المشنوق لـ«الشرق الأوسط»: فرق كبير بين عون «التيار» وعون «الرئيس»

وزير الداخلية اللبناني قال إن الرئيس الجديد ملتزم بـ«الطائف» وحياد لبنان.. واتصال الأسد به بروتوكولي

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
TT

المشنوق لـ«الشرق الأوسط»: فرق كبير بين عون «التيار» وعون «الرئيس»

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق

قبل أشهر من انتهاء الفراغ الرئاسي في لبنان، الذي استمر أكثر من عامين ونصف العام، أعلن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، أن «انتخاب الرئيس سيتم قبل نهاية العام الحالي». وردد هذا التوقع في معظم خطاباته وتصريحاته، وأمام السفراء العرب والأجانب. تصريح أصر عليه المشنوق، فيما اعتبره كثيرون تفاؤلا زائدا في ظل واقع قاتم، أو أنه على طريقة «تفاءلوا بالخير تجدوه». لكن المشنوق كان يستند إلى حصيلة ضخمة من المعلومات وتبادل الآراء في الداخل والخارج، وعلى شبكة كبيرة من العمل والجهد السياسي. وكان مفاجئا لمعظم اللبنانيين أن ما وعد به المشنوق قد حصل بالفعل في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل شهرين من نهاية العام. وها هو لبنان قد «استعاد نصابه الدستوري». ولا يخفي نهاد المشنوق دوره في دعم مبادرة رئيس تيار المستقبل، الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، لإنهاء الفراغ الرئاسي، وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن لبنان كان محتاجا لعملية «إنقاذ» وأشار إلى أن الرئيس الجديد ميشال عون ملتزم بحياد لبنان، وباتفاق الطائف، وأكد وجود فرق كبير بين عون زعيم التيار وعون الرئيس لكل اللبنانيين.
* كنت أول المبشرين بإنهاء الفراغ الرئاسي قبل نهاية العام الحالي، هل كان لك دور في كواليس الاتفاق بين الرئيسين عون والحريري؟
- أنا صاحب رأي ولست صاحب قرار، لكنني كنت من أكبر الداعمين لمبادرة الرئيس الحريري إلى العمل على اكتمال النصاب الدستوري؛ وذلك نظرًا للمعطيات السياسية والاقتصادية التي أملكها، إضافة إلى مرورنا في واحدة من أصعب الأزمات النقدية. وكنت أعلنتها قبل عام بالتمام والكمال، وحينها برزت ردود فعل كبيرة. لكن بفضل شجاعة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهندسته المالية المبدعة، رغم اختلاف كثيرين معه، استطعنا تجاوز تلك الأزمة. فلبنان كان ولا يزال في حاجة إلى عملية إنقاذ حقيقية. فوجدنا أنفسنا في موقع الاختيار بين مرشحين، الأول هو الجنرال ميشال عون، والمرشح الثاني هو استمرار الفراغ، على حد تعبير الرئيس الحريري. لكن مخاطر الفراغ في ظل حساسية تكوين النسيج اللبناني كانت مصدر خوف وقلق لدينا، فكانت مبادرة الرئيس الحريري.
* هذه المبادرة «الإنقاذية» أوصلت مرشح «حزب الله» إلى قصر بعبدا وترافقت مع معارضة حادة من بعض نواب كتلة المستقبل وكوادر في قوى 14 آذار. فراح بعضهم بعيدًا إلى حد وصف المبادرة بأنها «تسليم لبنان إلى المحور الإيراني» و«هزيمة لتيار المستقبل»، فما رأيك؟
- لا يوجد انتصار أو هزيمة لأي تيار سياسي، في السياسة لا يوجد انتصارات أو هزائم في مثل هذه القضايا. الانتصار الحقيقي هو للبنان كدولة استعادت نصابها الدستوري، أما تيار المستقبل فهدفه الأساسي كان ولا يزال وسيظل هو الحفاظ على لبنان وعلى وحدته وسيادته، ونظامه الدستوري واتفاق الطائف، ووصولنا إلى التوازن داخل المؤسسات الدستورية هو انتصار لمشروعنا.
