوتنا حتى المساء، لكن اليوم في مقدورك السهر حتى الصباح دون خوف.
واجتاح الجيش باقي مواقع المتطرفين في المدينة، ونصب بواباته وأعلن عن وجوده بقوة، وانخرط آلاف الشبان الجدد في صفوف الجيش، وظهرت كتيبة «أولياء الدم» التي تسعى لتقديم المتطرفين الذين أعدموا أبناء عمومتهم في المدينة للعدالة والمحاسبة. وبدأ شبان متطوعون في تنظيف الشوارع، وطلاء واجهات المباني، لكن مشكلة بنغازي لم تنته بعد. فقد تحصن في ضواحي غرب المدينة، «الصابري» و«سوق الحوت» و«قنفودة» و«القوارشة»، المئات من فلول المتطرفين المنهزمين، ويوجد بعض السكان أصبحوا رهائن لدى المقاتلين المتشددين في المنطقة، ويوجد لديهم أسرى بعضهم من أنصار النظام السابق. وهناك مرافق حيوية ومكتبات ومصارف وأرشيف يعود تاريخه لأكثر من مائتي سنة.. كل هذه المؤسسات وما تحويه من وثائق أصبح مصيرها مجهولاً.
ومنذ أشهر، يفرض الجيش حصارًا على هذه الضواحي، في محاولة منه على ما يبدو لإرهاق من تبقى من عناصر «مجلس شورى ثوار بنغازي». ويحاول الجيش، وفقًا للقيادات العسكرية هنا، الحفاظ على أرواح الأبرياء والرهائن. ووجه الجيش نداءات أكثر من مرة لكي يسلم المحاصرون أنفسهم وعتادهم للسلطات، لكن دون جدوى. ويقول ضابط برتبة مقدم في الاستخبارات العسكرية: نستطيع الدخول والانتهاء من هذا الصداع، لكن الخسائر ستكون كبيرة.. لقد لغموا الطرق الداخلية والمباني بألوف الألغام، هذا يتطلب عسكريين مختصين في نزع الألغام وأجهزة متقدمة، وهي ليست موجودة لدينا في الوقت الراهن. إمكانياتنا ضعيفة، لكننا مصممون على إتمام العملية بأقل خسائر حتى لو استغرقت وقتًا أطول.
وفي المقابل، تضغط جهات دولية، منها الأمم المتحدة ومنظمة «هيومن رايتس ووتش»، من أجل فتح ممر آمن لخروج المدنيين من الضواحي المحاصرة، خصوصًا ضاحية قنفودة، قائلة إنهم يدفعون ثمن الحرب بين الجيش والمتطرفين. وجرى إرسال فريق دولي لبحث هذا الأمر مع قادة في الجيش بعيدًا عن أضواء التصوير. وانعقد اجتماع شارك فيه عدد من العسكريين، وثلاثة من قيادات البرلمان. ووفقًا لنائب حضر الاجتماع، فقد حدد الجيش شروطه لفتح ممر آمن، وعلى رأسها مراجعة أسماء من سيخرجون من المنطقة، وتسجيلها في «كشوف تسليم وتسلم» مع الجهات الدولية المعنية. وقال النائب: «الجيش لديه معلومات عن وجود سبعة ضباط على الأقل يتبعون دولا أجنبية وسط المتطرفين في ضاحية قنفودة، ويريد أن يعرف من هم، وماذا كانوا يفعلون هنا.. ويوثق ذلك بشكل رسمي».
ورغم تأخر الحسم النهائي في بنغازي، فإن أهالي المدينة الذين بدأوا في العودة إليها، أصبح لديهم معنويات مرتفعة، خصوصًا بعد أن انتزع الجيش منطقة الموانئ النفطية من أيدي الميليشيات المتطرفة، غربي المدينة. ويصر أهالي بنغازي على الاستمرار في الحياة وهم ينتظرون ساعة انتهاء الحرب التي طالت في مدينتهم. هم يشعرون مع ذلك بالرضا.. المقاهي تفتح أبوباها والمحال التجارية تعرض بضاعتها، والجمعيات الأهلية تنظم سهرات للشعر والأدب. وتقول الدكتور الفارسي بعد أن عادت من إحدى هذه الأمسيات في ضاحية الحدائق: نعيش تحت القصف، وكل يوم نقول أفضل من اليوم الذي سبقه، والحمد لله.
