حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية

رشيد كرامي الأطول رئاسة.. وجنرالان مارونيان خرقا الرئاسات السنّية

حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية
TT

حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية

حكومات لبنان: محاصصات مذهبية وسياسية وحزبية

تشبه ورشة العمل التي بدأها في لبنان رئيس الحكومة المكلف، النائب سعد الحريري، لتشكيل حكومته الثانية، كثيرا من الورشات التي أدارها رؤساء حكومات سابقين انصرفوا إلى توزيع الحصص والحقائب الوزارية على أساس المذهب أولا والانتماء السياسي والحزبي ثانيا. وقد تكون مهمة الحريري هي الأصعب منذ سنوات لتهافت القوى السياسية اللبنانية للمشاركة بالحكم قبل أشهر من موعد الانتخابات النيابية المقبلة، وتعاطي هذه القوى مع الوزارات كوسيلة لاستقطاب الجماهير من خلال تأمين بعض الخدمات وقبض ثمنها أصواتا انتخابية في صناديق الاقتراع في مايو (أيار) المقبل.
ويزيد مهمة الرئيس الشاب المكلّف صعوبة، تفكك كتلتي قوى 8 و14 آذار وانفراط عقد التحالفات التي قامت بعد عام 2005 على خلفية اغتيال أبيه رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، باعتبار أنّه لم يعد يستطع أن يقسّم الوزارات من ناحية الاصطفافات السياسية بل بات مجبرا على التعاطي مع كل حزب أو تيار على أنّه فريق سياسي بحد ذاته.
تُعتبر حكومة سعد الحريري التي من المفترض أن تبصر النور قريبًا الحكومة الرقم 74 منذ استقلال لبنان في عام 1943، والرقم 7 منذ عام 2005. وهي على الأرجح ستكون حكومة «وحدة وطنية»، أي أنها ستضم كل القوى السياسية، تماما كما كانت حكومته السابقة التي شكلها في عام 2009 إبان عهد رئيس الجمهورية السابق، العماد ميشال سليمان، وضمت 30 وزيرا. ولقد قدم الحريري تشكيلتين حكوميتين لرئيس الجمهورية في حينها، فلم تنل الأولى رضا قوى المعارضة، بينما نالت الثانية ثقة 122 نائبا من أصل 128. ولكن، في عام 2011 أسقط ما يسمى «حزب الله» وحلفاؤه، وأبرزهم «التيار الوطني الحر»، تلك الحكومة من خلال سحب ثلث أعضائها على خلفية خلاف حول المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.

حكومات أكثرية ووحدة وطنية
هذا، ولم يلق الطرح الذي تقدم به في وقت سابق رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، ووافقه فيه الوزير بطرس حرب، وحثّا من خلاله على تشكيل حكومة تضم الفريق الحاكم والأكثرية على أن تبقى المعارضة في الخارج ترحيبًا لدى باقي القوى السياسية وأبرزها رئيسا الجمهورية والحكومة اللذان يعتبران حكومة الوحدة كفيلة بإعطاء زخم للعهد الجديد.
ولطالما كانت الحكومات اللبنانية منذ عام 1992 وحتى عام 2004 حكومات تضم الأكثرية الحاكمة فقط، علما بأن الرئيس الراحل رفيق الحريري ترأس معظمها. وفي هذا السياق، يقول الوزير والقيادي الكتائبي السابق كريم بقرادوني، الذي واكب تلك المرحلة لـ«الشرق الأوسط» إنّه «لم يكن يتم تقديم استقالة أي حكومة حينها قبل الاتفاق على تشكيلة الحكومة الجديدة، حتى إنّها تحولت قاعدة لطالما اعتمدها الرئيس الحريري»، واستطرد: «وبعد اغتياله في عام 2005 باتت الحكومة تأخذ وقتا طويلا لتتشكل، فقد استمرت عملية تشكيل بعضها 9 و11 شهرا».. ثم أضاف: «حكومات الوحدة الوطنية لا يجب أن تكون قاعدة، فالديمقراطيات في العالم تعتمد هذا النوع من الحكومات في الحالات الطارئة والحرب، لأنّه خلاف ذلك، فالأكثرية يجب أن تحكم والمعارضة تُعارض». وهنا اعتبر بقرادوني تشكيل حكومة وحدة في الوقت الراهن «مبرّرا من منطلق أننا نخرج من أزمة، بينما تشهد المنطقة أزمات دموية وحروبا»، مرجحا ألا تستلزم عملية التشكيل وقتا طويلا فتنتهي كحد أقصى خلال شهر واحد.
ويؤيد خلدون الشريف، مستشار رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، أهمية أن تكون الحكومة التي سيشكلها الرئيس الحريري حكومة وحدة وطنية، معتبرا انتخاب العماد ميشال عون رئيسا، وتسمية النائب الحريري لرئاسة الحكومة «يستلزمان أن تكون الحكومة تضم الجميع لاستيعاب الاتفاق الذي تم، والهزة التي أحدثتها التسوية، وخاصة بعد كم التصادم بين الرئيسين الحريري وعون الذي طبع كل المرحلة الماضية». وتابع الشريف لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «انسحاب القرار الدولي الذي حصّن لبنان بالمرحلة الماضية على المرحلة الحالية ووجود حكومة فاعلة ورئيس للجمهورية قد يؤشران لانفراجات مقبلة على صعيد السياسة الداخلية، لكن في النهاية لبنان يبقى بلد الصعوبات والتناقضات والمناكفات، ولا شيء سهل بالمطلق فيه».

