حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية

رشيد كرامي الأطول رئاسة.. وجنرالان مارونيان خرقا الرئاسات السنّية

حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية
TT

حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية

حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية

تشبه ورشة العمل التي بدأها في لبنان رئيس الحكومة المكلف، النائب سعد الحريري، لتشكيل حكومته الثانية، كثيرا من الورشات التي أدارها رؤساء حكومات سابقين انصرفوا إلى توزيع الحصص والحقائب الوزارية على أساس المذهب أولا والانتماء السياسي والحزبي ثانيا. وقد تكون مهمة الحريري هي الأصعب منذ سنوات لتهافت القوى السياسية اللبنانية للمشاركة بالحكم قبل أشهر من موعد الانتخابات النيابية المقبلة، وتعاطي هذه القوى مع الوزارات كوسيلة لاستقطاب الجماهير من خلال تأمين بعض الخدمات وقبض ثمنها أصواتا انتخابية في صناديق الاقتراع في مايو (أيار) المقبل.
ويزيد مهمة الرئيس الشاب المكلّف صعوبة، تفكك كتلتي قوى 8 و14 آذار وانفراط عقد التحالفات التي قامت بعد عام 2005 على خلفية اغتيال أبيه رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، باعتبار أنّه لم يعد يستطع أن يقسّم الوزارات من ناحية الاصطفافات السياسية بل بات مجبرا على التعاطي مع كل حزب أو تيار على أنّه فريق سياسي بحد ذاته.
تُعتبر حكومة سعد الحريري التي من المفترض أن تبصر النور قريبًا الحكومة الرقم 74 منذ استقلال لبنان في عام 1943، والرقم 7 منذ عام 2005. وهي على الأرجح ستكون حكومة «وحدة وطنية»، أي أنها ستضم كل القوى السياسية، تماما كما كانت حكومته السابقة التي شكلها في عام 2009 إبان عهد رئيس الجمهورية السابق، العماد ميشال سليمان، وضمت 30 وزيرا. ولقد قدم الحريري تشكيلتين حكوميتين لرئيس الجمهورية في حينها، فلم تنل الأولى رضا قوى المعارضة، بينما نالت الثانية ثقة 122 نائبا من أصل 128. ولكن، في عام 2011 أسقط ما يسمى «حزب الله» وحلفاؤه، وأبرزهم «التيار الوطني الحر»، تلك الحكومة من خلال سحب ثلث أعضائها على خلفية خلاف حول المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.

حكومات أكثرية ووحدة وطنية
هذا، ولم يلق الطرح الذي تقدم به في وقت سابق رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، ووافقه فيه الوزير بطرس حرب، وحثّا من خلاله على تشكيل حكومة تضم الفريق الحاكم والأكثرية على أن تبقى المعارضة في الخارج ترحيبًا لدى باقي القوى السياسية وأبرزها رئيسا الجمهورية والحكومة اللذان يعتبران حكومة الوحدة كفيلة بإعطاء زخم للعهد الجديد.
ولطالما كانت الحكومات اللبنانية منذ عام 1992 وحتى عام 2004 حكومات تضم الأكثرية الحاكمة فقط، علما بأن الرئيس الراحل رفيق الحريري ترأس معظمها. وفي هذا السياق، يقول الوزير والقيادي الكتائبي السابق كريم بقرادوني، الذي واكب تلك المرحلة لـ«الشرق الأوسط» إنّه «لم يكن يتم تقديم استقالة أي حكومة حينها قبل الاتفاق على تشكيلة الحكومة الجديدة، حتى إنّها تحولت قاعدة لطالما اعتمدها الرئيس الحريري»، واستطرد: «وبعد اغتياله في عام 2005 باتت الحكومة تأخذ وقتا طويلا لتتشكل، فقد استمرت عملية تشكيل بعضها 9 و11 شهرا».. ثم أضاف: «حكومات الوحدة الوطنية لا يجب أن تكون قاعدة، فالديمقراطيات في العالم تعتمد هذا النوع من الحكومات في الحالات الطارئة والحرب، لأنّه خلاف ذلك، فالأكثرية يجب أن تحكم والمعارضة تُعارض». وهنا اعتبر بقرادوني تشكيل حكومة وحدة في الوقت الراهن «مبرّرا من منطلق أننا نخرج من أزمة، بينما تشهد المنطقة أزمات دموية وحروبا»، مرجحا ألا تستلزم عملية التشكيل وقتا طويلا فتنتهي كحد أقصى خلال شهر واحد.
ويؤيد خلدون الشريف، مستشار رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، أهمية أن تكون الحكومة التي سيشكلها الرئيس الحريري حكومة وحدة وطنية، معتبرا انتخاب العماد ميشال عون رئيسا، وتسمية النائب الحريري لرئاسة الحكومة «يستلزمان أن تكون الحكومة تضم الجميع لاستيعاب الاتفاق الذي تم، والهزة التي أحدثتها التسوية، وخاصة بعد كم التصادم بين الرئيسين الحريري وعون الذي طبع كل المرحلة الماضية». وتابع الشريف لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «انسحاب القرار الدولي الذي حصّن لبنان بالمرحلة الماضية على المرحلة الحالية ووجود حكومة فاعلة ورئيس للجمهورية قد يؤشران لانفراجات مقبلة على صعيد السياسة الداخلية، لكن في النهاية لبنان يبقى بلد الصعوبات والتناقضات والمناكفات، ولا شيء سهل بالمطلق فيه».