ويطلق أهالي بنغازي على فلول قوات المتطرفين في بنغازي اسم «الدواعش» واسم «الأنصار» نسبة إلى تنظيم أنصار الشريعة الموالي لـ«داعش». ويشعر سكان المدينة التي انطلقت فيها شرارة الانتفاضة المسلحة ضد القذافي في 2011 بالمرارة من موقف قادة في طرابلس ومصراتة، بسبب الدعم الذي يقدمونه لخصوم الجيش، سواء للمحاصرين في قنفودة وسوق الحوت والصابري والقواشة، داخل غرب بنغازي، أو لقوات الميليشيات المتطرفة التي يجري تجميعها في منطقة الجفرة الصحراوية للهجوم على الموانئ النفطية التي أصبحت تحت سلطة الجيش. وتقع الجفرة على بعد نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب من منطقة الموانئ النفطية. ومن بين القيادات الميليشياوية الموجودة هناك، بلعم وكتيبته «عمر المختار» التي طردها الجيش ضمن كتائب أخرى من بنغازي.
ووفقًا للمصادر العسكرية في الجيش الليبي، فقد حاول قادة المتطرفين الذين يهيمنون على الحكم في طرابلس ومصراتة الإبقاء على المدينة تحت سلطة «مجلس شورى ثوار بنغازي» بكل الطرق، من الدعم المالي الذي بلغ مئات الملايين من الدولارات، إلى إرسال المقاتلين، مرورا بالحملة الإعلامية الممنهجة لتشويه صورة الجيش والمشير حفتر.
وتعكس كل زاوية من زوايا بنغازي شراسة المعركة التي دارت هنا طيلة شهور، وقتل فيها المئات من المتطرفين، وأصيب عدة آلاف؛ شبان فقدوا أطرافهم ويسيرون على مقاعد متحركة أو على عكازات. الحواجز الحديدية الموجودة في الجزيرة الوسطى من شارع المطار بطول نحو 15 كيلومترًا، التوت وتشوهت من شدة القصف، ومن حركة الدبابات والآليات الثقيلة وهي تهاجم وتنسحب. واجهات مباني وإدارات حكومية مهشمة، ومبنى مديرية الأمن اختفى، ومبنى مصنع الأسمنت الضخم مثقوب من كل جانب. سلسلة مخازن البضائع في «سيدي فرج» يغطيها سخام الحرائق. صفوف من الدكاكين والبيوت في كثير من ضواحي المدينة تحولت إلى أكوام من التراب وأسياخ الحديد.
ويقول أحد القادة العسكريين إن الدواعش (يقصد بهم كل جماعات المتطرفين في غرب المدينة)» ما زالوا موجودين في بنغازي في مناطق الصابري وسوق الحوت وقنفودة، مع وجود خلايا نائمة وسط المدينة، عددهم لا يزيد عن بضعة مئات من اليائسين، وغالبيتهم من الليبيين، ومعهم تونسيون وسودانيون ونيجيريون وعدد أقل من المصريين. واكتشفنا أخيرا أن بينهم نحو سبعة ضباط أجانب.. المشكلة أن معظم من تبقى من هؤلاء المقاتلين قناصون محترفون ومتفوقون في زرع الألغام والمفخخات، ويصل إليهم الدعم من طريق البحر، خصوصًا أن ميناء بنغازي البحري ما زال يقع تحت سيطرتهم.
ويضيف أن المنطقة التي يتحصن فيها المتطرفون يوجد فيها أسواق ومخازن للمواد الغذائية وغيرها.. ويوجد فيها مخزون من الطاقة داخل محطات الوقود. ويأتي الدعم بحرًا عن طريق الميناء عبر زوارق صغيرة. وحصار الجيش ومراقبته جعلت دخول المراكب الكبيرة أمرًا مستحيلاً الآن، ولذلك يعتمدون في جلب الأسلحة على زوارق يغطونها بأكياس بلاستيكية ذات لون أزرق حتى يصعب كشفها في البحر من جانب الجيش. كما أن دخول مقاتلين جدد إلى هذه الضواحي أصبح أقل من السابق.
ويفرض الجيش نظامًا صارمًا في المدينة. فقد وضع كتلاً ضخمة من الخرسانة المسلحة للفصل بين مناطق وجود المتطرفين وباقي الضواحي، وتسبب هذا في تعديل سير السيارات عبر محاور مختلفة. ضاحية الهواري التي يوجد فيها عدة مصانع ومستشفى وطريق رئيسي، أصبحت مزدحمة بعد أن جرى إغلاق طريق ضاحية القوارشة التي يوجد فيها فلول للمتطرفين لديهم مهارة في القنص عن بعد. وهناك شوارع أخرى مغلقة خوفًا مما زرعه المتطرفون من ألغام فيها قبل هروبهم. ويسعى الجيش للتعاقد على كاشفات ألغام لهذا الغرض، رغم أن المصدر العسكري يقول إنه حتى بالنسبة لكاشفات الألغام محظور شراؤها رسميا بسبب الحظر الدولي على تسليح الجيش. وأضاف ساخرا: «يعتبرونها أسلحة»!
