شبكات الجيل الخامس للاتصالات الجوالة.. خدمات كبرى لتطوير المدن والأرياف الذكية

«الشرق الأوسط» تزور مقر ومختبرات شركة «هواوي» الصينية لتصميم الجوالات الذكية

شبكات الجيل الخامس للاتصالات الجوالة.. خدمات كبرى لتطوير المدن والأرياف الذكية
TT

شبكات الجيل الخامس للاتصالات الجوالة.. خدمات كبرى لتطوير المدن والأرياف الذكية

شبكات الجيل الخامس للاتصالات الجوالة.. خدمات كبرى لتطوير المدن والأرياف الذكية

مع ازدياد حالات احتراق كثير من الجوالات الذكية حديثًا، أصبح موضوع جودة التصنيع والتأكد من معايير السلامة والجودة المفترضة من أهم الأمور التي يجب أخذها بعين الاعتبار لدى اقتناء الأجهزة الإلكترونية، وخصوصًا الجوالات الذكية التي نضعها في الجيوب والحقائب النسائية لفترات طويلة كل يوم.
وزارت «الشرق الأوسط» مختبرات تصميم الجوالات الذكية وفحص الجودة الخاصة بشركة «هواوي» في مدينتي شنغهاي وشنزن في الصين، حيث تعرفت على أساليب الفحوصات المضنية وكيفية الموافقة على المعايير الموضوعة لكل جهاز جديد يطلق في الأسواق، إضافة إلى التعرف على قدرات ووظائف شبكات اتصالات المستقبل عن كثب، ونذكر ملخص الزيارات.
* شبكات المستقبل
ستقاس شبكات اتصالات المستقبل بسرعة الـ«غيغابت» لكل مستخدم بحلول عام 2020، حيث ستطلق شبكات الجيل الخامس على نطاق تجاري حول العالم، الأمر الذي تطلب تعديل آلية عمل الشبكة، بحيث يتم تخصيص قنوات للدردشات بالصوت والصورة وأخرى لتقنية إنترنت الأشياء والملبوسات التقنية وأخرى لأمن المدن الذكية فيما يعرف بـ«تقسيم الشبكة» (Network Slicing)، وذلك كي لا تتنافس التقنيات المختلفة على سرعة الإنترنت عبر الشبكة الواحدة، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على قطاع مهم أو حيوي.
وتُقدر الشركة أنه وبحلول عام 2020، سيكون هناك مليارا جهاز متصل بالإنترنت، ومليار ونصف المليار سيارة متصلة وأكثر من مليار عدّاد ذكي متصل، وأن معدل الاتصال بالإنترنت سيكون مليون اتصال في كل كيلومتر مربع وبفارق نقل زمني يبلغ 1 مللي ثانية، أي أنه يفسح المجال للانتقال من عالم عروض الدقة العالية إلى عالم الواقع الافتراضي في كل شيء.
وأكدت «هواوي» أنها باشرت مع بعض شركات الاتصالات في المنطقة العربية، والسعودية على وجه التحديد، إعداد شبكات الجيل الرابع والنصف 4.5G (مرحلة تطورية وانتقالية إلى الجيل الخامس)، وشبكات الجيل الخامس 5G، لتكون سرعة 10 ميغابت للمستخدم الواحد هي سرعة الاتصال القياسية. واستعرضت الشركة أمثلة وتطبيقات تنجم عن توفير السرعات العالية للاتصال والزمن المنخفض للاستجابة، بحيث يستطيع الجراحون إجراء العمليات الجراحية عن بعد دون الحاجة لدفع مبالغ طائلة لقاء توفير اتصال ثابت وسريع، كما هو الحال عليه الآن، مع قدرتهم على إجرائها لأي مريض حتى لو كان في قرية نائية، بالإضافة إلى قدرة الشركات التجارية على متابعة حالات شحناتها في الموانئ الذكية ومعرفة مكان وجودها بدقة عالية جدًا وبأي وقت، وذلك بسبب ربط كل شحنة بشريحة تحديد الموقع وتحتوي على بيانات إضافية مهمة للشركة. الأمر نفسه ينطلق على قطاع رعاية المواشي والدواجن، حيث سيستطيع أصحاب المزارع الحيوانية تتبع أماكن وجود القطيع بدقة عالية وتحديد الأوقات المناسبة لحلب الأبقار وجمع البيض وأوقات التغذية، وغيرها، لينضم الريف إلى قائمة الأماكن الذكية في البلدان المختلفة عوضًا عن حصرها بالمدن.
كما أكدت الشركة أن معداتها مجهزة لتوفير شبكات اتصال في القطارات السريعة داخل وبين المدن، التي تفوق سرعاتها 300 كيلومتر في الساعة، الأمر الذي عادة ما يشكل عقبة للشبكات العادية التي تنقل اتصال الجوال من خلية (أو برج) اتصال إلى أخرى أثناء التنقل.
* فحوصات جودة الجوالات
وتجولت «الشرق الأوسط» داخل مختبرات فحوصات الجودة لمشاهدة عمليات الاختبار المضنية التي تتعرض لها جميع منتجات الشركة، حيث تفحص الشركة شدة تحمل البطارية للشحن المطول، وذلك بوضع بطارياتها داخل أفران خاصة ترفع درجة حرارتها إلى ما دون 100 درجة مئوية، وتظل تشحنها لمدة 20 يومًا بشكل متواصل دون انقطاع، وذلك للتأكد من أن البطارية والشاحن يعملان بشكل آمن، وهي معايير تتبعها الشركة قبل انتشار حالات انفجار بطاريات بعض الجوالات التي تصنعها شركات أخرى.