أرقام قياسية لرشيد كرامي
جدير بالذكر، أنه خاض غمار تجربة رئاسة الحكومة في تاريخ لبنان الحديث 25 شخصية سياسية، 23 منهم سنة، حسب العُرف المعتمد منذ الاستقلال العام 1943، في حين خرق جنرالان مارونيان هذه القاعدة عامي 1952 و1988.
رؤساء الحكومة الذين توالوا منذ عام 1943 هم: رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وسامي الصلح وسعدي المنلا وحسين العويني وعبد الله اليافي وناظم عكاري وصائب سلام وفؤاد شهاب وخالد شهاب ورشيد كرامي وأحمد الداعوق وأمين الحافظ وتقي الدين الصلح ونور الدين الرفاعي وشفيق الوزان وسليم الحص وميشال عون وعمر كرامي ورشيد الصلح ورفيق الحريري ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وسعد الحريري وتمام سلام.
ويُعتبر الرئيس رشيد كرامي، أصغر مَن تولى رئاسة الحكومة في تاريخ لبنان، إذ ترأس أول حكومة له في عام 1955 في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون، وكان في الـ34 من عمره. بينما يُعتبر الرئيس سعد الحريري ثاني أصغر رئيس حكومة للبنان.
كما أن كرامي - وهو ابن رئيس الوزراء عبد الحميد كرامي وشقيق رئيس الوزراء عمر كرامي - هو أكثر رئيس وزراء تشكيلاً وترؤسًا للحكومات في تاريخ لبنان، إذ ترأس 10 حكومات خلال ثلاثة عقود (بين 1955 و1984) يليه الرئيس عبد الله اليافي (شكّل 9 حكومات بين 1951 و1968).
ولا تقتصر «ميزات» رئاسة كرامي على كونه كان الأصغر وشكل العدد الأكبر من الحكومات، إذ يُعتبر أيضا صاحب الرقم القياسي في الفترة الزمنية التي أمضاها رئيسا للحكومة، وبلغت 141 شهرًا و20 يومًا، أي نحو 11 سنة و10 أشهر، في حين أمضى رفيق الحريري بين 1992 و2004 ما يقارب 10 سنوات وشهرين في سدة رئاسة الحكومة.
أما الجنرالان المارونيان اللذان توليا رئاسة الحكومة في لبنان فهما قائد الجيش فؤاد شهاب الذي ترأس حكومة انتقالية في نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري وتحديدًا بين 18 سبتمبر (أيلول) 1952 و30 منه وتخللها انتخاب كميل شمعون رئيسًا للبلاد في 23 سبتمبر. أما الجنرال الثاني الذي ترأس حكومة عسكرية فكان ميشال عون، رئيس الجمهورية الجديد، الذي عيّنه الرئيس أمين الجميّل في 22 سبتمبر 1988 بعدما تعذّر انتخاب خلَف له على رأس الجمهورية.

