عميد أكبر قبائل منطقة الموانئ النفطية في مرمى النيران

بنغازي تصارع الإرهاب 1 من 5 : الصدفة تلعب دورا في إنقاذ ضاحية سيدي فرج من مذبحة

الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
TT

عميد أكبر قبائل منطقة الموانئ النفطية في مرمى النيران

الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)
الأطيوش مع أحد أبناء قبيلته خلال استقباله للمهنئين في مركز بنغازي الطبي عقب نجاته من محاولة الاغتيال («الشرق الأوسط»)

ترصد «الشرق الأوسط» في سلسلة حلقات محاولات مدينة بنغازي التي كانت تسيطر عليها الميليشيات المتطرفة، العودة إلى الحياة رغم المصاعب ورغم ضعف إمكانيات الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر. أهالي المدينة التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية بعد طرابلس العاصمة، لديهم إصرار على تنظيف بنغازي من آثار المعارك، لكن ما زالت توجد جيوب في المدينة تثير الخوف والفزع. ومع ذلك تبقى إرادة التغيير والسير إلى الأمام هي الشعار المرفوع هنا. روح معنوية مرتفعة وسط قصص عن بطولات قام بها مجهولون من أجل طرد المسلحين من المدينة.
افتح دكانك.. ارجع إلى بيتك. لكن افعل ذلك وأنت متأهب للخطر. مواقع المتطرفين ما زالت تقاوم في الشوارع الغربية. والخلايا النائمة في الضواحي الآمنة يمكن أن تستيقظ في أي لحظة لتنفيذ عملية خاطفة. والخصوم يحشدون لإعادة السيطرة على الموانئ النفطية. يوجد جيش ورجال لوزارة الداخلية ينتشرون في شوارع بنغازي. لكن الحذر واجب. هبت الرياح صباح يوم الجمعة محملة بالتراب على المدينة. يومٌ يحمل نُذر الخطر. كان يفترض الانتقال إلى منطقة سيدي فرج الواقعة إلى الجنوب الغربي من مطار بنغازي المعروف باسم «مطار بنينة الدولي». كان المتطرفون يحتلون هذه المنطقة الحيوية لعدة أشهر. واليوم جرى طردهم.

البرنامج يتضمن الوصول إلى منزل عميد قبيلة المغاربة الشيخ صالح الأطيوش. وإجراء حوار صحافي معه عن جهود الجيش وشباب بنغازي في الحرب ضد الإرهاب. ثم التوجه معه في سيارته المصفحة لأداء صلاة الجمعة في مسجد أبو بكر الصديق الذي جرى تأسيسه عام 2006 في منطقته على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من منزله. وبعد الصلاة وفقا للبرنامج، يعود الجميع مرة أخرى إلى منزله لتناول وجبة الغداء. لم يكن أحد يعلم أن هناك من ينتظر وراء أشجار الزيتون لتفجير السيارة بمن فيها.
بحلول الساعة العاشرة صباحا كان الغبار قد غطى شوارع المدينة. كانت الإقامة في منزل قريب من محاور القتال بين الجيش والمتطرفين في غرب بنغازي، يعود لأحد شيوخ قبيلة العواقير الكبيرة والقوية في شرق ليبيا. من السهل أن تسمع كل حين وآخر صوت انفجارات المدفعية وتكتكة الرصاص. الطريق من هنا إلى منزل الشيخ الأطيوش لا يقل عن خمسة عشر كيلومترا عبر شارع المطار. وبدأ الاستعداد للتوجه إلى هناك، لكن في اللحظات الأخيرة جرى تغيير الخطة بسبب سوء حالة الطقس.. غبار وريح وانخفاض في مستوى الرؤية. الرأي بتأجيل اللقاء مع الأطيوش إلى المساء. ومع ارتفاع صوت أذان الظهر، وصل الخبر. تفجير سيارة مفخخة لحظة وصول عميد قبيلة المغاربة إلى المسجد.
كانت صحيفة «الشرق الأوسط» هي أول صحيفة عربية تصل إلى هذا العمق من خطوط التماس بين قوات الجيش الذي يقوده حفتر، وبواقي قوات المتطرفين المتحصنين في عدة مناطق في غرب بنغازي. وبدأ عدد من المسؤولين في الاتصال للاطمئنان على أن المبعوث الصحافي ومرافقه محمود، ابن قبيلة القناشات، لم يصابا بسوء في تفجير الأطيوش. كان الاعتقاد ما زال سائدا عن أن هناك صحافيا في سيارة شيخ المغاربة التي تحولت إلى كومة من الحديد الملتوي والمحترق.
