معسكر بقاء بريطانيا مصمم على قلب نتيجة استفتاء يونيو

في أول انتصار تكتيكي ينجح في انتزاع قرار قضائي.. والحكومة تستأنف

مديرة الاستثمار جينا ميلر أمام المحكمة العليا في لندن أمس وهي واحدة من مجموعة أشخاص طالبت الحكومة قضائيًا باللجوء إلى البرلمان قبل تفعيل المادة «50» من اتفاقية لشبونة (إ.ب.أ)
مديرة الاستثمار جينا ميلر أمام المحكمة العليا في لندن أمس وهي واحدة من مجموعة أشخاص طالبت الحكومة قضائيًا باللجوء إلى البرلمان قبل تفعيل المادة «50» من اتفاقية لشبونة (إ.ب.أ)
TT

معسكر بقاء بريطانيا مصمم على قلب نتيجة استفتاء يونيو

مديرة الاستثمار جينا ميلر أمام المحكمة العليا في لندن أمس وهي واحدة من مجموعة أشخاص طالبت الحكومة قضائيًا باللجوء إلى البرلمان قبل تفعيل المادة «50» من اتفاقية لشبونة (إ.ب.أ)
مديرة الاستثمار جينا ميلر أمام المحكمة العليا في لندن أمس وهي واحدة من مجموعة أشخاص طالبت الحكومة قضائيًا باللجوء إلى البرلمان قبل تفعيل المادة «50» من اتفاقية لشبونة (إ.ب.أ)