أرقام قياسية لرشيد كرامي
جدير بالذكر، أنه خاض غمار تجربة رئاسة الحكومة في تاريخ لبنان الحديث 25 شخصية سياسية، 23 منهم سنة، حسب العُرف المعتمد منذ الاستقلال العام 1943، في حين خرق جنرالان مارونيان هذه القاعدة عامي 1952 و1988.
رؤساء الحكومة الذين توالوا منذ عام 1943 هم: رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وسامي الصلح وسعدي المنلا وحسين العويني وعبد الله اليافي وناظم عكاري وصائب سلام وفؤاد شهاب وخالد شهاب ورشيد كرامي وأحمد الداعوق وأمين الحافظ وتقي الدين الصلح ونور الدين الرفاعي وشفيق الوزان وسليم الحص وميشال عون وعمر كرامي ورشيد الصلح ورفيق الحريري ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وسعد الحريري وتمام سلام.
ويُعتبر الرئيس رشيد كرامي، أصغر مَن تولى رئاسة الحكومة في تاريخ لبنان، إذ ترأس أول حكومة له في عام 1955 في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون، وكان في الـ34 من عمره. بينما يُعتبر الرئيس سعد الحريري ثاني أصغر رئيس حكومة للبنان.
كما أن كرامي - وهو ابن رئيس الوزراء عبد الحميد كرامي وشقيق رئيس الوزراء عمر كرامي - هو أكثر رئيس وزراء تشكيلاً وترؤسًا للحكومات في تاريخ لبنان، إذ ترأس 10 حكومات خلال ثلاثة عقود (بين 1955 و1984) يليه الرئيس عبد الله اليافي (شكّل 9 حكومات بين 1951 و1968).
ولا تقتصر «ميزات» رئاسة كرامي على كونه كان الأصغر وشكل العدد الأكبر من الحكومات، إذ يُعتبر أيضا صاحب الرقم القياسي في الفترة الزمنية التي أمضاها رئيسا للحكومة، وبلغت 141 شهرًا و20 يومًا، أي نحو 11 سنة و10 أشهر، في حين أمضى رفيق الحريري بين 1992 و2004 ما يقارب 10 سنوات وشهرين في سدة رئاسة الحكومة.
أما الجنرالان المارونيان اللذان توليا رئاسة الحكومة في لبنان فهما قائد الجيش فؤاد شهاب الذي ترأس حكومة انتقالية في نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري وتحديدًا بين 18 سبتمبر (أيلول) 1952 و30 منه وتخللها انتخاب كميل شمعون رئيسًا للبلاد في 23 سبتمبر. أما الجنرال الثاني الذي ترأس حكومة عسكرية فكان ميشال عون، رئيس الجمهورية الجديد، الذي عيّنه الرئيس أمين الجميّل في 22 سبتمبر 1988 بعدما تعذّر انتخاب خلَف له على رأس الجمهورية.

