السعودية تكشف عن رسوم الخدمات البلدية.. ودعم القطاع التجاري أهم ملفاتها

رسوم المحلات جاءت في مستويات «مقبولة» وتنخفض بـ98 % عن سقفها الأعلى

السعودية تكشف عن رسوم الخدمات البلدية.. ودعم القطاع التجاري أهم ملفاتها
TT

السعودية تكشف عن رسوم الخدمات البلدية.. ودعم القطاع التجاري أهم ملفاتها

السعودية تكشف عن رسوم الخدمات البلدية.. ودعم القطاع التجاري أهم ملفاتها

كشفت السعودية أمس عن حجم رسوم الخدمات البلدية المفروضة على المحلات التجارية، والفنادق، والورش، ومحطات الوقود، وغيرها من الجهات التي تقدم لها خدمات الأمانات والبلديات، حيث أظهرت هذه الرسوم أنها جاءت في مستويات «مقبولة» لدى الأوساط التجارية والاستثمارية، مما يعني أن المملكة تمضي قدمًا في دعم القطاع التجاري، وبالتالي رفع مستوى مساهمته في الاقتصاد المحلي.
وكان قرار مجلس الوزراء السعودي قد فرض سقفًا أعلى بنحو 300 ريال للمتر الواحد على المحلات التجارية (80 دولارا)، إلا أن الرسوم الفعلية على هذه المحلات لم تتجاوز 6 ريالات فقط (1.6 دولار) على المتر الواحد، مما يعني أنها تنخفض بنسبة 98 في المائة عن السقف الأعلى، في إشارة واضحة على أن السعودية تدعم القطاع التجاري للقيام بدوره في النمو الاقتصادي للبلاد.
وواجهت رسوم الخدمات البلدية المعلنة أمس، ترحيبًا بين أوساط المستثمرين ورجال الأعمال، حيث كانت الأوساط التجارية تخشى من زيادة حجم الرسوم المفروضة إلى مستويات أعلى بكثير من الأرقام المعلنة يوم أمس، فيما من المتوقع أن تحدث الرسوم الجديدة ردود فعل إيجابية على صعيد توسع ودعم المشاريع الصغيرة.
وفي هذا الإطار، أكد شنان الزهراني نائب رئيس اللجنة الوطنية التجارية في غرفة الشرقية لـ«الشرق الأوسط» أمس، أن رسوم الخدمات البلدية المعلنة أمس في السعودية جاءت «مقبولة» بين أوساط المستثمرين ورجال الأعمال، يأتي ذلك بالمقارنة مع سقف الرسوم الذي تم تحديده مسبقًا.
وشدد الزهراني على أن رسوم الخدمات البلدية لا يمكن أن تكون ذريعة لرفع أسعار السلع أو الخدمات، وقال: «الملاحظ اليوم أن ملاك العقارات بدأوا يخفضون أسعار الإيجارات، لذلك فإن أثر الرسوم الجديدة سيكون معدومًا».
وأضاف الزهراني خلال حديثه: «نحن بدورنا كرجال أعمال يجب أن نكون مساهمين في دعم الاقتصاد الوطني، فالإيجابية الكبرى هي أن نتفاعل مع اقتصاد البلاد والمساهمة في تحقيق رؤية 2030».
من جهة أخرى، اعتمد وزير الشؤون البلدية والقروية السعودي المهندس عبد اللطيف آل الشيخ، لائحة رسوم الخدمات البلدية التي تقدمها الأمانات والبلديات وتهدف للارتقاء بجودة الخدمات البلدية المقدمة للمواطنين في جميع مناطق المملكة.
وأوضحت وزارة الشؤون البلدية والقروية أن الرسوم البلدية الجديدة، تم إقرارها على ضوء دراسات، حيث راعت التدرج المكاني بحسب المدن والمحافظات والمراكز آخذة بعين الاعتبار الاستراتيجية العمرانية والنشاط الاقتصادي، تم تصنيف أمانات وبلديات المملكة إلى خمسة تصنيفات على النحو التالي: التصنيف الأول – الأمانات الكبرى وتضم أمانة منطقة الرياض (مدينة الرياض) وأمانة العاصمة المقدسة (مدينة مكة المكرمة) وأمانة منطقة المدينة المنورة (مدينة المدينة المنورة) وأمانة المنطقة الشرقية (مدينة الدمام، الخبر، الظهران) وأمانة محافظة جدة (محافظة جدة).
وشمل التصنيف الثاني الأمانات الأخرى وهي أمانة منطقة القصيم (مدينة بريدة) وأمانة منطقة عسير (مدينة أبها) وأمانة منطقة جازان (مدينة جازان) وأمانة منطقة حائل (مدينة حائل) وأمانة منطقة تبوك (مدينة تبوك) وأمانة منطقة نجران (مدينة نجران) وأمانة منطقة الجوف (مدينة سكاكا) وأمانة منطقة الباحة (مدينة الباحة) وأمانة منطقة الحدود الشمالية (مدينة عرعر) وأمانة محافظة الطائف (محافظة الطائف) وأمانة محافظة الأحساء (محافظة الهفوف)، أما التصنيف الثالث فيضم بلديات (أ) و(ب) والتصنيف الرابع يشمل بلديات (ج) و(د) والتصنيف الخامس يضم بلديات (هـ).
ووفق هذا التصنيف سوف يتم تطبيق رسوم الخدمات البلدية طبقًا للائحة الجديدة مع الأخذ في الاعتبار الحد الأدنى لهذه الرسوم، ولا سيما فيما يتعلق برسوم إصدار تراخيص المباني والتمديد وكذلك تراخيص أعمال الهدم والترميم حيث بلغت رسوم إصدار تراخيص إنشاء المباني السكنية (مدة الترخيص ثلاث سنوات) في التصنيف الأول والتي تضم الأمانات الخمس الرئيسية وهي مدينة الرياض والعاصمة المقدسة والمدينة المنورة ومنطقة الشرقية وجدة 3 ريالات لكل متر مربع حتى تصل إلى التصنيف الخامس والذي يصل فيه الرسم إلى 60 هللة لكل متر مربع.