في الجهة الأخرى.. أي في منطقة سيدي فرج التي سيطر عليها تنظيم «أنصار الشريعة» الموالي لـ«داعش»، لعدة شهور، يوجد منزل الشيخ الأطيوش وسط بيوت لأبناء عمومته وأقاربه. ويحظى الأطيوش بأهمية خاصة بعد أن أدار بمهارة تسهيل عملية دخول قوات الجيش بقيادة حفتر للموانئ النفطية في الشمال الأوسط من البلاد، واستعادتها من أيدي ميليشيا يقودها أحد أبناء القبيلة ويدعى الجضران.
منطقة سيدي فرج صحراوية وقليلة السكان، ويوجد فيها مزارع للزيتون والخضراوات تروى بالمياه الجوفية. وتنتشر فيها «المزارع» وهي قطع من الأراضي تتراوح مساحاتها بين 500 و3000 متر تخص مواطنين من المدينة. كل مزرعة محاطة بسور ويوجد فيها بعض الشجيرات وغرفة واحدة على الأقل ودورة مياه، ويستخدمها أبناء المدينة في قضاء عطلة نهاية الأسبوع فيها مع الأسرة أو مع الأصدقاء.
وخلال احتلال المتطرفين لمنطقة سيدي فرج استخدموا هذه المزارع في الإقامة والمعيشة وتخزين الأسلحة والمتفجرات والانطلاق منها لتنفيذ الهجمات والعودة مرة أخرى. ولقي كل من الجيش وشبان المنطقة المتطوعين لمحاربة المتطرفين، صعوبة لوقت طويل في هزيمة العدو وطرد الغرباء من سيدي فرج. وخسر أحد قادة المنطقة ويدعى سليمان، كل رجاله ما بين قتيل ومعاق من أجل تحقيق النصر. ويوجد بالقرب من منزل الأطيوش هنا بيوت أخرى فقدت أبناءها في الحرب التي استمرت منذ أواخر عام 2014 حتى منتصف هذا العام.
وينتمي الأطيوش لقبيلة المغاربة المشهورة والموجود أسماء الكثير من قادتها التاريخيين في مذكرات الضباط الإيطاليين الذين غزوا ليبيا في مطلع القرن الماضي. وتتضمن تلك المذكرات، مثل مذكرات الجنرال غارازياني، قصصا عن ضراوة مقاومة المغاربة لأطماع الطليان. ويتركز وجود القبيلة في المنطقة الممتدة بين إجدابيا (على بعد نحو 80 كيلومترا غرب بنغازي) وحتى مدينة سرت (على بعد نحو 600 كيلومتر إلى الغرب من بنغازي). أي أنها موجودة في أغنى منطقة نفطية في ليبيا تحوي نحو 60 في المائة من مخزون البترول في الصحراء المعروفة باسم «الهلال النفطي» وتشرف على أربعة موانئ لتصدير النفط من على ساحل البحر المتوسط.
حين بدأت الفوضى في ليبيا بعد مقتل معمر القذافي، تسابق اللصوص والسياسيون وأمراء الحرب للهيمنة على منابع النفط وعلى موانئ التصدير في عموم البلاد. وساعد على ذلك سماسرة متعطشون للمكسب ينشطون في البحر، ولديهم حقائب من الدولارات وصناديق من الأسلحة. أي أن ثمن أي صفقة يجري تهريبها من الموانئ جاهز، وكما تريد.. أموال سائلة أو سلاح وسيارات.
وأدى احتدام المنافسة على الحقول إلى تراجع الإنتاج والتصدير من نحو 1.6 مليون برميل في اليوم، إلى أقل من 300 ألف برميل في اليوم. وفي خضم هذا الصراع ترأس الجضران ما يعرف بقوات حرس المنشآت النفطية، وجمع عدة آلاف من شباب قبيلة المغاربة وجلس بهم على ساحل البحر ليمنع السفن من شحن النفط من الموانئ. وقال الجضران في ذلك الوقت إنه يفعل هذا الأمر لمنع جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تهيمن على الحكم في طرابلس الغرب، من الاستفادة من عائدات النفط.
استمرت الأوضاع على هذا النحو قرابة 18 شهرا. الموانئ مغلقة، والمفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة تجري على قدم وساق بين عدة أطراف ليبية في بلدة الصخيرات المغربية. وتنظيم داعش يحصن مواقعه في مدينة سرت المجاورة للهلال النفطي من الغرب. ومدينة إجدابيا، على الحد الشرقي للهلال النفطي، مقسمة بين نفوذ الجضران ونفوذ قوات الجيش الذي يزداد ترابطا وتماسكا بقيادة حفتر يوما بعد يوم. إلى أن جاءت لحظة الصدام. انحاز الجضران للمجلس الرئاسي الذي اقترحته الأمم المتحدة لحكم ليبيا، وانحاز الجيش لقرارات البرلمان التي ترفض إطلاق يد المجلس الرئاسي في البلاد.