نحن نعرف أن السياسة الإيرانية لم ولن تكون جزءًا من الاستقرار؛ فالسياسة الإيرانية في المنطقة «مبتكرة» في تحقيق عدم الاستقرار والدفع نحو الانقسامات بين الشعوب التي تعمل داخل دولها، وهذا ما نشهده في سوريا واليمن والعراق وسوريا. هذا تماما على عكس السياسة السعودية التي تعتبر جزءًا من الاستقرار في معظم الدول التي تحتاج إلى دعمها. وحيث تكون المملكة العربية السعودية حاضرة نجد مشروع استقرار ومسعى للإجماع. في هذا السياق، كانت زيارة الموفد السعودي الوزير ثامر السبهان أكبر دليل على اهتمام المملكة العربية السعودية بالحفاظ على الاستقرار في لبنان. فقد اجتمع الوزير السبهان مع عشرات الشخصيات السياسية في لبنان قبل الاستحقاق الرئاسي، واجتمع بهم، ولم يسمع أحد منه كلاما خارج سياق الدولة ولمّ الشمل. وهو قام بمشاورات موسعة نجحت في التأسيس لعودة العلاقات اللبنانية – السعودية إلى طبيعتها السابقة.
* وماذا عن الاتهامات بأن «14 آذار» تخلى عن مبادئه؟
- هذا غير صحيح. لنتذكر أن 14 آذار هي فكرة أولا. والرئيس الحريري عمل على تكريس هذه الفكرة من خلال مبادرته. فهو يملك شجاعة الإقدام على التسوية. هو لم يرشح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، ثم العماد ميشال عون، ليكون داعمًا للسياسة الإيرانية، إنما من أجل السعي إلى قيام دولة. ولأن مشروع 14 آذار هو قيام الدولة، فإن انتخاب رئيس، أيا كان، يحد من الفوضى ويمنع التخريب ويوقف سياسات الانقسام بين اللبنانيين. هكذا، فإذا كانت فكرة 14 آذار هي قيام الدولة، فقد جاء انتخاب عون جزءا من قيام الدولة، وهذا ما لا تريده السياسات الإيرانية لا في لبنان ولا في الدول العربية الأخرى رغم كل التصريحات اللاحقة لانتخاب الرئيس.
* شهدنا ترحيبًا بخطاب القسم الذي وصفه الجميع بالإيجابي فهل سيستطيع عون لعب دور الرئيس الجامع؟ خصوصًا أنه الحليف لـ«حزب الله» الذي دخل في الصراع المذهبي في سوريا والعراق واليمن؟
- كما قلت سابقًا لا يُفتى والجنرال عون في الرابية، أقول اليوم، لا يُفتى والرئيس عون في بعبدا. وهذا ليس من باب الحماسة أو المحبة، بل لأن للجنرال تاريخا مخالفا للواقع الحالي، وهناك جانب مسكوت عنه في تاريخه السياسي وفي شخصيته الحقيقية. علينا ألا ننسى أنه كان أحد أبرز المقاتلين في سبيل استقلال لبنان من الوصاية السورية. أهم ميزة في الرئيس عون أنه أتى إلى الرئاسة وزعامته المسيحية معه، وبالتالي لن يكون كما الرؤساء السابقين الذين سعوا لاكتساب شعبية مسيحية خلال وجودهم في السلطة. هو ليس في حاجة إلى اتخاذ مواقف شعبوية لزيادة شعبيته في الوسط المسيحي. والدليل الأبرز هو خطاب القسم، الذي تميز بثلاثة عناصر رئيسية، الأول التأكيد على الالتزام بقرارات جامعة الدول العربية، خصوصا في البند الثامن الذي ينص على عدم السماح لأي دولة عربية بالتدخل في شؤون أي دولة أخرى، والعنصر الثاني هو الالتزام بالقرارات الدولية، أما العنصر الثالث فهو الالتزام باتفاق الطائف، والدعوة إلى تنفيذه دون انتقائية. فلو أعلن أي رئيس مسيحي آخر، لا يملك شعبية الرئيس عون، لو أعلن التزامه ب«الطائف»، لكان سيتلقى الكثير من الانتقادات، بينما عندما قالها عون تبناها الجميع وأثنوا عليها، كما لو أنها موقف المسيحيين، لكن في الحقيقة هذا القرار ليس موقفا مسيحيا شعبيا، بل هو موقف متوازن مسؤول يجتمع عليه اللبنانيون. فعون الذي اتهِمَ بأنه يسعى إلى الفيدرالية ويقف بوجه عروبة لبنان، إضافة إلى اتهامه بالسعي لإقامة نظام جديد بديل عن اتفاق الطائف، عند وصوله إلى موقع المسؤولية، كان خطابه مخالفًا لكل الاتهامات السابقة. وبدا نقطة لقاء والتقاء لبنانية لجميع القوى. حتى معارضوه وصفوا خطاب القسم بأنه ممتاز.