أقصر الحكومات عمرًا
وتُعتبر الحكومة التي شكّلها الرئيس عبد الله اليافي في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1968 في عهد الرئيس شارل الحلو هي أقصر حكومة في تاريخ لبنان، إذ إنها لم تعمّر إلا 8 أيام واستقالت في 20 أكتوبر من دون أن تمثل أمام مجلس النواب. وتليها الحكومة الانتقالية التي شكلّها فؤاد شهاب في نهاية عهد الرئيس بشارة الخوري واستمرت 12 يومًا (بين 18 و30 سبتمبر 1952) ولم تمثل بدورها أمام البرلمان.
أما العمر الأطول لحكومة في تاريخ لبنان، فكان 37 شهرًا، وسجّله الرئيس رشيد كرامي في الوزارة التي ألفها في 30 أبريل (نيسان) 1984 وبقي على رأسها حتى تاريخ اغتياله في الأول من يونيو (حزيران) 1987. وللعلم، فإن الرئيس فؤاد السنيورة هو صاحب الرقم الثاني لأطول حكومة عمرًا، إذ استمرت لنحو 36 شهرًا بين 19 يوليو (تموز) 2005 و11 يوليو 2008، في حين أن أطول عمر لحكومة ترأسها الرئيس رفيق الحريري هو 31 شهرًا بين 31 أكتوبر 1992 و25 مايو 1995.

قضوا اغتيالاً
وللمفارقة، فإن ثلاثة من رؤساء الحكومة في لبنان قضوا اغتيالاً، هم: «رجل الاستقلال» رياض الصلح، الذي اغتيل يوم 16 يوليو عام 1951 في العاصمة الأردنية عمّان بإطلاق النار على سيارته بعد نحو 5 أشهر على مغادرته سدة رئاسة الحكومة. ورشيد كرامي الذي اغتيل في الأول من يونيو 1987 بتفجير عبوة ناسفة تحت مقعده في هليكوبتر عسكرية تابعة للجيش اللبناني، وكان حينها على رأس الحكومة. ثم رفيق الحريري الذي اغتيل في 14 فبراير (شباط) 2005 بتفجير ضخم استهدف موكبه عند الواجهة البحرية لبيروت، بعد نحو أربعة أشهر على تنحيه عن رئاسة الحكومة.

محطات بارزة
أبرز المحطات التي طبعت عملية تشكيل الحكومات منذ العام 1990 وحتى يومنا هذا، تمثلت بتشكيل عمر كرامي حكومته في أواخر عام 1990، وكان عنوانها «الوفاق الوطني» الذي لم يتحقق بالكامل، فقد ضم كرامي إلى حكومته سليمان فرنجية، أبرز حلفاء سوريا، وسمير جعجع قائد «القوات اللبنانية» التي كانت خاضت حربًا ضد عون، بالإضافة إلى الوزيرين نبيه برّي ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة. غير أن جعجع لم يحضر أي جلسة للحكومة، ثم استقال منها بعد نحو 3 أشهر ونيف فعين روجيه ديب ممثلاً له فيها. ثم سقطت حكومة عمر كرامي تحت وطأة اضطرابات شعبية وضغوط غير شعبية في 6 مايو 1992 بسبب الأوضاع الاقتصادية وانهيار الليرة اللبنانية، إذ بلغ سعر صرف الدولار آنذاك نحو 3000 ليرة (حاليًا نحو 1500).
وفي 26 مايو شكّل الرئيس رشيد الصلح حكومة لم تعمّر طويلاً أشرفت على الانتخابات النيابية، ومهدت لوصول رفيق الحريري إلى الحكم لأول مرة. ولقد استقال جعجع من هذه الحكومة أيضا.
وضم الرئيس الحريري إلى حكومته الأولى ذراعه اليمنى، فؤاد السنيورة، بينما بقيت فيها رموز التحالف السابق المؤلف من برّي (عبر وزراء ممثلين له بعد انتخابه رئيسًا للبرلمان) وجنبلاط وفرنجية وحبيقة. وفي عام 1995، شكّل الحريري حكومته الثانية بعدما قدم استقالة الحكومة الأولى عقب تمديد ولاية الرئيس إلياس الهراوي في أكتوبر من العام نفسه. وفي عام 1996 عاد الحريري إلى الحكومة بعد الانتخابات النيابية التي دخل فيها إلى البرلمان للمرة الأولى نائبا عن بيروت.
وفي عام 1998 خرج الرئيس الحريري من الحكم مع انتخاب إميل لحود رئيسًا للجمهورية، بعد أزمة الاستشارات النيابية، إذ احتج الحريري على تفويض بعض النواب رئيس الجمهورية تسمية رئيس الحكومة رغم أنه تم اختياره من غالبية النواب، فأعيدت الاستشارات وسُمي الرئيس سليم الحص من قبل الغالبية النيابية. وضمت هذه الحكومة يومذاك أسماء جديدة مثل وزير المال، جورج قرم، ووزراء آخرين من مؤسسات الرقابة كرئيس التفتيش المركزي، فوزي حبيش. كما خلت من أسماء أخرى كالسنيورة وجنبلاط الذي لم يشارك رغم أنه تمثل فيها بوزراء قريبين منه. وخاض لحود والحريري مواجهة حادة في بداية هذا العهد فأحيل كثير من رموز الحريري للمحاكمة. ولكن الحملة الإعلامية التي شنّت على الحريري جاءت بمفعول عكسي إذ ساعدته على اكتساح مقاعد بيروت النيابية كافة، وحقق انتصارات كبيرة في الشمال والبقاع وجبل لبنان في حملته مجددًا لرئاسة الحكومة التي شكلها في نهاية عام 2000. وعاد فؤاد السنيورة إلى المالية ومعه الوزير باسل فليحان للاقتصاد. وبدا من خلال تلك الحكومة أن الحريري سيتولى ملف الاقتصاد، ولحود الملف السياسي في البلاد. وبعد حرب العراق عام 2003، شكل الحريري حكومته الثانية في عهد لحود والخامسة له، وضم فيها إلياس المر، وزيرا للداخلية، بدلاً من والده نائب رئيس الحكومة ميشال المر.

