المشنوق لـ«الشرق الأوسط»: فرق كبير بين عون «التيار» وعون «الرئيس»

وزير الداخلية اللبناني قال إن الرئيس الجديد ملتزم بـ«الطائف» وحياد لبنان.. واتصال الأسد به بروتوكولي

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
TT

المشنوق لـ«الشرق الأوسط»: فرق كبير بين عون «التيار» وعون «الرئيس»

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق

قبل أشهر من انتهاء الفراغ الرئاسي في لبنان، الذي استمر أكثر من عامين ونصف العام، أعلن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، أن «انتخاب الرئيس سيتم قبل نهاية العام الحالي». وردد هذا التوقع في معظم خطاباته وتصريحاته، وأمام السفراء العرب والأجانب. تصريح أصر عليه المشنوق، فيما اعتبره كثيرون تفاؤلا زائدا في ظل واقع قاتم، أو أنه على طريقة «تفاءلوا بالخير تجدوه». لكن المشنوق كان يستند إلى حصيلة ضخمة من المعلومات وتبادل الآراء في الداخل والخارج، وعلى شبكة كبيرة من العمل والجهد السياسي. وكان مفاجئا لمعظم اللبنانيين أن ما وعد به المشنوق قد حصل بالفعل في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل شهرين من نهاية العام. وها هو لبنان قد «استعاد نصابه الدستوري». ولا يخفي نهاد المشنوق دوره في دعم مبادرة رئيس تيار المستقبل، الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، لإنهاء الفراغ الرئاسي، وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن لبنان كان محتاجا لعملية «إنقاذ» وأشار إلى أن الرئيس الجديد ميشال عون ملتزم بحياد لبنان، وباتفاق الطائف، وأكد وجود فرق كبير بين عون زعيم التيار وعون الرئيس لكل اللبنانيين.
* كنت أول المبشرين بإنهاء الفراغ الرئاسي قبل نهاية العام الحالي، هل كان لك دور في كواليس الاتفاق بين الرئيسين عون والحريري؟
- أنا صاحب رأي ولست صاحب قرار، لكنني كنت من أكبر الداعمين لمبادرة الرئيس الحريري إلى العمل على اكتمال النصاب الدستوري؛ وذلك نظرًا للمعطيات السياسية والاقتصادية التي أملكها، إضافة إلى مرورنا في واحدة من أصعب الأزمات النقدية. وكنت أعلنتها قبل عام بالتمام والكمال، وحينها برزت ردود فعل كبيرة. لكن بفضل شجاعة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهندسته المالية المبدعة، رغم اختلاف كثيرين معه، استطعنا تجاوز تلك الأزمة. فلبنان كان ولا يزال في حاجة إلى عملية إنقاذ حقيقية. فوجدنا أنفسنا في موقع الاختيار بين مرشحين، الأول هو الجنرال ميشال عون، والمرشح الثاني هو استمرار الفراغ، على حد تعبير الرئيس الحريري. لكن مخاطر الفراغ في ظل حساسية تكوين النسيج اللبناني كانت مصدر خوف وقلق لدينا، فكانت مبادرة الرئيس الحريري.
* هذه المبادرة «الإنقاذية» أوصلت مرشح «حزب الله» إلى قصر بعبدا وترافقت مع معارضة حادة من بعض نواب كتلة المستقبل وكوادر في قوى 14 آذار. فراح بعضهم بعيدًا إلى حد وصف المبادرة بأنها «تسليم لبنان إلى المحور الإيراني» و«هزيمة لتيار المستقبل»، فما رأيك؟
- لا يوجد انتصار أو هزيمة لأي تيار سياسي، في السياسة لا يوجد انتصارات أو هزائم في مثل هذه القضايا. الانتصار الحقيقي هو للبنان كدولة استعادت نصابها الدستوري، أما تيار المستقبل فهدفه الأساسي كان ولا يزال وسيظل هو الحفاظ على لبنان وعلى وحدته وسيادته، ونظامه الدستوري واتفاق الطائف، ووصولنا إلى التوازن داخل المؤسسات الدستورية هو انتصار لمشروعنا.
