عراقيل أمام انضمام الهند لمجموعة موردي المواد النووية

منافسة الباكستان لها.. وعدم انضوائها تحت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة الذرية

مظاهرات معادية لانتشار الأسلحة النووية في ألمانيا إذ طالبت 100 منظمة بمنع تزويد محطات نووية في بلجيكا بالوقود النووي (إ.ب.أ)
مظاهرات معادية لانتشار الأسلحة النووية في ألمانيا إذ طالبت 100 منظمة بمنع تزويد محطات نووية في بلجيكا بالوقود النووي (إ.ب.أ)
TT

عراقيل أمام انضمام الهند لمجموعة موردي المواد النووية

مظاهرات معادية لانتشار الأسلحة النووية في ألمانيا إذ طالبت 100 منظمة بمنع تزويد محطات نووية في بلجيكا بالوقود النووي (إ.ب.أ)
مظاهرات معادية لانتشار الأسلحة النووية في ألمانيا إذ طالبت 100 منظمة بمنع تزويد محطات نووية في بلجيكا بالوقود النووي (إ.ب.أ)

تحاول الهند جاهدة الانضمام للمجموعة الدولية لموردي المواد النووية، ولهذا فإنها ترغب في الحصول على تأييد نيوزيلندا، إحدى الدول المؤسسة للمجموعة التي أصبحت تضم 48 عضوا، والتي تأسست عام 1974 في رد فعل دولي على أول تجربة نووية هندية.
وترغب الهند في الانضمام إلى هذا النادي النووي، على الرغم من أنها ليست عضوا في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والتي تتطلب من الأعضاء تقديم التزامات كافية بشأن نزع السلاح النووي وعدم انتشاره. والهند في حاجة إلى تصويت بالإجماع من أجل الانضمام إلى المجموعة، ولقد تم حظر انضمامها من جانب بكين، والتي أشارت إلى ضرورة التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية باعتباره من أساسيات العضوية، وأنه لا يجب الالتفاف حول القواعد المؤسسة للمجموعة نزولا على رغبة الهند. ومن المرجح للمجموعة التي تتخذ قراراتها بتوافق الآراء، أن تعقد جلسة اجتماعية عامة أخرى قبل نهاية العام الحالي لبحث مساعي الهند الحثيثة في الأمر.
وتأمل الهند في أن يتمكن رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي من إقناع نظيره النيوزيلندي جون كي رئيس الوزراء، الذي زار دلهي قبل أيام، بتجاوز مخاوف بلاده بشأن الدول غير الأعضاء في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. ويعتبر انضمام الهند للمجموعة اختبارا فعليا لسياسة مودي الخارجية، ولقد أشارت المصادر الكثيرة أن الهدف الرئيسي من استضافة رئيس الوزراء النيوزيلندي هو التماس دعم وتأييد بلاده لتصبح الرقم 49 في المجموعة.
وصرح رئيس الوزراء النيوزيلندي إلى الصحافيين، في أعقاب انتهاء مباحثاته مع مودي، قائلا: «كانت لدينا محادثات مفصلة حول طلب الهند الانضمام لعضوية المجموعة الدولية لموردي المواد النووية».
وأردف: «أقر بأهمية انضمام الهند. كما ذكرت أيضا أن نيوزيلندا سوف تواصل الإسهام البناء في العملية الجارية لدى المجموعة بشأن عضوية»، وأضاف كي يقول: إن «نيوزيلندا ملتزمة بالعمل الدؤوب مع أعضاء المجموعة من أجل التوصل إلى قرار بأسرع وقت ممكن».
ومع ذلك، أشار المعلقون إلى أن نيوزيلندا يمكنها المساومة باتفاقية التجارة الحرة في مقابل دعم انضمام الهند إلى عضوية المجموعة. حيث كانت نيوزيلندا قد جعلت من الهند أول أهدافها فيما يتعلق باستراتيجية «المؤسسة النيوزيلندية»، بهدف شحن ما يساوي ملياري دولار من البضائع والسلع إلى الأسواق الهندية. ولم يتم الوصول إلى هذا المستوى بعد، حيث يبلغ مقدار تجارة البضائع والسلع إلى الهند حاليا 656 مليون دولار فقط.
تلك هي الزيارة الرسمية الثانية لرئيس وزراء نيوزيلندا إلى الهند. وكانت الزيارة الأولى قبل خمس سنوات، ومنذ ذلك الحين عقدت عشرات الجولات من المفاوضات لاتفاقية التجارة الحرة ولكنها باءت جميعها بالفشل.
تحمل حكومة مودي، التي تولت السلطة في البلاد في مايو (أيار) من عام 2014 عقيدة «صنع في الهند»، والتي تركز على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدلا من التجارة الحرة مع مختلف البلدان.
وتعتبر نيوزيلندا من أقوى الدول المؤيدة للحد من انتشار الأسلحة النووية، وكانت في طليعة التحركات الدولية الداعية لإحراز التقدم الملموس في مجال نزع الأسلحة النووية. كما أنها الدولة المؤسسة لتحالف الأجندة الجديدة، الذي يضم كل من البرازيل، ومصر، وآيرلندا، والمكسيك، وجنوب أفريقيا، والذي يدعو إلى عالم خال تماما من الأسلحة النووية. كما يوجد في نيوزيلندا حركة شعبية قوية تعمل ضد الأسلحة النووية تلك التي تأصلت جذورها في أعقاب التجارب النووية الأميركية، ثم الفرنسية، في منطقة جنوب المحيط الهادي.
