«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

يدعو في خطابه إلى الوسطية ونبذ العنف.. ويحظى بقبول في أوساط قبلية

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
TT

«التيار المدخلي».. صداع في رأس «داعش ليبيا»

عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)
عنصران من القوات الليبية الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر يتفاديان إطلاق نار قناصة «داعش» في سرت («الشرق الأوسط»)

يوم السابع من مارس (آذار) الماضي، تقدمت قافلة «مدرعات النمر» في الليل لمداهمة وكر لتنظيم داعش في العاصمة الليبية طرابلس. كانت القافلة تابعة لكتائب ما يعرف باسم «التيار المدخلي»، وتقوم بأول نشاط فيه تحد للخصوم الأقوياء من المتشددين في العاصمة. وهذا التحرك أقلق الدوريات الرئيسية في المدينة التي تحكمها ميليشيات أخرى، منها ميليشيات تقودها «الجماعة الليبية المقاتلة» الموالية لتنظيم القاعدة، وأخرى موالية لتنظيم جماعة الإخوان. وشعرت دوريات «الفرقة الثانية» التابعة لميليشيا «الجماعة المقاتلة» بالغضب. وشاركها في هذا الغضب أيضًا كل من قيادات تنظيم داعش وجماعة الإخوان. ومنذ ذلك الوقت، أصبح «التيار المدخلي» رقمًا مهمًا في المعادلة، ليس في طرابلس فقط، ولكن في كثير من المدن الليبية.
يدعو «التيار المدخلي»، وفقًا لخطابه ونشاطه وكتبه التي تباع في المدن الليبية، إلى الوسطية والاعتدال ونبذ العنف، ويحظى بقبول في أوساط القبائل التي ملت من الاقتتال والتنازع الأهلي، وفقًا لمصادر قبلية وأمنية في طرابلس الغرب. ومن ناحية ثانية، رغم الحرب ضد تنظيم داعش ليبيا في مدينة سرت طوال نحو ستة أشهر، فإن التنظيم المتطرف تمكن من الانتشار والتمدد في كثير المدن والبلدات الأخرى، خصوصا في الجنوب، وفي طرابلس ومناطق غرب العاصمة، بما فيها تلك المطلة على شواطئ البحر المتوسط، قرب الحدود مع تونس. لكن أكبر مشكلة يواجهها «داعش» اليوم أصبحت تتمثل في «التيار المدخلي». فمنذ ظهور «داعش» بقوة في سرت في صيف عام 2015، تدور حرب مستعرة بين أفكاره ذات الطابع «الاستئصالي»، و«التيار المدخلي» الذي يميل إلى الاعتدال، وترك الأمور لتصرف الحاكم أو ولي أمر البلاد «تجنبًا للفتنة». هذا التوجه لم يعجب أيضًا قادة في جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ودخلت «المقاتلة» منذ الثالث من أبريل (نيسان) الماضي في حرب شوارع، في طرابلس، مع قوات «المداخلة» (أي «التيار المدخلي»)، وهو أمر أسعد قيادات «داعش».
وقد تمكن التنظيم الداعشي، منذ دخوله إلى مدينة درنة في شمال شرقي ليبيا عام 2014، من الانتشار في سرت والعاصمة طرابلس ومدينتي صبراتة والخُمس، بشمال غربي البلاد. وعلى عكس ما عرف من انغلاق التنظيم في العراق والشام على نفسه، قام التنظيم في ليبيا بنسج علاقات تواصل وتعاون مع قادة لمجاميع متشددة، ليس في الداخل فقط، ولكن في أفريقيا أيضًا، من بينها قيادات من «الإخوان» ومن «المقاتلة» ومن جماعة «المرابطون» الجزائرية و«جند الحق» الماليّة و«بوكو حرام» النيجيرية، بالإضافة إلى ميليشيات المهربين وقطاع الطرق التي تنشط في جنوب ليبيا وعلى شواطئها الشمالية. ويبدو أنه لم يسلم من شباك التنظيم العنكبوتية إلا «التيار المدخلي» الأقرب إلى الوسطية الدينية لكثير من الليبيين.
