«داعش»: خصائص واستراتيجيات نازية

آيديولوجيات قائمة على الكراهية

حضور داعش في الرقة  («الشرق الاوسط})
حضور داعش في الرقة («الشرق الاوسط})
TT

«داعش»: خصائص واستراتيجيات نازية

حضور داعش في الرقة  («الشرق الاوسط})
حضور داعش في الرقة («الشرق الاوسط})

إلى أي مدى يظهر التشابه ما بين النازية وتنظيم داعش؟ ما بين النازية التي تستخدم ميثيولوجيا متطرفة قائمة على العرق الآري، وتنظيم داعش الذي يستقطب مناصرين باسم الدين. وهو ما تطرق إليه محمد الشيمي، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة حلوان في كتابه حول «التمويل الدولي لتنظيم (داعش)»، إذ عقد مقارنة ما بين النازية من حيث اعتبارها العرق الآري هو الوحيد الذي يستحق الحياة بعيدًا عن أي محاكمة على النسق الثقافي والسياسي الأوروبي، وما بين اعتبار «داعش» الدين «على الطريقة الداعشية» وحده الدين الصحيح، وقد تشكل التنظيم على قالب يناسب البيئة الشرقية التي من السهل أن يتم استقطاب شبابها عبر شعارات دينية وامتيازات جاذبة.
الواقع أنه ظهرت أخيرًا خطابات وتصريحات من سياسيين وعسكريين عدة تشي فيها إلى وجود خصائص متشابهة ما بين النازية وتنظيم داعش سواء على الصعيد الآيديولوجي أو الاستراتيجي. إذ ذكر اللواء المتقاعد بالجيش الأميركي أنطوني تاتا: «أن ما يقوم به (داعش) هو استغلال قوة المعلومات، وهو ينجح من خلال ذلك بتجنيد عناصر من بريطانيا والولايات المتحدة وتدريب الأطفال على السلاح، وما يخطر في ذهني هنا هو ما كانت تفعله ألمانيا النازية، وقد تعلم التنظيم من كل (أشرار التاريخ) وهو يحاول تكرار أفعالهم». بينما اعتبر عضو البرلمان البريطاني من حزب العمل دان جارفيز تنظيم داعش بأنهم «فاشيو زمننا هذا». وفي سياق آخر يظهر سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تشكيل تحالف كبير بين الدول لمحاربة تنظيم داعش، كالذي شكل خلال الحرب العالمية الثانية لإلحاق الهزيمة بالزعيم النازي الألماني أدولف هتلر، كما ذكر في تصريحه، ليعزز تلك المقاربة ما بين النازية وتنظيم داعش لا سيما في حاجة العالم للقضاء على آفة تتغلغل وتنشر الدمار والقتل، ليصبح الصراع الجديد ما بين العالم والتنظيمات الإرهابية.
* خصائص نازية لدى «داعش»
تتدرج الخصائص المتشابهة ما بين النازية وتنظيم داعش بدءًا بتفاصيل بسيطة تظهر تأثرًا بالنازية، ويظهر من جهة أخرى تشابه في معالجة الآيديولوجيات المتطرفة وإقناع الآخرين بها عبر التلقين وعبر وسائل إعلامية مؤثرة. وقد ظهر في أكثر من مقطع تسجيل مرئي تابع للمكتب الإعلامي لـ«ولاية الفرات في العراق» أعضاء لتنظيم داعش وهم يرتدون زيًا عسكريًا ويقومون بإلقاء التحية النازية أو ما تسمى بتحية هتلر، وهي التحية الرسمية في فترة ألمانيا النازية وهي عبارة عن مد الذراع اليمنى إلى أعلى بشكل مستقيم بهدف إظهار الطاعة والولاء للزعيم وتمجيد النازية. إلا أنه يظهر وجود ارتباط بالأعراف والتقاليد الرومانية فيما قبل ذلك. كذلك تظهر أحداث غريبة غير مرتبطة تقاطعًا ما بين النازية والداعشية. إذ أشار الجيش المصري إلى أن مسلحين ينتمون لتنظيم داعش استعملوا ألغامًا ألمانية قديمة في هجماتهم المستهدفة مصر، وذلك إثر العثور على مخزون أسلحة دفن في فترة ألمانيا النازية، وإن كان ذك قد لا يظهر إلا توجهًا ميكافيلليًا للتنظيم في الحصول على أي موارد بغض النظر عن مصدرها في سبيل تحقيق الأهداف. ولقد ظهرت عدة تقارير تعقد مقاربة ما بين النازية و«داعش» في تقرير للباحث فرانسيسكو خوسيه هيرنانديز، من معهد إسبانيا للدراسات الاستراتيجية، الذي أشار إلى أوجه الشبه فيما يخص تعظيم القائد للتأثير على الآخرين، وتضخيم الأهداف المرجوة واستخدام نظم دعائية قوية تسعى إلى التغلغل القوي.