قرر الجيش حسم الموقف واستعادة حرس المنشآت النفطية للعمل تحت سلطته، وإخراج الجضران من المشهد. في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي كان الموقف كالآتي.. قوات الجيش تتمركز في منابع البترول جنوبا أي في الجانب الصحراوي من الهلال النفطي. وقوات حرس المنشآت برئاسة الجضران تدير الموانئ النفطية في على ساحل البحر، وهي «الزويتينة» و«البريقة» و«رأس لانوف» و«السدرة». هذا على المستوى العسكري. أما على الصعيد السياسي فقد ظهر الجضران مع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، ومع رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، ليتعهد بأنه سوف يسمح بتصدير النفط لصالح المجلس الرئاسي.
ويقول أحد العناصر القتالية التي كانت تعمل مع ميليشيا الجضران في حراسة المنشآت النفطية، وهو شاب مصاب بشظية في صدره ويقضي فترة النقاهة لدى أقاربه في منطقة سيدي فرج، إنه لا ينتمي إلى توجه معين، وإن عمله في حراسة الموانئ النفطية تحت سلطة الجضران كان في البداية واجبا قبليا.. «أنا من قبيلة المغاربة والموانئ النفطية موجودة في نطاق القبيلة». ويتقاضى عناصر المنشآت النفطية رواتب عن طريق الجضران. ويضيف: «لو وقفنا ضد الجيش لوقعت مذبحة. استمعنا لنداء الشيخ صالح الأطيوش وانسحبنا».
كان عميد القبيلة، الأطيوش، يقوم بدوره مع أبناء قبيلته في منطقة الموانئ النفطية. لا ترفعوا السلاح في وجه الجيش. عودوا إلى حضن القوات المسلحة وإلى حضن الدولة. من يريد أن يلتحق بالجيش فأهلا به وسهلا، ومن يريد أن يعود إلى بيته فهو آمن ولن يمسسه سوء. وأدت سيطرة الجيش بشكل مباغت على الموانئ النفطية إلى إرباك الكثير من عواصم العالم وإلى تضارب مواقف المجلس الرئاسي، وإلى اختلاط الأوراق الليبية في يد كوبلر.
وعلى الجانب الآخر بدأ الاحتفاء بموقف عميد قبيلة المغاربة من جانب المؤسسة العسكرية بقيادة حفتر ومن البرلمان برئاسة عقيلة صالح، ومن جانب القيادات القبلية الموالية للسلطة الشرعية ممثلة في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق. ويقول البرلمان في سبب تكريم الأطيوش إنه تعبير عن العرفان للدور الذي لعبه، مع شيوخ وأعيان منطقة الهلال النفطي، في دعم الجيش، خاصة في تحريره للموانئ النفطية وحقن دماء الليبيين وعودة تصدير النفط.
وطوال الشهرين الماضيين واصل الأطيوش توجيه النداء تلو النداء لقطع الطريق على أي محاولة للارتداد على الجيش في منطقة نفوذ القبيلة في الموانئ النفطية. يقول الرجل الذي كان أجداده يحاربون المحتلين الإيطاليين في الزمن القديم: الوطن للجميع.. ليبيا للجميع.. والنفط لكل الليبيين. وبينما كانت القوات المسلحة تبسط نفوذها على موانئ رأس الأنوف والبريقة والزويتينة، وجه كلمة للشباب الذين كانوا يقفون مع الجضران، وقال لهم إنه «جرى التغرير بكم.. هناك من أعطاكم فكرة سيئة عن الجيش وعن البرلمان. أطالبكم بالعودة إلى حضن الدولة. عودوا إلى أهلكم، ومن يريد أن ينضم للجيش فالجيش مستعد لقبولهم ومن يريد أن يرجع لبيته فليلقِ السلاح ويرجع في أمان».
ويقول الأطيوش عن الجضران إنه أحد أبناء قبيلة المغاربة، لكن تم استثماره من جانب آخرين استثمارا سيئا ليس لمصلحة الوطن.. «أقول له أنت أخطأت.. ارجع إلى حضن القبيلة وحضن القوات المسلحة، ولو أجرت الدولة التحقيق معك فسيكون تحقيقا عادلا. ولن يصيبك أي ضرر».