بطبيعة الحال لا توجد صفوف متراصة لعناصر «داعش» مع عناصر التنظيمات المتشددة الأخرى، ولكن يوجد ما يشبه الاتفاق غير المكتوب على أن يعمل كل فريق بعيدًا عن الفريق الآخر؛ لا صدام، مع إمكانية التعاون.. التعاون في بيع الأسلحة، وفي فتح الطرق لمرور قوافل المقاتلين، والتعاون في فك الحصار الذي يتعرض له هذا التنظيم أو تلك المجموعة من جانب العدو المشترك المتمثل في السلطة أيا كان نوعها، سواء سلطة البرلمان برئاسة عقيلة صالح والجيش الوطني في الشرق، أو سلطة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج والميليشيات التي تسانده في الغرب.
* قواعد شرقًا وغربًا
ومثل كل شيء مبعثر في ليبيا، أصبح لـ«التيار المدخلي» قواعد موالية لجنرال الجيش خليفة حفتر في الشرق، وقواعد موالية لخصمه السراج في الغرب. ويقف هذا التيار الذي تمكن من إثبات وجوده في كثير من المدن الليبية مع «الحاكم» وعدم محاربته، ولهذا فإنه يعد مصدر ثقة في الشرق وفي الغرب و«نواة للتوافق في عموم البلاد»، رغم الخلافات بين الحكام هنا وهناك. فحين انقلبت عدة ميليشيات كانت توالي السراج على مجلسه الرئاسي، قبل أسبوع، ظل «التيار المدخلي» على عهده في موالاة «المجلس الرئاسي». وتلقف تنظيم داعش غضب ميليشيات إخوانية وأخرى من «الجماعة المقاتلة» من موقف «المداخلة»، وأخذ في إعادة نسج خيوط التواصل مع تلك الجماعات المتشددة مرة أخرى، للانتقام من قوات «التيار المدخلي».
يعتقد كثيرون أن القضاء على «داعش» في سرت يعني القضاء عليه في عموم ليبيا. لكن هذا ربما لن يكون صحيحا، إذا ما وضعت في الحسبان عملية الخروج المنظم للدواعش من سرت، قبل أيام من بدء اقتحام المدينة على يدي قوات «البنيان المرصوص». إذ توجهت قوافل كل منها يتكون من عدة مئات من دواعش سرت إلى مدن ليبية أخرى، منها الخُمس وزوارة وصبراتة والزاوية، بالإضافة إلى الانتشار في الوديان الجنوبية، ومنها وديان مدينة بني وليد ومناطق القلعة والجفرة وهون ومناطق جنوب سبها، وهي مناطق تنتشر في بعضها أيضًا مجاميع لكل من الإخوان و«الجماعة المقاتلة». ومعروف أنه سبق لـ«داعش» أن تمركز في صبراتة - غرب طرابلس - قبل أن يتعرض لضربات أميركية جوية، وكان هذا في مطلع العام الحالي.
ولكن بعدما بدأت الحرب ضده في سرت، عاد التنظيم لتأسيس غرف عمليات جديدة في صبراتة، وزاد من تعزيز وجوده حول العاصمة، بتأسيس غرف أخرى في مدينة الخُمس - شرق طرابلس - بالإضافة إلى خلاياه النائمة في قلب العاصمة نفسها. ويعد العدو الرئيسي له من بين الجماعات المنتشرة في هذه المنطقة «التيار المدخلي» بقواته المتمركزة في منطقة معيتيقة، وأنصاره في سوق الجمعة بطرابلس.
* الصدام مع «داعش»
يعود أول صدام دموي بين «داعش» و«التيار المدخلي» إلى أكثر من 15 شهرًا. ففي العام الماضي، بدأت فلول تنظيم داعش المهزومة في مدينة درنة، في شرق البلاد، تنتقل إلى سرت التي تقع في الشمال الأوسط من ليبيا، لتأسيس عاصمة في المكان الذي ولد فيه معمر القذافي، وقتل فيه أيضا. لكن «داعش» فوجئ بميليشيا مسلحة ذات صبغة قبلية ومسحة دينية وسطية كانت تقوم على إدارة شؤون المدينة.