أبدت الحكومة البريطانية خيبة أملها وقررت استئناف قرار المحكمة العليا الذي صدر أمس، والذي يطالبها باللجوء إلى البرلمان للتصويت على إجراءات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وهذا ما رفضته حكومة تيريزا ماي، التي رفعت شعار «بريكست يعني بريكست»، لطمأنة جمهور الناخبين بأنها تحترم إرادتهم، ولن تخضع للضغوطات السياسية التي تطالب بإجراء استفتاء آخر أو اللجوء إلى البرلمان من أجل قلب النتيجة. وارتفعت أصوات متنفذة مؤخرا تطالب باستفتاء آخر، كون الاستفتاء الأول ملزما أخلاقيا وديمقراطيا وليس قانونيا. وهذا ما ردده كثير من خبراء القانون، كما جاء على لسان كثير من أعضاء مجلس اللوردات.
وفي أمس قضت المحكمة العليا بلندن بأنه يتعين أن يصوت أعضاء مجلس العموم على تفعيل المادة «50» من اتفاقية لشبونة، أي بند آلية الخروج من التكتل الأوروبي، الذي قد يؤدي إلى إبطاء عملية الخروج، إذ يتمتع معسكر البقاء، الذي يقف ضد خروج بريطانيا، بأكثرية مطلقة داخل برلمان ويستمنستر، مجلسي العموم واللوردات. ومن مجموع 650 عضوا في مجلس العموم هناك أغلبية مطلقة تقف ضد نتيجة استفتاء 23 يونيو ، منهم نسبة كبيرة من حزب المحافظين الحاكم، وأغلبية مطلقة من حزبي العمال والديمقراطيين الأحرار، إضافة إلى الأحزاب الأخرى مثل الحزب الوطني الاسكوتلندي وغيرها.
وقال متحدث باسم الحكومة، في بيان، إن «الحكومة تبدي خيبة أملها لحكم المحكمة. البلد صوت لمغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء أيده البرلمان والحكومة مصممة على احترام نتيجة الاستفتاء. سنستأنف» الحكم. وكان النائب العام جيريمي رايت قال أيضًا، إن تصديق البرلمان ليس ضروريا بعد الاستفتاء.
ونتيجة قرار المحكمة قفز الجنيه الإسترليني لفترة وجيزة ليتخطي 24.‏1 دولار للمرة الأولى في أكثر من ثلاثة أسابيع أمس الخميس، بعدما أصدرت المحكمة حكمها.
وأكد مقدمو الطلب إلى المحكمة، وبعد أن ذكروا بالطابع «الاستشاري» للاستفتاء، في أن الخروج من الاتحاد الأوروبي دون استشارة البرلمان سيشكل انتهاكا للحقوق التي تضمنتها معاهدة الاتحاد الأوروبي لعام 1972 التي تدمج التشريع الأوروبي ضمن تشريع المملكة المتحدة.
وقال كبير القضاة في إنجلترا جون توماس: «ينص أهم بند أساسي بالدستور البريطاني على أن البرلمان له سيادة ويمكنه إقرار أو إلغاء أي قانون يختاره».
ولم يكشف توماس وقاضيان آخران عما يتعين على الحكومة فعله. ولم يعلنوا أيضا إن كانت الحكومة بحاجة لإقرار قانون جديد لبدء إجراءات الانفصال مما قد يواجه معارضة وتعديلات من مجلسي البرلمان. ونظريا يمكن للبرلمان البريطاني منع الانسحاب من الاتحاد جملة وتفصيلا.
لكن الحكم يجعل مهمة إخراج بريطانيا من التكتل الذي انضمت إليه قبل 43 عاما أكثر تعقيدا، كما يعرض المهلة التي أعلنتها ماي بحلول نهاية مارس (آذار) لتفعيل المادة «50» من معاهدة لشبونة للخطر، وهي خطوة مهمة لبدء عملية مغادرة الاتحاد.
وأعرب أحد مقدمي الطلب، غراهام بينيي، وهو واحد من عدد من الأشخاص تقدموا في يوليو (تموز) الماضي إلى المحكمة، مطالبين الحكومة بأن تعرض قرار الخروج على البرلمان، عن ارتياحه «لنصر للديمقراطية البرلمانية»، مبديا، في تصريحات أمام المحكمة العليا، أمله في «أن يقبل الجميع قرار المحكمة حتى يكون بإمكان البرلمان أن يتخذ قرارا بشأن بدء تفعيل الفصل 50». ودعا الحكومة إلى عدم استئناف القرار. وفي حالة تأكيد الحكم فمن الممكن أن يحصل البرلمان على نفوذ قوي للتأثير على الاستراتيجية التي ستتبناها الحكومة في المفاوضات.
وجينا ميلر، مديرة استثمار، من بين المجموعة التي تقدمت للمحكمة بدعوى قضائية تطالب بإشراك البرلمان في قرار بدء المفاوضات. ودفعت ميلر بأنه لا يجوز الالتفاف على البرلمان وتجاهله فيما يتعلق بقرار بعيد التأثير على بريطانيا مثل قرار الخروج من الاتحاد، في حين استند الجانب الآخر إلى تصويت الشعب البريطاني لصالح الخروج في استفتاء الصيف الماضي.
وقالت حكومة ماي، خلال جلسات في البرلمان، إن تفعيل المادة «50» من اتفاقية لشبونة هو من اختصاص الحكومة، وإنها مخولة للمفاوضات لمغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء أيده البرلمان، والحكومة مصممة على احترام نتيجة الاستفتاء. وعلى الفور أعلنت الحكومة البريطانية استئناف القرار أمام المحكمة الأعلى.
لكن قال قضاة المحكمة، أن «المحكمة لا تقبل ذريعة الحكومة» التي لم تر جدوى من تصويت البرلمان و«تقبل الحجة الرئيسية لمقدمي الطلب». ويتوقع أن يكون لقرار المحكمة العليا تأثير كبير على عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويرى معسكر الخروج أن هذه التكتيكات المتبعة هدفها تأجيل الخروج وإدخال الحكومة في دهاليز قانونية ودستورية من أجل إلغاء النتيجة في نهاية المطاف.