نحن نعرف أن السياسة الإيرانية لم ولن تكون جزءًا من الاستقرار؛ فالسياسة الإيرانية في المنطقة «مبتكرة» في تحقيق عدم الاستقرار والدفع نحو الانقسامات بين الشعوب التي تعمل داخل دولها، وهذا ما نشهده في سوريا واليمن والعراق وسوريا. هذا تماما على عكس السياسة السعودية التي تعتبر جزءًا من الاستقرار في معظم الدول التي تحتاج إلى دعمها. وحيث تكون المملكة العربية السعودية حاضرة نجد مشروع استقرار ومسعى للإجماع. في هذا السياق، كانت زيارة الموفد السعودي الوزير ثامر السبهان أكبر دليل على اهتمام المملكة العربية السعودية بالحفاظ على الاستقرار في لبنان. فقد اجتمع الوزير السبهان مع عشرات الشخصيات السياسية في لبنان قبل الاستحقاق الرئاسي، واجتمع بهم، ولم يسمع أحد منه كلاما خارج سياق الدولة ولمّ الشمل. وهو قام بمشاورات موسعة نجحت في التأسيس لعودة العلاقات اللبنانية – السعودية إلى طبيعتها السابقة.
* وماذا عن الاتهامات بأن «14 آذار» تخلى عن مبادئه؟
- هذا غير صحيح. لنتذكر أن 14 آذار هي فكرة أولا. والرئيس الحريري عمل على تكريس هذه الفكرة من خلال مبادرته. فهو يملك شجاعة الإقدام على التسوية. هو لم يرشح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، ثم العماد ميشال عون، ليكون داعمًا للسياسة الإيرانية، إنما من أجل السعي إلى قيام دولة. ولأن مشروع 14 آذار هو قيام الدولة، فإن انتخاب رئيس، أيا كان، يحد من الفوضى ويمنع التخريب ويوقف سياسات الانقسام بين اللبنانيين. هكذا، فإذا كانت فكرة 14 آذار هي قيام الدولة، فقد جاء انتخاب عون جزءا من قيام الدولة، وهذا ما لا تريده السياسات الإيرانية لا في لبنان ولا في الدول العربية الأخرى رغم كل التصريحات اللاحقة لانتخاب الرئيس.
* شهدنا ترحيبًا بخطاب القسم الذي وصفه الجميع بالإيجابي فهل سيستطيع عون لعب دور الرئيس الجامع؟ خصوصًا أنه الحليف لـ«حزب الله» الذي دخل في الصراع المذهبي في سوريا والعراق واليمن؟
- كما قلت سابقًا لا يُفتى والجنرال عون في الرابية، أقول اليوم، لا يُفتى والرئيس عون في بعبدا. وهذا ليس من باب الحماسة أو المحبة، بل لأن للجنرال تاريخا مخالفا للواقع الحالي، وهناك جانب مسكوت عنه في تاريخه السياسي وفي شخصيته الحقيقية. علينا ألا ننسى أنه كان أحد أبرز المقاتلين في سبيل استقلال لبنان من الوصاية السورية. أهم ميزة في الرئيس عون أنه أتى إلى الرئاسة وزعامته المسيحية معه، وبالتالي لن يكون كما الرؤساء السابقين الذين سعوا لاكتساب شعبية مسيحية خلال وجودهم في السلطة. هو ليس في حاجة إلى اتخاذ مواقف شعبوية لزيادة شعبيته في الوسط المسيحي. والدليل الأبرز هو خطاب القسم، الذي تميز بثلاثة عناصر رئيسية، الأول التأكيد على الالتزام بقرارات جامعة الدول العربية، خصوصا في البند الثامن الذي ينص على عدم السماح لأي دولة عربية بالتدخل في شؤون أي دولة أخرى، والعنصر الثاني هو الالتزام بالقرارات الدولية، أما العنصر الثالث فهو الالتزام باتفاق الطائف، والدعوة إلى تنفيذه دون انتقائية. فلو أعلن أي رئيس مسيحي آخر، لا يملك شعبية الرئيس عون، لو أعلن التزامه ب«الطائف»، لكان سيتلقى الكثير من الانتقادات، بينما عندما قالها عون تبناها الجميع وأثنوا عليها، كما لو أنها موقف المسيحيين، لكن في الحقيقة هذا القرار ليس موقفا مسيحيا شعبيا، بل هو موقف متوازن مسؤول يجتمع عليه اللبنانيون. فعون الذي اتهِمَ بأنه يسعى إلى الفيدرالية ويقف بوجه عروبة لبنان، إضافة إلى اتهامه بالسعي لإقامة نظام جديد بديل عن اتفاق الطائف، عند وصوله إلى موقع المسؤولية، كان خطابه مخالفًا لكل الاتهامات السابقة. وبدا نقطة لقاء والتقاء لبنانية لجميع القوى. حتى معارضوه وصفوا خطاب القسم بأنه ممتاز.
