«سوريا الديمقراطية» تطلق «غضب الفرات» لتحرير الرقة.. بدعم أميركي

واشنطن: معركة طرد «داعش» من معقله في سوريا لن تكون سهلة.. والتنسيق جارٍ مع تركيا

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال الرقة أمس (رويترز)
مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال الرقة أمس (رويترز)
TT

«سوريا الديمقراطية» تطلق «غضب الفرات» لتحرير الرقة.. بدعم أميركي

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال الرقة أمس (رويترز)
مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال الرقة أمس (رويترز)

انطلقت «قوات سوريا الديمقراطية» أمس، مدعومة بغطاء جوي لطائرات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، في معركة السيطرة على معقل تنظيم داعش في الرقة تحت عنوان «غضب الفرات»، وسط استبعاد ملحوظ لتركيا التي كانت أعلنت خلال الفترة الماضية أنها عازمة على التوجه نحو المدينة.
وقالت مصادر كردية سورية لـ«الشرق الأوسط» إن القرار بالمعركة «حُسم قبل أسبوعين» بموازاة انطلاق معركة السيطرة على الموصل، أبرز معاقل التنظيم في العراق، مشيرة إلى أن التحضير للعملية التي تولتها «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي تحالف فصائل عربية وكردية سورية مدعومة من واشنطن «جاء بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية التي تدعم العملية». وقالت المصادر: «معركة الرقة لطالما كانت على جدول أعمال التحالف وقوات سوريا الديمقراطية، لكن المشاركة كان يجب أن تسبقها حملة تفاهم، وهو ما دفع لاتخاذ القرار في هذا التوقيت»، في إشارة إلى تزامنها مع معركة السيطرة على مدينة الموصل في العراق.
ويأتي الهجوم على الرقة (شمال) بعد يومين من دخول القوات العراقية إلى مدينة الموصل، آخر معاقل التنظيم في العراق، في إطار هجوم واسع بدأته قبل ثلاثة أسابيع بدعم من غارات التحالف الدولي. وتعد الرقة والموصل آخر أكبر معقلين للتنظيم الذي مُني بخسائر ميدانية بارزة.
وحذر وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أمس من أن معركة السيطرة على مدينة الرقة «لن تكون سهلة»، وقال في بيان إن «الجهود لعزل وتحرير الرقة تعد الخطوة التالية في خطة حملة تحالفنا، وكما حدث في الموصل فإن القتال لن يكون سهلا. أمامنا عمل صعب، لكنه ضروري لإنهاء أسطورة خلافة داعش والقضاء على قدرة التنظيم لشن هجمات إرهابية على الولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا». وبدوره، أكد المبعوث الأميركي لمحاربة «داعش» بريت ماكغورك من الأردن أمس، أن «الحرب ضد تنظيم داعش لن تكون سهلة وأن مناطق سيطرة التنظيم تتقلص»، مضيفًا أن «معركة الرقة ضد التنظيم بدأت بدعم من التحالف الدولي ولن نسمح بتمدد التنظيم، بل سنواصل الحرب ضده في الموصل والرقة بشكل متزامن وبالتنسيق مع الجانب التركي بشأن معركة الرقة». وإثر الإعلان عن بدء الهجوم، أكدت واشنطن التي تقود التحالف الدولي ضد المتشددين بدء العملية الهادفة إلى «عزل» مدينة الرقة التي يسيطر عليها التنظيم منذ مطلع العام 2014. وقالت: «سنسعى أولا إلى عزل الرقة للتمهيد لهجوم محتمل على المدينة بالتحديد لتحريرها». وفي مؤتمر صحافي عقد في مدينة عين عيسى على بعد خمسين كيلومترا شمال مدينة الرقة، قالت المتحدثة باسم الحملة التي أطلقت عليها تسمية «غضب الفرات» جيهان شيخ أحمد «إننا في القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية نزف لكم بشرى بدء حملتنا العسكرية الكبيرة من أجل تحرير مدينة الرقة وريفها من براثن قوى الإرهاب العالمي الظلامي المتمثل بداعش».
وبدأت الحملة ميدانيا مساء أول من أمس وفق شيخ أحمد مع «تشكيل غرفة عمليات» من أجل «قيادة عملية التحرير والتنسيق بين جميع الفصائل المشاركة وجبهات القتال». وقالت شيخ أحمد خلال المؤتمر الصحافي: «سننتصر في هذه المعركة المصيرية كما انتصرنا في كوباني وتل أبيض والحسكة والهول والشدادي ومنبج»، في إشارة إلى المناطق التي تم طرد تنظيم داعش منها في السنتين الأخيرتين.