قبل تفجير سيارة الأطيوش بليلة واحدة، أي مساء يوم الخميس، الثالث من الشهر الجاري، كان هناك عزاء في منطقة المقزحة، جنوب مطار بنغازي. حضر الكثير من قادة القبائل وقادة من الجيش بعضهم من معاوني المشير حفتر. وخلال مجلس العزاء اتجه الحديث إلى مستقبل الموانئ النفطية. وبدا أن الجضران ما زال يثير القلق لدى البعض. وجرى أيضا ذكر الشيخ الأطيوش والدور الذي يقوم به لحشد القبائل حول الجيش خاصة في منطقة الهلال النفطي ومحاولاته لاستعادة الجضران من ضفة الخصوم ومعاملته معاملة كريمة مع ترك مسألة التحقيق معه للدولة.
لكن هذا الشاب الأسمر، الذي كان مطاردا من الشرطة في مدينة إجدابيا قبل سقوط نظام القذافي، انضم إلى أعداء الجيش والبرلمان. ويتمركز هؤلاء «الأعداء» الآن في بلدة الجفرة، على بعد نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب من الموانئ النفطية، وهم خليط من ميليشيات جهوية ومذهبية متطرفة كان معظمها يقاتل الجيش في بنغازي حتى شهور قليلة مضت. المثير في الأمر أن وزير الدفاع المقترح في مجلس السراج الرئاسي، على صلة بتلك الميليشيات. ويقول مصدر في الاستخبارات العسكرية في بنغازي: رصدنا تعاون وزير دفاع السراج، المهدي البرغثي، مع هذه الميليشيات لشن هجوم على الموانئ النفطية.
ووفقا لمعلومات الاستخبارات العسكرية في المدينة، فقد شهدت منطقة الجفرة نشاطا محموما قبل محاولة اغتيال الأطيوش بأربعة أيام. وتقول هذه المعلومات إنه في اليوم الأول من الشهر الجاري زار البرغثي قاعدة الجفرة العسكرية (خارج سيطرة حفتر) والتقى هناك مع رائد ليبي يدعى الأزهري، ومع اثنين من العسكريين الأجانب، الأول اسمه إكفين، والثاني يدعى جولياني، بالإضافة إلى مسؤول من إحدى دول المنطقة معني بالملف الليبي، وكذلك في وجود قادة لميليشيات متطرفة من بينهم رجل يلقب بـ«بلعم». ولا يوجد ربط مباشر حتى الآن بين اجتماعات الجفرة، ومحاولة التخلص من الأطيوش، فيما عدا التخطيط للهجوم على الموانئ النفطية.
ويوضح المصدر العسكري أن العناصر القتالية في الجفرة من ليبيين وغير ليبيين ما زالت تصرف لهم رواتب من خزينة الدولة في طرابلس تحت اسم «القوة الثالثة» التي تأسست في عهد الحكومات السابقة التي جاءت بعد القذافي وكان يهيمن عليها كل من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم القاعدة.
في اليوم الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري شهدت الجفرة خلافات حول صرف مستحقات المقاتلين الليبيين والأجانب (غالبيتهم مرتزقة أفارقة يطلق عليهم «مجموعة الزرق»)، ويديرهم رجل من مدينة الزنتان. وهدد بسحبهم من الجفرة. لكن تدخل أحد قيادات اتفاق الصخيرات في طرابلس لصرف مستحقاتهم والإبقاء عليهم هناك استعدادا للمشاركة في الهجوم على منطقة نفوذ قبيلة الأطيوش واحتلال الموانئ النفطية. وفي يوم الثالث من نوفمبر وصلت عبر الطائرات شحنات حديثة من الأسلحة إلى الجفرة وأشرف على العملية، وفقا لتقارير أمنية في بنغازي، شخصيات ليبية وأخرى من دول في منطقة الشرق الأوسط. وتشمل صفقة الأسلحة الجديدة صواريخ وقذائف مدفعية ومناظير رؤية ليلية وبنادق قنص وغيرها.
ومن خلال قراءة وجوه الحاضرين في مجلس عزاء المقزحة، يبدو أن الخطر ما زال قائما في قابل الأيام، رغم الجهود الضخمة التي يقوم بها الجيش الوطني بقيادة حفتر. فقد جرى قبل أسبوعين، في ساحة الكيش بوسط بنغازي، تفخيخ سيارة السياسي محمد بوقعيقيص الذي كان يحاول جمع الليبيين في جسم سياسي واحد موالٍ للجيش ومناهض لمجلس السراج والميليشيات التي يعتمد عليها. وقتل بوقعيقيص وثلاثة من مرافقيه.