* وماذا عن التزام الرئيس ميشال عون بورقة تفاهم مع «حزب الله»؟
- ورقة التفاهم هي التزام وقعه التيار الوطني الحر مع «حزب الله»، وليست ورقة تفاهم بين رئيس الجمهورية ميشال عون وبين «حزب الله». اليوم ميشال عون هو رئيس للجمهورية اللبنانية، وليس رئيس حزب. وبالتالي دوره أن يسعى للجمع بين اللبنانيين وليس التفريق بينهم. وعلينا أن نفرق من اليوم وصاعدا بين الجنرال ميشال عون، وبين الرئيس ميشال عون.
* سمير جعجع صرح أكثر من مرة بأن الاستحقاق الرئاسي وللمرة الأولى هو لبناني، في حين شهدنا حراكا دوليا وإقليميا للرئيس سعد الحريري قبل إعلانه تأييد ترشيح عون للرئاسة، فهل للدول الإقليمية والدولية دور في إنهاء الفراغ الرئاسي؟
- حراك الرئيس الحريري كان لتسويق فكرة انتخاب عون، والحصول على ضمانات بألا يُترك لبنان وحيدًا إن تم انتخابه. وقد لاقى الحريري تجاوبًا كبيرًا في فرنسا وروسيا، مع وعود في المجالين الاقتصادي والسياسي بالحشد لدعم دولي. وبالطبع السعودية جزء من هذا الدعم، تمثل ذلك في اتصال أجراه خادم الحرمين الشريفين، جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز، لتهنئة الرئيس عون. وقبلها زيارة الوزير السبهان قبيل الانتخابات بيومين. وهو دليل قبول بما اتفقت عليه الأحزاب الرئيسية في لبنان؛ لأن السعودية حريصة دومًا على استقرار لبنان وسلامته. وأتوقع أن تشهد العلاقة اللبنانية – السعودية تطورًا كبيرًا؛ فالجميع باتوا مدعوين إلى تشجيع الرئيس عون لتطبيق ما جاء في خطاب القسم. أما الفرنسيون فقد وعدوا بأن يعملوا على مؤتمر «باريس – 4» لدعم لبنان، خلال أشهر قليلة.
* في العام الأخير شهدنا توترا للعلاقات بين لبنان ودول الخليج، وذلك بعد سلسلة مواقف اتخذها الوزير جبران باسيل في جامعة الدول العربية، فهل وصول عون إلى الرئاسة سيرمم هذه العلاقات، أم أن ورقة التفاهم مع «حزب الله» هي التي ستدير علاقات لبنان مع الخارج؟
- أفضل عدم العودة إلى الوراء.. موقف باسيل جاء حينها في ظل فراغ رئاسي، وخلاف حاد داخل الحكومة حول موقفه، وقد تصادمت معه بسبب كلامه في ذلك الوقت. أما اليوم، ومع وجود رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة، هما سيكونان ضابطين لإيقاع السياسة الخارجية التي ينتهجها لبنان كدولة. وهي لا يمكن أن تكون من خارج نص خطاب القسم، وهو ملزم للرئيس. وعمليا الرئيس عون أجاب على سؤالكِ في البند الذي تحدث عن حياد لبنان، والتزامه بـ«الطائف» وعدم التدخل في شؤون الدول العربية الأخرى. هذه هي سياسة لبنان الخارجية في العهد الجديد.