بدأ الصدام كالتالي.. تقدم أحد قادة «داعش» لاحتلال مسجد قرطبة، أشهر المساجد في الحي رقم ثلاثة في سرت، وكانت هذه أولى محاولاته للبدء في ممارسة نشاطه، وإلقاء الخطب التحريضية الخاصة بالتنظيم في هذا المسجد، إلا أن شيخ المسجد الموالي لـ«التيار المدخلي»، ويدعى خالد الفرجاني، المحسوب على الميليشيا القبيلة، رفض الامتثال لرغبة الدواعش الذين كانوا يشعرون بالغضب جراء طردهم من درنة على أيدي جيش حفتر وخصوم آخرين من بينهم موالون لـ«التيار المدخلي» نفسه.
ويقول أحد القيادات المحلية ممن نزحوا عن المدينة من قبيلة الفرجان إن «الشيخ خالد تصدى لهم في البداية.. وشن ضدهم هجومًا في خطبه من فوق المنبر.. أما الدواعش، فيبدو أنهم كانوا قد قرروا احتلال المدينة بأي ثمن، وبالتالي القضاء على كل من يبدي معارضة لهم فيها، وكان الشيخ خالد على رأس هؤلاء المعارضين، ليس بالسلاح، ولكن بكلام القرآن والسنة».
ووفقا لروايات من شخصيات من سرت كانت تحضر خطب ودروس الشيخ خالد في أيامه الأخيرة، فقد حذر من الفتنة التي يقوم بها «داعش»، وتحدث عن عمليات الذبح والقتل التي يقوم بها التنظيم في العراق وسوريا ودرنة الليبية، وكيف أن هذه التصرفات ليست من الدين الإسلامي، وأنه لا بد من الوقوف مع ولي الأمر حتى لو كان البعض يرى أن أفعاله لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية، وأن رجال الدين عليهم نصيحة الحاكم وجهًا لوجه، وليس بإثارة العامة ضده، لأن في هذا فتنة تؤدي لهدم بلاد المسلمين».
إذ ذاك، شعر «داعش» بأن الشيخ خالد يهدد العاصمة التي يريد أن يؤسسها التنظيم في المدينة، خصوصًا أن سرت كانت خالية تقريبا من الميليشيات المسلحة، فيما عدا قوات ميليشيا الفرجان ذات الإمكانات المحدودة، مقارنة بالقدرات التي جلبها معه التنظيم من درنة، والمساعدات التي كانت تصله من ميناء سرت عقب سيطرته عليه. وفي تلك الأيام، زار «داعش» في مدينة سرت قيادات من التنظيم تعمل في العراق بالقرب من زعيمه «أبو بكر البغدادي»، من بينهم مفتي «داعش» تركي البنعلي. وتقول تقارير أمنية إن البنعلي أعطى إشارة البدء لإخلاء المدينة من أتباع المنهج «المداخلي».
* تصفية خالد الفرجاني
وفي مساء يوم العاشر من أغسطس (آب) من العام الماضي، كان الشيخ خالد يقف على منبر مسجد قرطبة كالمعتاد، وشن هذه المرة هجومًا شديد اللهجة على غزاة المدينة الذين كانوا قد تجرأوا على مد أيديهم على حرمات أهالي سرت، وأفتى بضرورة مقاتلة هؤلاء الغرباء كما قاتلهم أبناء درنة. إلا أنه لم يكن يعلم أن «داعش» قد قرر التخلص منه. وبالفعل، عقب الصلاة، خرج الشيخ خالد من المسجد متوجهًا إلى بيته في الشارع المجاور، لكن ثلاثة من عناصر التنظيم المتطرف كانوا ينتظرون هذه اللحظة وأيديهم على أسلحتهم في سيارة تقف في الجانب المظلم من الطريق. وتحركت السيارة وأطلقت النار على الرجل، فلقي حتفه في الحال.