وفي حكم مخالف رفضت المحكمة العليا بآيرلندا الأسبوع الماضي تظلما ضد «بريكست». وعلل المشتكون بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيؤثر على اتفاقات السلام الهشة الموقعة في 1998 بعد عقود من العنف بين أنصار الاتحاد مع بريطانيا ومناهضيه. قرار المحكمة في آيرلندا جاء مغايرا لقرار محكمة لندن. وهذه الاختلافات تدخل الحكومة في دوامة سياسية وقانونية تبطئ من عملية الخروج، وربما قد تقوضها تماما.
وقال القاضي بول ماجوير: «في حين أن رياح التغيير على وشك أن تهب، فلا يمكن بعد معرفة الاتجاه الدقيق الذي سوف تسير فيه».
وكانت قد حذرت مجموعة من أكاديميين بارزين يوم أول من أمس، من أن الحكومة البريطانية تواجه تحديات قانونية ودستورية وبيروقراطية «هائلة»، من شأنها أن «تضع البناء الدستوري للمملكة المتحدة تحت ضغط». وقال الأكاديميون في تقرير حمل عنوان «الخروج البريطاني وما بعده» أعدوه لصالح «رابطة الدراسات السياسية»، ومقرها لندن، إنه «بالتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، فإن الشعب البريطاني أطلق عملية معقدة ولا يمكن التنبؤ بها».
وأشار التقرير إلى أن «قانون الإلغاء الكبير» الذي تعتزم رئيسة الوزراء تيريزا ماي من خلاله استيعاب القانون المرتبط بالاتحاد الأوروبي في القانون البريطاني سيؤدي على الأرجح إلى تنامي الاختلافات في السياسات المتعلقة بالزراعة وصيد الأسماك والبيئة والتعليم العالي بين البرلمان الوطني والمجالس الإقليمية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. وحذر من أن الاختلافات الإقليمية قد تصبح قوية جدا، لدرجة أنها قد تهدد وحدة البلاد ودستورها. وكانت ماي قد تعهدت بتفعيل المادة «50» من معاهدة لشبونة التي تحدد قواعد عملية التفاوض التي تستمر لعامين لخروج أي دولة من الاتحاد الأوروبي، وذلك قبل نهاية مارس (آذار).
وبسبب هذه التعقيدات الدستورية، مثل الحصول على موافقة البرلمان في لندن وكذلك البرلمانات المحلية في اسكوتلندا وويلز وشمال آيرلندا، يعتقد كثير من المراقبين السياسيين مثل المخضرم المحافظ، كنيث كلارك، الذي تبوأ عددا من الوزارات سابقا، أن المخرج الوحيد أمام حكومة ماي هو اللجوء إلى انتخابات عامة، مضيفا أن برامج الأحزاب المتصارعة في الانتخابات العامة، لو تقررت، ستتضمن بند البقاء في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعطي ماي وكذلك بريطانيا المخرج المطلوب من مأزق الاستفتاء.
كما يطالب كثير من السياسيين، الذين صدموا من قرار الخروج، مثل رئيس الوزراء الأسبق توني بلير بتنظيم استفتاء آخر. وهذا ما حصل سابقا في آيرلندا وكذلك في الدنمارك. بلير قال يوم الجمعة الماضي إن لا شيء يمنع تنظيم استفتاء ثان حول «بريكست»، معتبرا أن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي سيكون «صعبا جدا» أمام قادة أوروبيين غير متساهلين إطلاقا.
وقال لإذاعة «بي بي سي 4»: «لا سبب بتاتا لإغلاق الباب أمام كل الخيارات. يحق لنا بأن نواصل التفكير، وإذا دعت الحاجة إلى أن نغير رأينا». وأضاف: «إذا تبين خلال العملية أن الاتفاق غير مرض أو تترتب عليه عواقب وخيمة، لدرجة يرفض فيها البريطانيون الخروج من الاتحاد عندها علينا إيجاد حل من خلال البرلمان أو ربما من خلال استفتاء جديد». وفي صحيفة «ذي نيو يوروبيان» وصف بلير، رئيس الوزراء بين عامي 1997 و2007، «بريكست» بـ«الكارثة». ودعا مؤيدي بقاء بريطانيا في الاتحاد إلى «التعبئة» في وجه مؤيدي الخروج. وقال الزعيم العمالي السابق إنه بحث مؤخرا مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في التحديات التي ستواجهها بريطانيا خلال مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأوضح: «أقنعني ذلك بأن الأمور ستكون صعبة جدا.. لن نجري هذه المفاوضات مع رجال أعمال أوروبيين يرغبون في دخول الأسواق البريطانية.. الأشخاص الذين سنتفاوض معهم هم الزعماء السياسيون للاتحاد الأوروبي وبرلماناته بالتالي سيكون الأمر من وجهة نظري مفاوضات معقدة للغاية».
وقال إن على بريطانيا تقديم تنازلات كبيرة، حفاظا على وصولها إلى السوق الواحدة إذا لم ترغب في التعرض لنتائج اقتصادية «خطرة».
كما قال سفير بريطاني سابق لدى الاتحاد الأوروبي لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن بريطانيا بإمكانها التراجع عن قرارها بالخروج من التكتل بعد بدء محادثاتهما الرسمية بهذا الشأن. وقال السفير جون كير، الذي صاغ المادة «50» لتلفزيون «بي بي سي»: «بإمكانك تغيير رأيك أثناء سير العملية». وأضاف أنه «خلال تلك الفترة إذا قرر بلد ما أنه لن يخرج في نهاية المطاف فإن ذلك سيزعج الجميع بسبب إضاعة الوقت». وأضاف: «ربما سيحاولون تكبيدك ثمنا سياسيا، لكن قانونيا لن يكون بإمكانهم الإصرار على إخراجك».
لكن خالفه الرأي المدعي العام جيرمي رايت الذي قال للمحكمة العليا الشهر الماضي، إن أخطارا بتفعيل المادة «50»، ربما برسالة من ماي، لا رجعة فيه.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.