* وماذا عن التزام الرئيس ميشال عون بورقة تفاهم مع «حزب الله»؟
- ورقة التفاهم هي التزام وقعه التيار الوطني الحر مع «حزب الله»، وليست ورقة تفاهم بين رئيس الجمهورية ميشال عون وبين «حزب الله». اليوم ميشال عون هو رئيس للجمهورية اللبنانية، وليس رئيس حزب. وبالتالي دوره أن يسعى للجمع بين اللبنانيين وليس التفريق بينهم. وعلينا أن نفرق من اليوم وصاعدا بين الجنرال ميشال عون، وبين الرئيس ميشال عون.
* سمير جعجع صرح أكثر من مرة بأن الاستحقاق الرئاسي وللمرة الأولى هو لبناني، في حين شهدنا حراكا دوليا وإقليميا للرئيس سعد الحريري قبل إعلانه تأييد ترشيح عون للرئاسة، فهل للدول الإقليمية والدولية دور في إنهاء الفراغ الرئاسي؟
- حراك الرئيس الحريري كان لتسويق فكرة انتخاب عون، والحصول على ضمانات بألا يُترك لبنان وحيدًا إن تم انتخابه. وقد لاقى الحريري تجاوبًا كبيرًا في فرنسا وروسيا، مع وعود في المجالين الاقتصادي والسياسي بالحشد لدعم دولي. وبالطبع السعودية جزء من هذا الدعم، تمثل ذلك في اتصال أجراه خادم الحرمين الشريفين، جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز، لتهنئة الرئيس عون. وقبلها زيارة الوزير السبهان قبيل الانتخابات بيومين. وهو دليل قبول بما اتفقت عليه الأحزاب الرئيسية في لبنان؛ لأن السعودية حريصة دومًا على استقرار لبنان وسلامته. وأتوقع أن تشهد العلاقة اللبنانية – السعودية تطورًا كبيرًا؛ فالجميع باتوا مدعوين إلى تشجيع الرئيس عون لتطبيق ما جاء في خطاب القسم. أما الفرنسيون فقد وعدوا بأن يعملوا على مؤتمر «باريس – 4» لدعم لبنان، خلال أشهر قليلة.
* في العام الأخير شهدنا توترا للعلاقات بين لبنان ودول الخليج، وذلك بعد سلسلة مواقف اتخذها الوزير جبران باسيل في جامعة الدول العربية، فهل وصول عون إلى الرئاسة سيرمم هذه العلاقات، أم أن ورقة التفاهم مع «حزب الله» هي التي ستدير علاقات لبنان مع الخارج؟
- أفضل عدم العودة إلى الوراء.. موقف باسيل جاء حينها في ظل فراغ رئاسي، وخلاف حاد داخل الحكومة حول موقفه، وقد تصادمت معه بسبب كلامه في ذلك الوقت. أما اليوم، ومع وجود رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة، هما سيكونان ضابطين لإيقاع السياسة الخارجية التي ينتهجها لبنان كدولة. وهي لا يمكن أن تكون من خارج نص خطاب القسم، وهو ملزم للرئيس. وعمليا الرئيس عون أجاب على سؤالكِ في البند الذي تحدث عن حياد لبنان، والتزامه بـ«الطائف» وعدم التدخل في شؤون الدول العربية الأخرى. هذه هي سياسة لبنان الخارجية في العهد الجديد.