وفي اليوم التالي، جاءت مجموعة جديدة من الدواعش وأحرقت مكتبة المسجد، وكل ما يشير إلى الفكر الديني الوسطي، بما في ذلك أشرطة وأسطوانات كانت تحوي خطبا للشيخ خالد ولشيوخ وسطيين آخرين من خارج ليبيا. وفي أول صلاة للجمعة في المسجد بعد عملية الاغتيال، نزع «داعش» اللافتة التي تحمل اسم «مسجد قرطبة»، ووضع لافتة جديدة تحت اسم مسجد «أبو مصعب الزرقاوي». وبعد صلاة الظهر، مثّلت عناصر التنظيم بجثة الشيخ، في محاولة لبث الرعب في أرجاء المدينة، ونفذ الدواعش بعد ذلك حملة لإخضاع أهالي سرت لسلطاتهم، بذبح المعارضين وتعليق جثثهم على أعمدة الإنارة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت سرت إلى وجهة لكل الدواعش الفارين من الحملة الدولية ضد التنظيم المتطرف في العراق وسوريا، بالإضافة إلى من يصلون من مطاريد أنظمة الحكم من الدول المجاورة. وكانت مسألة مواجهتهم من جانب «التيار المدخلي» في سرت أمرًا صعبًا. ولهذا انتقل من تبقى من «مداخلة» سرت إما إلى مساندة حفتر في الشرق، أو إلى الوقوف مع السلطة القائمة في الغرب. وكان من بين هؤلاء شقيق للشيخ خالد. ولفت نشاط «المداخلة» في العاصمة انتباه باقي المجموعات المتطرفة، وليس «داعش» فقط، خصوصًا بعد أن أعطى قادة «التيار المدخلي» في طرابلس الضوء الأخضر لشقيق الشيخ خالد بتأسيس كتيبة قوامها نحو خمسمائة عنصر. وهكذا أصبحت قوة «المداخلة» ذات شأن.
هنا تقدم أحد مؤسسي جماعة «جند الحق»، ويدعى «رشيد»، المتعاون مع «داعش»، باقتراح للتنظيم المتطرف بشق صفوف «التيار المدخلي»، عن طريق محاولة استقطاب قيادات محسوبة على هذا التيار، لكن زعيم «داعش»، ويدعى «المدهوني»، حذر من هذه الخطوة، وقال - وفقا لمصدر قريب من الجماعات المتشددة - إن الشخصيات المقترح استقطابها «ليست محل ثقة.. هم يحملون الفكر المدخلي أيضًا، ويؤمنون به، ومن توجيهات هذا الفكر عدم تقديم النصيحة للمسؤولين إلا سرًا، ويؤمنون بأن السمع والطاعة واجبة لكل حاكم مسلم».
* حلقة وصل داعشية
ومن المعروف أن دواعش محليين من ليبيا تمكنوا منذ عام 2014 من تشكيل ما يشبه حلقة الوصل بين التنظيم المتطرف وقيادات من عدة مجموعات متشددة، مثل جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» وغيرها. وحين بدأت الحرب على «داعش» في سرت، كانت عناصر تابعة لـ«التيار المدخلي»، ومنها كتيبة شقيق الشيخ خالد، في مقدمة الصفوف. ولوحظ أن زعماء «الإخوان» و«المقاتلة» ما كانوا من المتحمسين للحرب على التنظيم المتطرف في سرت، بل تركوا مسألة مواجهة الدواعش لشبان مدينة مصراتة المتحمسين، وغضوا البصر عن تحركات «داعش»، بل اتهمهم البعض بتقديم دعم للتنظيم في سرت وفي البلدات التي انتقل إليها.
كانت التقديرات تقول إن عدد الدواعش في سرت لا يقل عن ثلاثة آلاف عنصر. وكان لديهم ما يقارب الألف آلية، من بينها مركبات الدفع الرباعي المجهزة تجهيزًا عسكريًا، ودبابات ومدرعات ومدفعية وراجمات صواريخ. والآن، معظم هذا العتاد اختفى قبل دخول قوات «البنيان المرصوص» إلى قلب المدينة. ويعتقد أن الدوعش تمكنوا من نقل التجهيزات المهمة التي كانت في سرت إلى مناطق أخرى، بدعم من قيادات متشددة تتعاون مع التنظيم في الخفاء. وليس من بين هؤلاء «التيار المدخلي» بطبيعة الحال. بل إن «داعش» يخشى من تهديد فروع هذا التيار لمراكزه الجديدة التي انتقل إليها عقب خروجه من سرت.
وعلى سبيل المثال، وجد «داعش» انتشارًا غير مسبوق للفكر «المدخلي» قد سبقه إلى مدينة الزاوية، عبر «كتب وأشرطة وأسطوانات تناقض توجهات الدواعش، ويجري بيعها في المكتبات والدكاكين، كما يقوم بعض الموسرين بشراء كميات منها وإعادة توزيعها على المواطنين مجانًا»، وفقا لبلاغ من المدينة بعث به قيادي في جماعة الإخوان، يدعى «مشري»، إلى زعماء من التيارات المتشددة في طرابلس.