وتسعى المرحلة الأولى من العملية التي يشارك فيها 30 ألف مقاتل، إلى عزل مدينة الرقة عن محيطها، ومنع الإمدادات إليها، وتضييق الخناق على المتشددين فيها، قبل دخول المدينة. وبدأت الحملة العسكرية من عدة محاور، من جهور الشمال باتجاه الجنوب، ومن الشرق باتجاه الغرب، علما بأن أقرب منطقة تتواجد فيها «قوات سوريا الديمقراطية» إلى الرقة، تقع على بعد 35 كيلومترًا في مدينة عين عيسى (شمال الرقة)، بينما تبعد من مناطق أخرى شمال شرقي المدينة، نحو 57 كيلومترًا. واستهلت «قوات سوريا الديمقراطية» عملياتها بالسيطرة على قرى ومزارع في ريف المحافظة.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن قوات سوريا الديمقراطية تمكنت من التقدم والسيطرة على نحو 6 قرى ومزارع ومواقع في ريف الرقة الشمالي، وترافقت الاشتباكات في محيط هذه القرى وفي محيط قرية الهيشة، مع تحليق مستمر ومكثف للطائرات الحربية في سماء المنطقة واستهدافها مواقع وآليات للتنظيم في مواقع الاشتباك، فيما فجر التنظيم عربتين مفخختين على الأقل مستهدفًا مقاتلي القوات.
وحُسمت مشاركة قوات سوريا الديمقراطية في العملية، بعد تلميحات تركية بأن أنقرة ستطلق العملية. وقال رئيس «المركز الكردي للدراسات» نواف خليل: «كانت هناك محاولات لوضع الأتراك بصورة ما يمكن أن يجري، وكررت الولايات المتحدة تأكيدها أن قوات سوريا الديمقراطية تمتلك إمكانيات لمحاصرة داعش»، مشيرًا إلى أن وضع أنقرة بصورة ما يجري «ينطلق من أن الولايات المتحدة لا تفرط بسهولة بعلاقاتها بتركيا، لكن لطالما كان هناك رهان أميركي على قدرات قوات سوريا الديمقراطية في دحر الإرهاب».
وقال خليل: «الرهان العسكري، ليس المنطق الوحيد لتفويض قوات سوريا الديمقراطية بالعملية، بالنظر إلى أن هناك أبعادًا تتخطى المسائل العسكرية، وهي مرتبطة بحماية المكونات التي تتألف منها المناطق في شمال سوريا، وقد أثبتت قوات سوريا الديمقراطية أنها نموذج يُحتذى بالحفاظ على التنوع»، فضلاً عن «المناطق المحررة من داعش تتمتع بنجاح على الصعيد الإداري لتعايش الناس، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية التي تتمثل في حماية آلاف آبار النفط التي تتواجد في منطقة الجزيرة في شمال شرقي سوريا». وقال: «استطاعت قوات سوريا الديمقراطية أن تحرر 20 ألف كيلومتر مربع من سيطرة داعش، وحافظت على المكونات الإثنية والطائفية الموجودة، فضلاً عن أن هذه القوات تتألف من مقاتلي وحدات حماية الشعب وحماية المرأة الكرديين، إلى جانب مقاتلين من ثوار الرقة وشهداء الرقة لواء صقور الرقة والمجلس العسكري السرياني وغيرها، وكلها فصائل لها قيادة مركزية ولها تجارب سابقة في تحرير منطقة الشدادي حين قطعت العلاقة بين الموصل والرقة».
ومنذ تشكيلها في أكتوبر (تشرين الأول) 2015. نجحت قوات سوريا الديمقراطية التي تضم نحو ثلاثين ألف مقاتل، ثلثاهما من الأكراد، بدعم من التحالف الدولي، في طرد تنظيم داعش من مناطق عدة.
وأقر المتحدث العسكري باسم قوات سوريا الديمقراطية طلال سلو لوكالة الصحافة الفرنسية أمس أن «المعركة لن تكون سهلة(..) كون تنظيم داعش سيعمد للدفاع عن معقله الرئيسي في سوريا، لإدراكه أن سيطرتنا على الرقة تعني نهايته في سوريا». وبحسب سلو، ستجري المعركة «على مرحلتين، تهدف الأولى إلى عزل مدينة الرقة عن باقي المحافظة تمهيدا لاقتحامها في المرحلة الثانية». وأعلن سلو أن «دفعة أولى من الأسلحة والمعدات النوعية بينها أسلحة مضادة للدروع وصلت من التحالف الدولي تمهيدا لخوض المعركة».
وفي السياق ذاته، أفاد مصدر قيادي في قوات سوريا الديمقراطية «بوصول قرابة خمسين مستشارا وخبيرا عسكريا أميركيا موجودين ضمن غرفة عمليات معركة الرقة لتقديم مهام استشارية والتنسيق بين القوات المقاتلة على الأرض وطائرات التحالف الدولي».
وتقع الرقة على ضفة نهر الفرات وتبعد نحو مائة كيلومتر عن الحدود التركية. ويعيش فيها أكثر من 240 ألف نسمة بالإضافة إلى أكثر من ثمانين ألف نازح وأفراد من عائلات المتشددين. ومنذ سيطرته عليها، يتحكم التنظيم بمفاصل الحياة في المدينة، ويغذي الشعور بالرعب بين الناس من خلال الإعدامات الوحشية والعقوبات التي يطبقها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.