* الخارجية الأميركية رحبت بإنهاء الفراغ الرئاسي بحذر، وذكرت بقراراتها ضد «حزب الله» كمنظمة إرهابية، واضعة العهد الجديد في فترة امتحان للحكم عليه، فهل سينجح هذا العهد بالحفاظ على علاقات لبنان بالمجتمع الدولي؟
- موقف الخارجية الأميركية من انتخاب الرئيس عون لا أرى فيه أي جديد أو غير تقليدي. الاستثناء الوحيد هو الترحيب، رغم كل الاتهامات التي وجهت إلى الرئيس عون. فالدبلوماسية الأميركية تعرف أن الرئيس عون هو غير الجنرال عون، والدليل مرة أخرى خطابه. أما التذكير بموقفها تجاه «حزب الله» كمنظمة إرهابية فهو تذكير تقليدي في السياسة الخارجية الأميركية. ولبنان لا يستطيع أن يوافق المجتمع الدولي على اتهام مجموعة لبنانية كاملة، لها فريق سياسي لبناني كامل، ومنتخب، كمنظمة إرهابية.
* تحدث الرئيس الحريري في خطابه عن ضمانات واتفاق لتحييد لبنان عن الأزمات الإقليمية، وخصوصًا السورية، فكيف سيترجم هذا التحييد، خصوصًا أننا شهدنا اتصال تهنئة من رئيس النظام السوري إلى الرئيس عون؟
- الحرب السورية أحرقت كل القوى الدولية التي دخلت فيها، من إيران وروسيا وأميركا و«حزب الله». فور دخولهم البازار السوري تعرضوا لحسومات فورية على أحجامهم وأدوارهم. لا يوجد قوة بقيت على حجمها. أو تأثيرها. وحياد لبنان اختصره الرئيس الحريري بقوله إنه عندما يقرر الشعب السوري شكل نظامه، حينها سنتعامل معه. أما اتصال التهنئة الذي تلقاه الرئيس عون من الرئيس (النظام) السوري السابق بشار الأسد، فهو بروتوكولي لا يؤسس لأي علاقة في المستقبل، ولا لأي تطور دراماتيكي لصالح النظام السوري في لبنان. هذا لن يحصل لأنه موضع خلاف شديد وحاد بين اللبنانيين، ورئيس الجمهورية مهمته وطبيعته، وما أعلن عنه، هو أنه سيعمل وفق سياسة يتفق عليها اللبنانيون. ولنكن صادقين وواعين أن تحييد لبنان ليس قرارًا داخليًا وحسب. فهذا «النعيم» الذي نعيش فيه اليوم سببه قرار كل القوى الدولية بحفظ لبنان وتحييده.
* هناك أشياء كثيرة في لبنان تؤثر في استقراره مثل اللاجئين كيف سيمكن تجاوزها؟
- جزء كبير من الاستقرار اللبناني سببه وجود النازحين السوريين فيه. فالمجتمع الدولي يعمل على إبعاد هذا الكأس المر عنه، وتعرض لبنان لأي انهيارات كبيرة سيدفع النازحين إلى الهجرة ولو عن طريق البحر. وشهدنا حالات كثيرة من الهجرة غير الشرعية إلى الدول الغربية. ولأن المجتمع الدولي حريص على عدم وصول أي نازح جديد إلى الغرب؛ لذلك يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في لبنان والأردن، وتركيا. من جهة أخرى، فإن إيران حريصة هي أيضًا على حياد لبنان واستقراره؛ لأنه أرض إمداد وقاعدة لوجيستية للحرب الإيرانية في سوريا، وهو الطريق البري الوحيد المفتوح باتجاه سوريا، كي تستمر في أعمالها العدوانية عبر «حزب الله» ضد الشعوب العربية. لكن على الرغم من أن الحفاظ على استقرار لبنان ينطلق من قواعد سلبية، فإن نتائجه إيجابية على لبنان عامة وعلى اللبنانيين.