تغييب التكنوقراط
وعلى الرغم من أن «حكومات التكنوقراط» ظلّت الحاضر الأبرز في كل النقاشات عشية تشكيل معظم الحكومات بعد «اتفاق الطائف»، فإنه لم يجر اعتمادها طوال السنوات الماضية. وترد نهلة الشهال، الباحثة في علم الاجتماع السياسي، هذا الأمر إلى النظام السياسي القائم على المحاصصة، لافتة إلى أن «هذا النظام بالمرحلة الراهنة بحالة من العراء الكامل ما يزيد الطابع الفاقع للمحاصصة». وتشير الشهال في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحة إلى أن «القادة الذين يسيطرون حاليا على السلطة يعتبرون أن الشكل الذي تتخذه الحكومات الحالية هو الأفضل برأيهم، ويتعاطون مع من ينادون بحكومات تكنوقراط أو غيرها على أنهم أقلية أو غريبي الأطوار». وأردفت: «لا يمكن القول إن الطبقة السياسية نجحت في استنهاض صفوفها وإعادة إحياء النظام الطائفي لسنوات وسنوات، فالتسوية التي أدت لانتخاب رئيس للبلاد لا يمكن أن تخفي ملامح النظام اللبناني المأزوم.. وخاصة أنّها صفقة غير مقنعة».
على صعيد آخر، شكّل البيان الوزاري للحكومات التي تشكلت بعد عام 2005، تحديًا كبيرًا في ظل إصرار ما يسمى «حزب الله» على تشريع حالته ووجوده وإصراره على إيراد عبارة «حق الشعب والجيش والمقاومة بالتصدي للاحتلال الإسرائيلي». ففي حكومة سعد الحريري التي تشكلت عام 2009 تم الاتفاق على تأكيد «حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته، في تحرير مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، واسترجاعها، والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه، وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة»، وهي الصيغة التي تبنتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في عام 2011.
وبعد سجال طويل، توصلت حكومة الرئيس تمام سلام لصيغة جديدة قالت فيها إنه «استنادا إلى مسؤولية الدولة ودورها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة أبنائه، تؤكد الحكومة واجب الدولة وسعيها لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتى الوسائل المشروعة. مع تأكيد حق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة». وحاليًا، يُرجح المعنيون أن تعتمد الحكومة التي سيشكلها الرئيس سعد الحريري الصيغة نفسها أو ما ورد في خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون وقال فيه: «أما في الصراع مع إسرائيل، فإننا لن نألو جهدًا ولن نوفر مقاومة، في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانية محتلّة، وحماية وطننا من عدوٍّ لما يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية».



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.