أما فيما يتعلق بالأنشطة التجارية فإنه يتم إصدار رخص الأنشطة التجارية لمدة سنة واحدة، حيث جاء رسم محطات الوقود (داخل النطاق العمراني) بواقع 5 آلاف ريال (1.3 ألف دولار) للرخصة في التصنيف الأول وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم ألف ريال للرخصة (266.6 دولار).
بينما المنتجعات والفنادق فقد جاءت الرسوم البلدية لترخيص الفنادق والشقق الفندقية والمنتجعات وما في حكمها - الفئة الأولى، المتضمنة مرافق الإيواء السياحي – الخدمة الكاملة – المصنفة فئتها بخمس نجوم أو أعلى، بواقع 250 ريالاً (66.6 دولار) في التصنيف الأول لكل وحدة سكنية، وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 50 ريالاً (13.3 دولار) لكل وحدة سكنية. فيما جاءت الرسوم البلدية لترخيص الفنادق والشقق الفندقية والمنتجعات وما في حكمها - الفئة الخامسة والمتضمنة مرافق الإيواء السياحي – الخدمة الكاملة – المصنفة فئاتها بنجمة أو دلتان أو دلة، ومرافق الإيواء السياحي – الخدمة الذاتية – المصنفة فئتها بالدرجة الثالثة أو الرابعة، مرافق الإيواء السياحي – غير المصنفة، بواقع 50 ريالاً (13.3 دولار) في التصنيف الأول لكل وحدة سكنية وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم (10) ريالات (2.6 دولار) لكل وحدة سكنية.
كما وضع التصنيف عدة شرائح لتراخيص المحلات التجارية، حيث جاءت شريحة رقم 1 – مساحة صفر إلى 5 آلاف متر مربع في التصنيف الأول رسم 6 ريالات (1.6 دولار) لكل متر مربع وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 1.2 ريال لكل متر مربع فيما جاءت شريحة رقم 5 – (مساحة أكبر من 30 ألف متر مربع) بواقع 30 هللة في التصنيف الأول وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 6 هللات لكل متر مربع، ويشمل ذلك محلات تغيير الزيوت والشحوم وغسيل السيارات، والورش المهنية.
وفي نشاط الاستراحات وقصور الأفراح فقد جاءت شريحة رقم 1 – مساحة صفر إلى 5 آلاف متر مربع في التصنيف الأول برسم 3 ريالات لكل متر مربع وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 60 هللة لكل متر مربع فيما جاءت شريحة رقم 5 – (مساحة أكبر من 30 ألف متر مربع) بواقع 15 هللة في التصنيف الأول وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 3 هللات لكل متر مربع، ويشمل هذا التصنيف كذلك مدن الملاهي والترفيه، والأنشطة الطبية، والتعليمية. وضمن هذه التصنيفات تأتي المطابخ والمطاعم وما في حكمها حيث جاءت شريحة رقم 1 – مساحة صفر إلى 5 آلاف متر مربع في التصنيف الأول برسم 8 ريالات (2.1 دولار) لكل متر مربع وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 1.6 ريال لكل متر مربع، فيما جاءت شريحة رقم 2 – (مساحة أكبر من 5 آلاف متر مربع) بواقع 4 ريالات في التصنيف الأول وتتدرج إلى أن تصل إلى التصنيف الخامس حيث يبلغ الرسم 80 هللة لكل متر مربع.
إلى ذلك، تم تأجيل تطبيق بعض الرسوم على بعض الخدمات الأخرى لحين إجراء دراسة شاملة لها مثل رسوم تراخيص محطات الوقود الواقعة خارج النطاق العمراني، ورسوم جمع النفايات التجارية والسكنية، وتراخيص حفر الشوارع، واعتماد مخططات التطوير العقاري، وأشغال الفنادق والشقق المفروشة والمنتجعات، هذا إلى جانب الخدمات المجانية التي تقدمها الوزارة والتي يزيد عددها عن 90 خدمة تقريبًا وتشمل الحدائق والمتنزهات والساحات البلدية والمدافن وأعمال التشجير والتجميل وخدمات صحة البيئة ومكافحة الآفات وغيرها.
وأكدت وزارة الشؤون البلدية في السعودية أن لائحة رسوم الخدمات البلدية سيتم بدء العمل بها اعتبارًا من 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بالإضافة إلى استحداث عدة آليات لتسهيل إجراءات تحصيلها وإيجاد قنوات لقياس درجة رضى المواطنين عن الخدمات البلدية، ورصد أي قصور بها، وذلك في إطار الحرص على الاستفادة من كافة الآراء والمقترحات للارتقاء بجودة الخدمات البلدية.
وفي مجال خدمات القيام بالمعاينة أو الكشفية فقد حددت اللائحة رسم 20 ريالاً (5.3 دولار) للزيارة بكافة التصنيفات من التصنيف الأول وحتى التصنيف الخامس، وبشأن إصدار الشهادات الصحية فقد حددت اللائحة رسم 60 ريالاً (16 دولارًا) للشهادة بكافة التصنيفات.



«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.


محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.