وتضمن البلاغ عناوين لبعض من هذه الكتب، منها «المحجة البيضاء في حماية السنة الغراء» و«صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين» و«العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم». كما توالت البلاغات بهذا الشأن في الأيام الأخيرة، من انتشار «الفكر المدخلي» في سوق الجمعة، إحدى أهم المناطق في العاصمة، إضافة إلى تاجوراء والخُمس، إلى جانب إنشاء مدرسة دينية تصب في الاتجاه نفسه في طرابلس.
ليس «داعش» فقط الذي بدأ في وضع الحسابات لقوة «التيار المدخلي»، بل هناك أيضًا أطراف أخرى متشدّدة، منها الإخوان و«الجماعة المقاتلة». فخلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأ قادة من الإخوان و«المقاتلة» في تبادل الاتهامات بشأن «مَن الذي بادر منهما بإصدار فتاوى ضد المداخلة»، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى استفزاز أنصار «التيار المدخلي». وهذا الموقف في حد ذاته لم يكن موجودًا في السابق، خصوصًا في طرابلس، حيث لم يكن التيار بهذه القوة.
* رصد التطورات
مصدر أمني في العاصمة الليبية يقول إنه توجد مؤشرات على أن تنظيم داعش يحاول الزج بمن يتواصل معهم من جماعة الإخوان و«الجماعة المقاتلة» للوقوف ضد «المداخلة»، وإصدار الفتاوى في محاولة للحط من قدر تيارهم، لأنه يعد خصمًا حقيقيًا لـ«داعش». وفي ملاسنة بين قائد من «الجماعة المقاتلة» وزميل له من الجماعة نفسها كان قد أصدر فتوى ضد «المداخلة»، قال له غاضبًا: أعدوا أنفسكم لحرب لا قبل لكم بها مع «التيار المدخلي».. من الذي ورطكم في هذا؟ تنظيم داعش أم ورطتكم جماعة الإخوان في مثل هذه الفتوى؟ من الآن فصاعدًا، دعوا الأمر للمفتي (المقصود به مفتى البلاد السابق صادق الغرياني)، ولا أحد يأتي على ذكر المداخلة.
كذلك احتد قائد «الجماعة المقاتلة» نفسه على زعيم في جماعة الإخوان الليبية، يدعى «غويل»، بسبب فتوى مماثلة، وقال له - وفقا للمصدر الأمني - إن التيار المدخلي أصبح متغلغلا في أوساط القبائل الليبية، لأن هناك من ينظر إليه على أنه يتبع منهج هو الأقرب إلى «روح التوافق والتقريب»، و«الناس تريد هذا»، ثم «إننا لا نريد استعداء المداخلة علينا بالفتاوى العلنية».
ومعروف أن كتائب «التيار المدخلي» نأت بنفسها عن التجاذبات الحالية بين الميليشيات، ووجهت عملها لمكافحة الجريمة وتأمين المواطنين في المدن التي توجد فيها، خصوصًا أن البلاد تعاني من انفلات أمني وضعف إمكانات الجيش والشرطة. بيد أن محاولات تشويه هذا التيار لم تتوقف. ويقوم بهذا الأمر، وفقا للمصدر نفسه، تحالف غير معلن بين التيارات المتطرفة المختلفة، على رأسها «داعش». وبعدما رفضت «الجماعة المقاتلة» الزج بها وبجماعة الإخوان التي تتعاون معها في محاولات إصدار فتاوى علنية لتشويه «التيار المدخلي»، ظهرت في شوارع طرابلس منشورات تهاجم «المداخلة»، لكنها تحمل شعارًا منسوبًا لإحدى روابط العلماء المسلمين في شمال أفريقيا.
ويقول المصدر الأمني إنه حين جرى التحقيق في منبع هذه المنشورات، تبين أن وراءه تحالف المتطرفين المشار إليه نفسه. وبحسب المصدر، وصف قيادي في الجماعة المقاتلة هذه العملية الالتفافية في مهاجمة «التيار المدخلي» بأنها «وسيلة عقيمة ستزيد من الغضب ضدنا»، وقال لأنصاره بعد أن اتهمهم بالوقوف وراء توزيع تلك المنشورات: «إن ما تقومون به يعبر عن إفلاسكم؛ هذا سيزيد من قوة المداخلة».



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».