أقصر الحكومات عمرًا
وتُعتبر الحكومة التي شكّلها الرئيس عبد الله اليافي في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1968 في عهد الرئيس شارل الحلو هي أقصر حكومة في تاريخ لبنان، إذ إنها لم تعمّر إلا 8 أيام واستقالت في 20 أكتوبر من دون أن تمثل أمام مجلس النواب. وتليها الحكومة الانتقالية التي شكلّها فؤاد شهاب في نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري واستمرت 12 يومًا (بين 18 و30 سبتمبر 1952) ولم تمثل بدورها أمام البرلمان.
أما العمر الأطول لحكومة في تاريخ لبنان، فكان 37 شهرًا، وسجّله الرئيس رشيد كرامي في الوزارة التي ألفها في 30 أبريل (نيسان) 1984 وبقي على رأسها حتى تاريخ اغتياله في الأول من يونيو (حزيران) 1987. وللعلم، فإن الرئيس فؤاد السنيورة هو صاحب الرقم الثاني لأطول حكومة عمرًا، إذ استمرت لنحو 36 شهرًا بين 19 يوليو (تموز) 2005 و11 يوليو 2008، في حين أن أطول عمر لحكومة ترأسها الرئيس رفيق الحريري هو 31 شهرًا بين 31 أكتوبر 1992 و25 مايو 1995.

قضوا اغتيالاً
وللمفارقة، فإن ثلاثة من رؤساء الحكومة في لبنان قضوا اغتيالاً، هم: «رجل الاستقلال» رياض الصلح، الذي اغتيل يوم 16 يوليو عام 1951 في العاصمة الأردنية عمّان بإطلاق النار على سيارته بعد نحو 5 أشهر على مغادرته سدة رئاسة الحكومة. ورشيد كرامي الذي اغتيل في الأول من يونيو 1987 بتفجير عبوة ناسفة تحت مقعده في هليكوبتر عسكرية تابعة للجيش اللبناني، وكان حينها على رأس الحكومة. ثم رفيق الحريري الذي اغتيل في 14 فبراير (شباط) 2005 بتفجير ضخم استهدف موكبه عند الواجهة البحرية لبيروت، بعد نحو أربعة أشهر على تنحيه عن رئاسة الحكومة.

محطات بارزة
أبرز المحطات التي طبعت عملية تشكيل الحكومات منذ العام 1990 وحتى يومنا هذا، تمثلت بتشكيل عمر كرامي حكومته في أواخر عام 1990، وكان عنوانها «الوفاق الوطني» الذي لم يتحقق بالكامل، فقد ضم كرامي إلى حكومته سليمان فرنجية، أبرز حلفاء سوريا، وسمير جعجع قائد «القوات اللبنانية» التي كانت خاضت حربًا ضد عون، بالإضافة إلى الوزيرين نبيه برّي ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة. غير أن جعجع لم يحضر أي جلسة للحكومة، ثم استقال منها بعد نحو 3 أشهر ونيف فعين روجيه ديب ممثلاً له فيها. ثم سقطت حكومة عمر كرامي تحت وطأة اضطرابات شعبية وضغوط غير شعبية في 6 مايو 1992 بسبب الأوضاع الاقتصادية وانهيار الليرة اللبنانية، إذ بلغ سعر صرف الدولار آنذاك نحو 3000 ليرة (حاليًا نحو 1500).
وفي 26 مايو شكّل الرئيس رشيد الصلح حكومة لم تعمّر طويلاً أشرفت على الانتخابات النيابية، ومهدت لوصول رفيق الحريري إلى الحكم لأول مرة. ولقد استقال جعجع من هذه الحكومة أيضا.
وضم الرئيس الحريري إلى حكومته الأولى ذراعه اليمنى، فؤاد السنيورة، بينما بقيت فيها رموز التحالف السابق المؤلف من برّي (عبر وزراء ممثلين له بعد انتخابه رئيسًا للبرلمان) وجنبلاط وفرنجية وحبيقة. وفي عام 1995، شكّل الحريري حكومته الثانية بعدما قدم استقالة الحكومة الأولى عقب تمديد ولاية الرئيس إلياس الهراوي في أكتوبر من العام نفسه. وفي عام 1996 عاد الحريري إلى الحكومة بعد الانتخابات النيابية التي دخل فيها إلى البرلمان للمرة الأولى نائبا عن بيروت.
وفي عام 1998 خرج الرئيس الحريري من الحكم مع انتخاب إميل لحود رئيسًا للجمهورية، بعد أزمة الاستشارات النيابية، إذ احتج الحريري على تفويض بعض النواب رئيس الجمهورية تسمية رئيس الحكومة رغم أنه تم اختياره من غالبية النواب، فأعيدت الاستشارات وسُمي الرئيس سليم الحص من قبل الغالبية النيابية. وضمت هذه الحكومة يومذاك أسماء جديدة مثل وزير المال، جورج قرم، ووزراء آخرين من مؤسسات الرقابة كرئيس التفتيش المركزي، فوزي حبيش. كما خلت من أسماء أخرى كالسنيورة وجنبلاط الذي لم يشارك رغم أنه تمثل فيها بوزراء قريبين منه. وخاض لحود والحريري مواجهة حادة في بداية هذا العهد فأحيل كثير من رموز الحريري للمحاكمة. ولكن الحملة الإعلامية التي شنّت على الحريري جاءت بمفعول عكسي إذ ساعدته على اكتساح مقاعد بيروت النيابية كافة، وحقق انتصارات كبيرة في الشمال والبقاع وجبل لبنان في حملته مجددًا لرئاسة الحكومة التي شكلها في نهاية عام 2000. وعاد فؤاد السنيورة إلى المالية ومعه الوزير باسل فليحان للاقتصاد. وبدا من خلال تلك الحكومة أن الحريري سيتولى ملف الاقتصاد، ولحود الملف السياسي في البلاد. وبعد حرب العراق عام 2003، شكل الحريري حكومته الثانية في عهد لحود والخامسة له، وضم فيها إلياس المر، وزيرا للداخلية، بدلاً من والده نائب رئيس الحكومة ميشال المر.