* القائد والتطهير العرقي
والمعروف أن النازية حرصت على تعظيم هتلر وتصويره وكأنه المنقذ الوحيد لألمانيا وأيضًا يقابل ذلك تضخيم شخصية أبو بكر البغدادي واعتباره يمثل «خليفة» الدولة الإسلامية المزعومة، له مطلق السمع والطاعة، ليستسلم الأعضاء إلى الخضوع التام في كل من النازية والداعشية للسلطة والقيادة العليا التي تأتي بدور الخلاص والمنقذ الوحيد من عالم يخالف قيمهم ولا بد من القضاء عليه.
ثم هناك تعظيم المواطن المثالي الذي ينتمي للعرق الآري وشيطنة كل من يخالف ذلك كاليهود والغجر، يقابل ذلك اعتبار من يؤمن بالتعاليم الشرعية المتطرفة لـ«داعش» وحده المسلم الحقيقي، وشيطنة كل من يخالف ذلك كالشيعة والمسيحيين واليهود. وتجريم الآخر سواء من يخالف العرق الآري أو التوجهات الدينية لـ«داعش» يؤدي إلى محاكمة وحشية وعدم التورع عن القتل والتعذيب دون أي تعاطف مع الآخرين، وقد يكون ذلك نتيجة الاستمرار في إقناع أفراد التنظيم بأن الوحشية والقتل أمر طبيعي، فالآخر يستحق ذلك، كما أن تلك العمليات هي من أجل تحقيق الغاية المرجوة، وإن تطلب ذلك قتل النفس بحزام ناسف.
وبالطبع أدى التضخم النرجسي العرقي أو الديني والرغبة في إيجاد «المواطن المثالي» أو «المجاهد الشجاع» إلى الوصول إلى مراحل متقدمة من التجرد من الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى ظهور عملية التطهير العرقي بهدف التخلص من أعباء المسؤولية تجاه المعاقين سواء عقليًا أو بدنيًا. وكان شاع لدى الحركة النازية حقن ذوي الإعاقة بعقاقير وانتظار نتائج ذلك مع إبقاء للأشدّاء والأصحاء بدنيًا وعقليًا. وتجاوز عدد الأطفال الذين قتلوا في حقبة هتلر 5 آلاف طفل ما دون السادسة عشرة من ذوي الإعاقة العقلية أو البدنية تحت مسمى «الموت الرحيم».
ويظهر التوجه ذاته لدى تنظيم داعش عبر فتوى أصدرها «أبو سعيد الجزراوي» تقضي بقتل الأطفال المصابين بأي إعاقة كمتلازمة داون، ويتضمن ذلك المواليد الجدد والرضع من تنظيم داعش. وقد نتج عن تلك الفتوى فور إطلاقها قتل 38 من الرضع تتراوح أعمارهم ما بين أسبوع إلى 3 أشهر عبر حقنهم بمواد قاتلة أو خنقهم، وهم نفسهم أبناء للمقاتلين في التنظيم. فكيف بإمكان تنظيم القدرة على إقناع أعضائه بالتصرف بكل تلك الوحشية وعدم التورع بقتل أطفالهم هم؟ يظهر دور الحملات الدعائية الشرسة التي تسعى للاستقطاب، وفي حال تم التجنيد هناك عملية تلقين قوية تستهدف الأطفال وفئة الشباب.
* سطوة النظم الدعائية
اعتبر استغلال ما يسمى بالـ«Propaganda» الدعائية النازية، عبر وسائل إعلامية حديثة في ذلك الوقت من أقوى الأسلحة التي تسببت بانتشار النازية، بالأخص عبر المنهجية والنظم الدعائية التي ابتكرها وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلز، التي استخدم من خلالها الحرب النفسية وكل ما هو صادم ومؤثر عبر آليات جديدة، سواء عبر التلفاز والإذاعة أو حتى المنشورات. ونقل رسائل هتلر والقادة النازيين، وقد تم إعداد أفلام وثائقية عن هتلر، ويعد استخدام البث التلفزيوني أسلوبًا جديدًا في ذلك الوقت كبث حضور هتلر في الأولمبياد في برلين لعام 1936، مما اعتبر من الوسائل المبتكرة للتعزيز من تبجيله وهيبته. ويقابل ذلك ما تميز به تنظيم داعش وتفوق فيه عن بقية التنظيمات المتطرفة، أي في قدرته على التغلغل واستغلال العالم الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي في استقطاب مناصرين والقدرة على التجنيد إلكترونيًا والتواصل مع أي شخص في العالم، واستخدام مقاطع مرئية بتقنيات متقدمات وبلغات مختلفة وأساليب تختلف حسب جنسية الشخص الذي يتم استقطابه أو فئته العمرية أو جنسه.
* تلقين الأطفال والشباب