وكانت صياغة رد الفعل النيوزيلندي مشابهة لبيان عدم الالتزام الذي صرح به الرئيس البرازيلي ميشال تامر، والذي أعرب عن تفهمه لموقف الهند خلال اللقاء الثنائي الذي جمعه برئيس الوزراء مودي خلال أعمال قمة البريكس التي عقدت في منتجع غوا الهندي في وقت سابق من العام الحالي. غير أنه لم يُشر علانية إلى تغيير كبير في الموقف الأسبق المتخذ.
ولكن على الرغم من الشكر الذي توجه به مودي إلى تامر على موقفه و«تفهمه» للطموحات الهندية، قال بعض المطلعين على مجريات الأمور أن الرئيس البرازيلي كان قد امتنع عن التصريح بأي التزام راسخ حيال الأمر. ولقد وقعت الهند في خطأ فادح إذ لم تتحالف مع البرازيل على نحو ما صنعت مع بلدان أخرى قبل انعقاد الجلسة العامة للمجموعة الدولية لموردي المواد النووية، مفترضة تواجد الدعم بدلا من ذلك.
واقتناعا منها بدعم وتأييد البرازيل لموقفها، وإثر التعثر الذي نالها بسبب الأزمة السياسية التي تشهدها البرازيل في ذلك الوقت، لم تتواصل نيودلهي مع إدارة الرئيس تامر عندما تقدمت بطلب الانضمام إلى عضوية المجموعة الدولية لموردي المواد النووية. وكان التواصل مع البرازيل من الخطوات المهمة، كما قال المسؤولون المطلعون على التاريخ النووي للبلاد، وذلك من أجل إقناعها وبصعوبة بالغة لقبول المبدأ الذي رفضته من قبل المجموعة الدولية لموردي المواد النووية عندما سعت لمناقشة إعفاء مماثل من قواعد العضوية.
وعلى غرار الهند، وصفت البرازيل ولعقود طويلة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بأنها معاهدة «تمييزية»، ورفضت التوقيع عليها. ولكن في عام 1998، وقعت البرازيل على المعاهدة على مضض بعد مفاوضات لا تختلف كثيرا عن تلك التي تجريها الهند في الوقت الراهن والتي فشلت في الحصول على التنازل المطلوب، ولقد قيل للبرازيل وبشكل لا لبس فيه إن التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية هو الطريق الوحيد لنيل عضوية المجموعة الدولية لموردي المواد النووية.
تقدمت الهند أيضا بطلب العضوية في المجموعة الدولية من خلال شريكين آخرين في دول مجموعة البريكس، وهما جنوب أفريقيا، والصين.
ولقد صرح مودي إلى جاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا أن الهند «تأمل في أن يواصل دعمه الحالي» للهند في طلبها لعضوية المجموعة. وكانت جنوب أفريقيا من الدول التي ساورتها الشكوك حول الطلب الهندي، ولكنها غيرت من موقفها على ما يبدو في أعقاب زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى بريتوريا في يوليو (تموز) الماضي.
أما الصين، والتي كانت تعتبر العقبة الرئيسية في طريق الهند، فلم تخرج برد إيجابي بعد، باستثناء عرض الرئيس شي جين بينغ بإجراء جولة ثانية من المحادثات رفيعة المستوى حول طلب عضوية الهند في المجموعة الدولية لموردي المواد النووية.
وكانت نيوزيلندا، والمكسيك، وسويسرا، وآيرلندا، والنمسا، من بين عدد قليل من الدول التي دعت إلى وضع معايير لقبول عضوية الدول التي لم توقع بعد على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. ومعظم هذه الدول لا تعارض انضمام الهند إلى المجموعة، ولكنها كانت تفضل إعادة صياغة شروط أو توجيهات العضوية في المجموعة. والهند ليست من الدول الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. في حين أن كل عضو من أعضاء المجموعة الدولية لموردي المواد النووية هو من الموقعين على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
وعلى الرغم من أن الهند قد وجهت اللوم إلى الصين بسبب إحباط طلب الهند للانضمام إلى عضوية المجموعة في الجلسة العامة السابقة في يونيو (حزيران) من عام 2016، فإن هذه الدول أيضا لعبت دورا مهما في ضمان عدم النظر في طلب عضوية الهند في الاجتماع السابق.
وكان طلب باكستان، المقدم في اللحظة الأخيرة، للانضمام إلى عضوية المجموعة الدولية، قد كان من بين الأسباب الإضافية وراء ذلك التحفظ. فلقد انتهى اجتماع الجلسة العامة للمجموعة في سيول باتفاق على عقد اجتماع خاص قبل نهاية العام الحالي. كما تقرر في الجلسة العامة أيضا بأن يقوم المبعوث الأرجنتيني، رافائيل غروسي، بإجراء مشاورات غير رسمية لبناء توافق الآراء بشأن معايير قبول الطلب الهندي.
ويتعين على الهند إيجاد وسيلة للتعامل مع تلك التحفظات التي أعرب عنها أعضاء المجموعة الدولية. وفي ظل الطلب الباكستاني للانضمام إلى المجموعة، والمدعوم من قبل الصين، فلن تكون مهمة الهند سهلة في إقناع الأعضاء بتغيير موقفهم الحالي.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».