تغييب التكنوقراط
وعلى الرغم من أن «حكومات التكنوقراط» ظلّت الحاضر الأبرز في كل النقاشات عشية تشكيل معظم الحكومات بعد «اتفاق الطائف»، فإنه لم يجر اعتمادها طوال السنوات الماضية. وترد نهلة الشهال، الباحثة في علم الاجتماع السياسي، هذا الأمر إلى النظام السياسي القائم على المحاصصة، لافتة إلى أن «هذا النظام بالمرحلة الراهنة بحالة من العراء الكامل ما يزيد الطابع الفاقع للمحاصصة». وتشير الشهال في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحة إلى أن «القادة الذين يسيطرون حاليا على السلطة يعتبرون أن الشكل الذي تتخذه الحكومات الحالية هو الأفضل برأيهم، ويتعاطون مع من ينادون بحكومات تكنوقراط أو غيرها على أنهم أقلية أو غريبي الأطوار». وأردفت: «لا يمكن القول إن الطبقة السياسية نجحت في استنهاض صفوفها وإعادة إحياء النظام الطائفي لسنوات وسنوات، فالتسوية التي أدت لانتخاب رئيس للبلاد لا يمكن أن تخفي ملامح النظام اللبناني المأزوم.. وخاصة أنّها صفقة غير مقنعة».
على صعيد آخر، شكّل البيان الوزاري للحكومات التي تشكلت بعد عام 2005، تحديًا كبيرًا في ظل إصرار ما يسمى «حزب الله» على تشريع حالته ووجوده وإصراره على إيراد عبارة «حق الشعب والجيش والمقاومة بالتصدي للاحتلال الإسرائيلي». ففي حكومة سعد الحريري التي تشكلت عام 2009 تم الاتفاق على تأكيد «حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته، في تحرير مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، واسترجاعها، والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه، وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة»، وهي الصيغة التي تبنتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في عام 2011.
وبعد سجال طويل، توصلت حكومة الرئيس تمام سلام لصيغة جديدة قالت فيها إنه «استنادا إلى مسؤولية الدولة ودورها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة أبنائه، تؤكد الحكومة واجب الدولة وسعيها لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتى الوسائل المشروعة. مع تأكيد حق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة». وحاليًا، يُرجح المعنيون أن تعتمد الحكومة التي سيشكلها الرئيس سعد الحريري الصيغة نفسها أو ما ورد في خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون وقال فيه: «أما في الصراع مع إسرائيل، فإننا لن نألو جهدًا ولن نوفر مقاومة، في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانية محتلّة، وحماية وطننا من عدوٍّ لما يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.