وتظهر تقنيات أكثر تعمقًا في التأثير النفسي في حال انضمام الأعضاء إلى التنظيم، بالأخص في مراحل التدريب في المعسكرات الداعشية، كوضع شاشات كبيرة تحوي مشاهد مختلفة عنيفة للقتل والوحشية. وقد استحوذ «داعش» على نظام التعليم في العراق وسوريا في محاولة لإعداد جيل جديد من المجاهدين الذين تربوا على نهجٍ قاسٍ مؤدلج بتلقين قائم على التطرف من أجل إنشاء إرهابيين أكثر عنفًا في المستقبل. عملية التلقين استخدمت المدارس من جهة ومن جهة أخرى معسكرات التدريب التي تجعل من عملية حمل السلاح والقتل الوحشي للآخرين والعنف والتطرف أمرًا اعتياديًا يوميًا.
واليوم، من الصعب حصر عدد الأطفال المجندين من قبل «داعش»، إلا أنه يقدر عدد الأطفال الذين تم خطفهم في مدينة الموصل وحدها ما بين 800 إلى 900 طفل في عام 2015، فيما يزيد عدد الأطفال الذين تم تجنيدهم من قبل «داعش» في الربع الأول من عام 2016 فقط إلى 400 طفل. ويقدر عدد الأطفال الإيزيديين المجندين 700 طفل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 فقط، تم تجنيدهم في معسكرات تدريب للأطفال في مدن من ضمنها تل أبيض والرقة في سوريا. أحد أبرز الأمثلة على ذلك الأخوان المجندان راغب وإياد اللذان تلقيا تدريبًا في معسكر الفاروق وقد تضمن ذلك الدخول في حلقات عسكرية مختصة كالاشتباك وطرق تفجير الأحزمة الناسفة وذبح الرهائن بالسكاكين.
ولقد اشتهر ما يسمى بـ«المنظومات» ومن ضمنها منظومة أشبال الخلافة، التي تستقطب الأطفال وتغريهم بالمال وحمل السلاح وقيادة السيارات.
وتنقسم الدورات التعليمية للأطفال المجندين حسب الفئة العمرية، فما بين 5 إلى 10 سنوات يتجهون إلى مخيمات لتلقي التلقين الشرعي، فيما من 10 إلى 15 فإلى مخيمات تدريب عسكري. ويتوقع أن يكون الأطفال المجندون منذ سن صغيرة أشد بطشًا، لا سيما وأنهم تأسسوا على التوحش والعنف.
ويأتي كل ذلك على غرار النازية في استهدافها الأطفال والشباب للانضمام ببرامج متخصصة تبدأ من مرحلة الشعبي الصغير في سن العاشرة، لينتقل الطفل فيما بعد في سن أكبر إلى جماعة شباب هتلر لمدة أربع سنوات. ويتم خلال ذلك الوقت التلقين بالنظرية النازية وتفوق العرق الآري وزرع المقت ومحاكمة كل من يختلف عنهم كاليهود والمثليين. كما يتم خلق الوعي بأهمية الطاعة والتضحية من أجل الوطن والقضية. وقد حرصت النازية كذلك بالتحكم بجميع المناهج المدرسية والتوجيهية وإخضاعها من أجل خدمة الحركة والفهرر والدولة وقد تم حرق والتخلص من أي كتب مغايرة في تلك الفترة.
* تصاعد خطاب الكراهية
النازية لم تختفِ مطلقًا، فهي تمثل خطاب الكراهية وليس فقط إقصاء الآخر وإنما القضاء عليه وعدم الرغبة بوجوده. وذلك يتصاعد في الآونة الأخيرة مع اشتداد المآزق السياسية والأزمات الاقتصادية العالمية. تظهر الجماعات المتطرفة وكأنها أشبه بتضخيم لصدام الحضارات حسب المفكر السياسي صموئيل هنتينغتون بأبشع صوره، وتصوير للعالم بأنه نزاع آيديولوجي يضخم من خطاب الضغينة واتساع الفجوة ما بين الحضارات. فإلى جانب الجماعات المتطرفة في المجتمعات الشرق الأوسطية، ظهرت حركات أخرى كحركة النازيين الجدد في أوروبا، تتمحور مبادئها حول معاداة كل من ليس أبيض البشرة، وذلك مع تصاعد المهاجرين إلى أوروبا واعتبارهم أن ذلك يعدد مجتمعاتهم. ويقابلها جماعة «كوكلوكس كلان» العنصرية الأميركية، التي تدعو إلى تفوق الرجل الأبيض ومعاداة الأقليات ومحاولة القضاء عليها. حتى وإن كانت هذه التوجهات تمثل النقيض للتنظيمات الدينية المتطرفة كـ«داعش»، إلا أنها جميعًا تتفق في كراهية كل من يختلف عنهم سواء كعرق أو دين، وتسعى إلى التخلص منهم والاكتفاء بمن يتوافق مع لونهم أو معتقدهم.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.