* الخارجية الأميركية رحبت بإنهاء الفراغ الرئاسي بحذر، وذكرت بقراراتها ضد «حزب الله» كمنظمة إرهابية، واضعة العهد الجديد في فترة امتحان للحكم عليه، فهل سينجح هذا العهد بالحفاظ على علاقات لبنان بالمجتمع الدولي؟
- موقف الخارجية الأميركية من انتخاب الرئيس عون لا أرى فيه أي جديد أو غير تقليدي. الاستثناء الوحيد هو الترحيب، رغم كل الاتهامات التي وجهت إلى الرئيس عون. فالدبلوماسية الأميركية تعرف أن الرئيس عون هو غير الجنرال عون، والدليل مرة أخرى خطابه. أما التذكير بموقفها تجاه «حزب الله» كمنظمة إرهابية فهو تذكير تقليدي في السياسة الخارجية الأميركية. ولبنان لا يستطيع أن يوافق المجتمع الدولي على اتهام مجموعة لبنانية كاملة، لها فريق سياسي لبناني كامل، ومنتخب، كمنظمة إرهابية.
* تحدث الرئيس الحريري في خطابه عن ضمانات واتفاق لتحييد لبنان عن الأزمات الإقليمية، وخصوصًا السورية، فكيف سيترجم هذا التحييد، خصوصًا أننا شهدنا اتصال تهنئة من رئيس النظام السوري إلى الرئيس عون؟
- الحرب السورية أحرقت كل القوى الدولية التي دخلت فيها، من إيران وروسيا وأميركا و«حزب الله». فور دخولهم البازار السوري تعرضوا لحسومات فورية على أحجامهم وأدوارهم. لا يوجد قوة بقيت على حجمها. أو تأثيرها. وحياد لبنان اختصره الرئيس الحريري بقوله إنه عندما يقرر الشعب السوري شكل نظامه، حينها سنتعامل معه. أما اتصال التهنئة الذي تلقاه الرئيس عون من الرئيس (النظام) السوري السابق بشار الأسد، فهو بروتوكولي لا يؤسس لأي علاقة في المستقبل، ولا لأي تطور دراماتيكي لصالح النظام السوري في لبنان. هذا لن يحصل لأنه موضع خلاف شديد وحاد بين اللبنانيين، ورئيس الجمهورية مهمته وطبيعته، وما أعلن عنه، هو أنه سيعمل وفق سياسة يتفق عليها اللبنانيون. ولنكن صادقين وواعين أن تحييد لبنان ليس قرارًا داخليًا وحسب. فهذا «النعيم» الذي نعيش فيه اليوم سببه قرار كل القوى الدولية بحفظ لبنان وتحييده.
* هناك أشياء كثيرة في لبنان تؤثر في استقراره مثل اللاجئين كيف سيمكن تجاوزها؟
- جزء كبير من الاستقرار اللبناني سببه وجود النازحين السوريين فيه. فالمجتمع الدولي يعمل على إبعاد هذا الكأس المر عنه، وتعرض لبنان لأي انهيارات كبيرة سيدفع النازحين إلى الهجرة ولو عن طريق البحر. وشهدنا حالات كثيرة من الهجرة غير الشرعية إلى الدول الغربية. ولأن المجتمع الدولي حريص على عدم وصول أي نازح جديد إلى الغرب؛ لذلك يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في لبنان والأردن، وتركيا. من جهة أخرى، فإن إيران حريصة هي أيضًا على حياد لبنان واستقراره؛ لأنه أرض إمداد وقاعدة لوجيستية للحرب الإيرانية في سوريا، وهو الطريق البري الوحيد المفتوح باتجاه سوريا، كي تستمر في أعمالها العدوانية عبر «حزب الله» ضد الشعوب العربية. لكن على الرغم من أن الحفاظ على استقرار لبنان ينطلق من قواعد سلبية، فإن نتائجه إيجابية على لبنان عامة وعلى اللبنانيين.