يقول أحد العسكريين في عزاء المقزحة: «الإمكانيات ضعيفة.. لكن العزيمة على هزيمة الإرهاب كبيرة». كانت الساعة قد وصلت إلى الثانية من فجر يوم الجمعة. والسيارة تعبر في طريق العودة في دروب كان يسيطر عليها المتطرفون حتى وقت قريب. ومن بين الظلام يقف شبان متطوعون لحماية المواقع المحررة. وعلى الجانبين تظهر أمام أضواء السيارة بقايا الدمار الذي خلفته الحرب. ومن المقزحة انعطف الطريق إلى حرم مطار بنينا. هنا يقف جنود بملابس الجيش الرسمية. أعمدة الضوء تكشف كل شيء. تدقيق في الهويات وابتسامة لبث الطمأنينة. ثم هدر المحرك إلى قلب المدينة. ومن الجانب الغربي وصل دوي صوت انفجار مكتوم.
مع صباح الجمعة كان الغبار يغطي المدينة. والحركة شبه مستحيلة. وجرى تأجيل زيارة الأطيوش، والاقتراح بأداء الصلاة في مسجد قريب من وسط المدينة، على أن يكون اللقاء الصحافي معه بعد تحسن حالة الطقس أو في المساء. لكن مع أذان الظهر جاء النبأ بنجاته من محاولة اغتيال. يفترض أن الأطيوش يتحرك بسيارته الخاصة وهي سيارة مصفحة بدأ يعتمد عليها بعد دوره الكبير في موقعة استرداد الجيش للموانئ النفطية. خطة «الإرهابيين» الذين استهدفوه كانت كالآتي.. وضع سيارة مفخخة أمام المسجد وبالتحديد على جانب الطريق الذي سيأتي منه الأطيوش من منزله لصلاة الظهر هنا.
وحين تمر سيارته من جوار السيارة المفخخة يتم التفجير. لكن الظروف لعبت دورا. في هذه المرة لم يأت عميد قبيلة المغاربة بسيارته التي يعرفها المخططون للعملية، ولكنه جاء في سيارة عادية تخص أحد ضيوفه. ومرت بسلام من جوار السيارة المفخخة، إلا أن المخططين رأوا الأطيوش ينزل مع ضيفه فأسرعوا بتنفيذ عملية التفجير وهو يهم بدخول المسجد، ما أدى إلى إصابته في ذراعيه وقدميه وإصابة ضيفه واثنين آخرين أيضا. وأدت شدة الانفجار إلى تحطيم أربع سيارات وإصابة جدران المسجد ونوافذه بأضرار.
وهرع رجال الأمن والجيش إلى موقع الحادث وجرى نقل الرجل وضيفه والاثنين الآخرين إلى مركز بنغازي الطبي. ويقول ميلود الزوي القائد في قوات الصاعقة إن أحد المصابين الأربعة حالته حرجة. وبدأ يتوافد على المستشفى ألوف المهنئين بسلامته. وتحول بيت الأطيوش في منطقة سيدي فرج التي يقع فيها المسجد، إلى مزار لألوف الليبيين الرافضين لعودة الإرهاب مرة أخرى إلى بنغازي.
ووصف فتحي المجبري، عضو المجلس الرئاسي، محاولة الاغتيال بـ«الجبانة» وعدها محاولة لضرب الأمن الذي بدأ يترسخ بالفعل في بنغازي. كما أدان علي القطراني، عضو المجلس الرئاسي، العملية التي استهدفت الأطيوش ووصفها بأنها محاولة من الجماعات الإرهابية لإسكات صوت شجاع مدافع عن قضايا الوطن وداعم للمؤسسات المدنية والعسكرية للدولة. ويعد المجبري والقطراني من أعضاء المجلس الرئاسي الرافضين للكثير من توجهات السراج وكوبلر فيما يتعلق بمستقبل ليبيا.
وفي المستشفى التي جرى تجديدها وعادت إلى العمل بعد أن كان المتطرفون يسيطرون عليها قبل عدة أشهر، بدأ الأطيوش بمعنويات مرتفعة رغم الجروح والضمادات التي تلف ذراعيه وقدميه. ويقول وهو يبتسم: لن يهزمنا الإرهاب.. سأنتظركم لإتمام الحوار الصحافي المرة المقبلة. لكن الطاقم الطبي كان يجهز لنقله عبر الطائرة لاستكمال علاجه في الخارج. ومن جانبها تواصل السلطات في بنغازي التحقيق في الواقعة، حيث جرى القبض على عدة عشرات من المشتبه بعلاقتهم بالجماعات المتطرفة.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.