* هل عادت العلاقة بين الرئيس بري وحركة أمل إلى سابقاتها، بعد التوتر الذي أصابها بسبب ترشيح الاتفاق بين عون والحريري؟
- على الصعيد الشخصي، عادت الأمور إلى سابق عهدها، والدليل أن بري سمى الحريري في الاستشارات النيابية. أكرر هنا: نحن لا نتخلى عن الرئيس بري. وما فيه من لبنانية وعروبة ليستا موضع نقاش أو انقسام، وبالتالي خيارنا هو التفاهم معه بشكل دائم، أما المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة فهي مفاوضات عادية وتقليدية، وهي حرب حقائب، وليست حرب مبادئ، لكن هناك قوة اندفاع نحو تشكيل حكومة بسرعة، وأظن أنها ستتشكل في غضون أسابيع قليلة.
وأنا هنا أتفهم موقف بري الذي استاء من حصول الاتفاق بين عون والحريري من دون علمه.. فلو كانت المفاوضات علنية حينها لكانت تحولت إلى اشتباك. فدخول عشرات القوى السياسية إليها لكانت ستحولها إلى حرب داحس والغبراء، والرئيس بري أخذ وقته لكي يثق ويصدق بأن قواعد الاتفاق ليست تفصيلية ولا وزارية ولا وظائفية، بل هي اتفاق عريض يتعلق بسلامة لبنان وتقدمه.
* ما تحديات العهد الجديد؟
- أهم تحديات العهد الجديد هي تنموية واقتصادية. فهناك امتحان كبير أمام العهد الجديد في مسألة الخدمات التي يحتاج إليها الناس، من كهرباء وطرقات ومعالجة أزمة النفايات التي باتت جزءًا من هوس اللبنانيين رغم حلها مرحليًا.
* قرارات تيار المستقبل تأتي دائمًا بعكس تطلعات قاعدته الشعبية، وشهدنا في الانتخابات البلدية تراجعا في طرابلس وبيروت، فما هي حسابات تيار المستقبل في اتخاذ قرارات تؤثر في شعبيته، خصوصًا مع اقتراب مود الانتخابات النيابية؟
- تراجع شعبية تيار المستقبل لم يكن من أسبابه المبادرات التي أطلقها الرئيس الحريري، بل الأصح أن سببها الأساسي كان غياب الرئيس الحريري لسنوات عن لبنان. ما ترك إحساسًا لدى مناصري تيار المستقبل بأنهم متروكون في غرفة الانتظار، لا هم مقبلون على تسوية، ولا هم ذاهبون على مواجهة.
ما حدث الآن بات واضحًا: نحن مقبلون على تسوية، والثابت أن التسوية تحتاج إلى شجاعة أكبر من المواجهة؛ لأن المواجهة لا تستلزم أكثر من التعبئة الشعبوية بالكلام الكبير، بينما التسوية تحتاج إلى حديث يومي وإقناع يومي ونقاش يومي، لكي يتقبلها الناس. وقد رأينا يوم إعلان تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة كيف شهدنا احتفالات عمت المناطق المناصرة لتيار المستقبل. إذا هناك رابط عاطفي وود كبير وواضح بين الرئيس الحريري وبين مناصريه، ولديه شعبية حقيقية. ولو اختلف معه كثيرون في السياسة الود يبقى قائمًا. والطائفة السنية في لبنان بشكل عام هي من أهل الدولة، وخيار أهلها الدائم هو الدولة، وعندما تلوح لهم الدولة في أي مكان ما تراهم يلجأون إليها ويركضون نحوها، بأخطائها وسلبياتها، وهذا ثابت في تاريخ لبنان.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.