* هل عادت العلاقة بين الرئيس بري وحركة أمل إلى سابقاتها، بعد التوتر الذي أصابها بسبب ترشيح الاتفاق بين عون والحريري؟
- على الصعيد الشخصي، عادت الأمور إلى سابق عهدها، والدليل أن بري سمى الحريري في الاستشارات النيابية. أكرر هنا: نحن لا نتخلى عن الرئيس بري. وما فيه من لبنانية وعروبة ليستا موضع نقاش أو انقسام، وبالتالي خيارنا هو التفاهم معه بشكل دائم، أما المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة فهي مفاوضات عادية وتقليدية، وهي حرب حقائب، وليست حرب مبادئ، لكن هناك قوة اندفاع نحو تشكيل حكومة بسرعة، وأظن أنها ستتشكل في غضون أسابيع قليلة.
وأنا هنا أتفهم موقف بري الذي استاء من حصول الاتفاق بين عون والحريري من دون علمه.. فلو كانت المفاوضات علنية حينها لكانت تحولت إلى اشتباك. فدخول عشرات القوى السياسية إليها لكانت ستحولها إلى حرب داحس والغبراء، والرئيس بري أخذ وقته لكي يثق ويصدق بأن قواعد الاتفاق ليست تفصيلية ولا وزارية ولا وظائفية، بل هي اتفاق عريض يتعلق بسلامة لبنان وتقدمه.
* ما تحديات العهد الجديد؟
- أهم تحديات العهد الجديد هي تنموية واقتصادية. فهناك امتحان كبير أمام العهد الجديد في مسألة الخدمات التي يحتاج إليها الناس، من كهرباء وطرقات ومعالجة أزمة النفايات التي باتت جزءًا من هوس اللبنانيين رغم حلها مرحليًا.
* قرارات تيار المستقبل تأتي دائمًا بعكس تطلعات قاعدته الشعبية، وشهدنا في الانتخابات البلدية تراجعا في طرابلس وبيروت، فما هي حسابات تيار المستقبل في اتخاذ قرارات تؤثر في شعبيته، خصوصًا مع اقتراب مود الانتخابات النيابية؟
- تراجع شعبية تيار المستقبل لم يكن من أسبابه المبادرات التي أطلقها الرئيس الحريري، بل الأصح أن سببها الأساسي كان غياب الرئيس الحريري لسنوات عن لبنان. ما ترك إحساسًا لدى مناصري تيار المستقبل بأنهم متروكون في غرفة الانتظار، لا هم مقبلون على تسوية، ولا هم ذاهبون على مواجهة.
ما حدث الآن بات واضحًا: نحن مقبلون على تسوية، والثابت أن التسوية تحتاج إلى شجاعة أكبر من المواجهة؛ لأن المواجهة لا تستلزم أكثر من التعبئة الشعبوية بالكلام الكبير، بينما التسوية تحتاج إلى حديث يومي وإقناع يومي ونقاش يومي، لكي يتقبلها الناس. وقد رأينا يوم إعلان تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة كيف شهدنا احتفالات عمت المناطق المناصرة لتيار المستقبل. إذا هناك رابط عاطفي وود كبير وواضح بين الرئيس الحريري وبين مناصريه، ولديه شعبية حقيقية. ولو اختلف معه كثيرون في السياسة الود يبقى قائمًا. والطائفة السنية في لبنان بشكل عام هي من أهل الدولة، وخيار أهلها الدائم هو الدولة، وعندما تلوح لهم الدولة في أي مكان ما تراهم يلجأون إليها ويركضون نحوها، بأخطائها وسلبياتها، وهذا ثابت في تاريخ لبنان.



الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