كان المدد بالسلاح والمقاتلين يصل للمتطرفين في بنغازي إما من الطريق البري من ناحية الجنوب الغربي، أو من طريق المراكب التي يطلق عليها الليبيون «جرافات». وبينما أغلق الجيش طريق الإمداد البري، أصبح المنفذ الوحيد حتى الآن هو البحر، لكن ليس كالسابق. ويقول قائد في الاستخبارات العسكرية إن البحر هو المشكلة؛ «الشواطئ التي تقع تحت أيدي المتطرفين طويلة، ويصعب السيطرة عليها بالإمكانيات المحدودة التي لدى الجيش.. منعنا دخول المراكب الكبيرة، وقصفنا الجرافات، لكن المتطرفين أخذوا في الاستعانة بالزوارق المغطاة بالأكياس الزرقاء في نقل الأسلحة، واستخدام الدراجات النارية المخصصة للبحر في جلب المقاتلين.. الدراجة الواحدة تقل اثنين أو ثلاثة، ولهذا هم يأتون من مناطق قريبة، إما من ناحية سواحل إجدابيا (غرب بنغازي)، أو من مراكب كبيرة تقف في عمق البحر.
وبين يوم وآخر، ينفذ الجيش غارات بالطائرات الحربية على تمركزات المتطرفين داخل المنطقة المحاصرة. وكان عدد سكان هذه المنطقة يزيد على مائة ألف. معظم هؤلاء تركوا منازلهم لأن بعضهم لديه بيوت أخرى في المدينة، وهناك من خرج خارج بنغازي، ومنهم من قام بتأجير منازل في بنغازي على أمل أن تنتهي الحرب سريعا، لكنها لم تنته بعد.
وقد طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الجيش الوطني الليبي بالسماح لأي مدني يريد ترك منطقة المعركة بالمغادرة، أيا كان عمره أو جنسه، وهي تقول إن هناك 120 أسرة على الأقل تعيش في قنفودة، لديها مئات الأطفال، وإن هذه الأسر تعيش في ظروف شاقة للغاية، وتحدثت أيضًا عن إعاقة الجماعات المسلحة مغادرة المدنيين لقنفودة، واستخدامهم دروعًا لمنع الجيش من التقدم في معقل المتشددين.
وتضم المنطقة المحاصرة التي يحتلها المتطرفون مبنى البنك المركزي وباقي إدارات الدولة، مثل مكتب البريد الرئيسي وإدارة الجوازات والجنسية والهجرة. وفيها المدينة الأثرية القديمة، ومنارة بنغازي التي تشرف على البحر، والتي يبلغ عمرها نحو مائتي سنة، وفيها أقدم سوق للسمك وسوق الجريد، إضافة إلى أربعة فنادق ومستشفى الجمهورية الذي يتجاوز عمره 120 سنة. وفي المنطقة أيضًا واحدة من أجمل الكنائس في شمال أفريقيا، وكانت مغلقة في عهد القذافي، ويعتقد أن المتطرفين فتحوها وعبثوا بمحتوياتها الثمينة.
أما البيوت والمنازل، فلم يعد يوجد فيها عدد يذكر من السكان.. جزء من العائلات المتبقية هم عائلات للمتطرفين أنفسهم من جنسيات مختلفة، وفقًا للمصدر العسكري. زوجات وأطفال، نساء ليبيات وغير ليبيات. ومع ذلك، لم تقطع الخدمات عن هذه المناطق.. توجد فيها كهرباء ومياه وإنترنت، ويضيف: «هذه الخدمات لم تتأثر بسبب مرورها في مناطق أخرى آهلة بالسكان، إذ إن قطع الخدمات عن المحاصرين يحتاج إلى عملية فنية معقدة حتى لا تتضرر باقي ضواحي المدينة. بنغازي ليست مقسمة وفقا لنظام المربعات، ولكنها مناطق متشابكة مع بعضها بعضا.. إذا أغلقت ماسورة المياه مثلا سوف يتضرر آخرون يسكنون في الجوار».
وينظر غالبية سكان بنغازي بعين الريبة للممارسات التي يقوم بها مسؤولون في العاصمة طرابلس وأطراف دولية ضد الجيش الذي تمكن من استعادة مظاهر الدولة إلى المدينة. ويقول محمود ابن قبيلة العواقير، أكبر قبائل بنغازي، وهو يشرف على رص بضاعته في سوق الليثي: قارن بين بنغازي وهي تعود إلى النظام والأمن، والفوضى التي تثيرها الميليشيات في طرابلس.. الجيش أعاد بنغازي للحياة، ونحن معه.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.