وتفحص الشركة كذلك قدرة الجوال على الصمود لدى سقوطه من ارتفاع نصف متر ومتر كامل، حيث استعرض خبراء الشركة أمام «الشرق الأوسط» كيفية وضع الجوال في آلة ترتفع في الهواء، ومن ثم تسقط بسرعة عالية جدًا إلى ارتفاع قريب جدًا من الأرض وتترك الجوال حينها ليستمر بسقوطه إلى أرض حجرية صلبة. ويعيد الخبراء هذه التجربة مرتين لكل جهة من الجوال (6 جهات)، ومرتين كذلك لكل زاوية من زوايا الجوال الأربع من ارتفاع نصف متر، وتعاد الكرة مرة أخرى لجميع الحالات المذكورة من ارتفاع متر كامل. وعرض خبراء «هواوي» كذلك قدرة الجوال على تحمل الخدوش التي تسببها القطع المعدنية والمفاتيح في جيب المستخدم، وعبوات مستحضرات التجميل والمفاتيح في الحقائب النسائية لدى وضع الجوال فيها، بحيث يتم وضع الجوال والعناصر المذكورة في عبوة كبيرة محكمة الإغلاق، وجعل العبوة تدور كالعجلة لساعات طويلة، ومن ثم فحص درجة مقاومة الشاشة وهيكل الجوال للخدوش والكسر.
وتقول الشركة إن معايير فحوصاتها تتفوق على المعايير الإلزامية لفحص الجودة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يبرهن أن عبارة «صنع في الصين» تعني معايير جودة أعلى من نظيرتها الأوروبية والأميركية وحتى اليابان، فيما يتعلق بالأجهزة الإلكترونية للشركة. ويتم تعريض الأجهزة إلى فحوصات القوى الميكانيكية، بحيث يجب على كل جهاز تحمل 70 كيلوغرامًا من اختبارات الضغط، على الأقل، وفحوصات المتانة البيئية، مثل تعريض الجوال لأشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام ويومين من تقلبات المناخ، سواء كان باردًا أو ساخنًا (بين درجتي الحرارة 75 مئوية و50 تحت الصفر)، و8 ساعات من اختبارات رذاذ الملح واختبارات الرطوبة والاهتزاز، بالإضافة إلى اختبارات الصلاحية، مثل تعريض الجوال إلى 800 ألف لمسة على شاشته من خلال روبوتات خاصة في أطرافها قطع جلدية تشابه أصابع الإنسان، و200 ألف ضغطة زر (أزرار التشغيل وشدة ارتفاع الصوت)، ودرجة تحمل وضع سلك الشاحن في الجوال وتحريك السلك، بحيث تتم معاودة العملية لأكثر من 10 آلاف مرة، ومن ثم فحص منفذ الجوال وطرف الشاحن للتأكد من سلامتهما وقدرتهما على العمل بشكل صحيح بعد هذه العملية. كما تختبر الشركة ثني طرف منفذ سلك الشحن بـ180 درجة إلى اليمين ومثلها إلى اليسار، مع ربط السلك بثقل يبلغ 200 غرام، وذلك للتأكد من عدم انفصال المادة التي تحمي نقطة التقاء الأسلاك الداخلية بالمنفذ المعدني (في دلالة إلى وصلات شاحن «آيفون» التي تنسلخ الأسلاك الداخلية فيها عن المنفذ في فترة قصيرة).
* اختبارات الكاميرا
ويُعرّض الخبراء عناصر كاميرا الجوال إلى ظروف حرارة قاسية جدًا (نحو 110 درجات مئوية)، ومن ثم يخفضونها إلى 50 تحت الصفر مع إدخال بخار الماء بكميات كبيرة داخل الفرن وتكرار العملية لفترات ممتدة، ومن ثم يتفحصون وجود تكثف للبخار داخل عناصر الكاميرا.
وتتأثر جودة التصوير بعد سقوط الجوال التي من الممكن أن تحدث مرة واحدة بعد 3 آلاف سقوط، كما اكتشفت أثناء الاختبار احتراق جزء من إطار الجوال لدى شحنه في ظروف خاصة، التي تشكل نسبة 1.5 في المائة.
وأكد متحدث قسم الأبحاث والتطوير أن الشركة تُجري اختبارات إضافية لا تقوم بها شركات أخرى، مثل اختبارات شبكة التجوال في الخارج وتجارب على الجوالات في بيئة معزولة عن شبكات العالم الخارجي، وتعتبر هذه الاختبارات بغاية الأهمية في الظروف الطارئة، مثلما حدث لدى اصطدام طائرة صغيرة ببحيرة جليدية في ميانمار، وباتت جميع محاولات الركاب الستة بإجراء اتصالات الإغاثة من خلال جوالاتهم بالفشل، عدا رجل أعمال واحد استخدم جوالاً اجتاز جميع الفحوصات الصارمة المذكورة.
وعرض ممثلو «هواوي» الكومبيوترات الشخصية السحابية، التي هي عبارة عن علبة صغيرة تصل فأرة المستخدم ولوحة المفاتيح والشاشة بالأجهزة الخادمة السحابية، بحيث لا يحتاج المستخدم إلى استثمار مبالغ كبيرة في تطوير كومبيوتره كل بضعة أعوام، بل رفع قدرة المعالجة والذاكرة والتخزين سحابيًا، وبشكل فوري.
* نظم لتوفير الأمن والسلامة في المدن الذكية
* استعرضت «هواوي» نظم المدن الآمنة، التي هي عبارة عن كاميرات مراقبة ذكية مرتبطة بكومبيوترات عالية الأداء تسمح لرجال الأمن بتتبع الحالات المشتبه بها بسهولة وفعالية كبيرة، بحيث يمكن إملاء الأوامر صوتيًا لتحويلها إلى أفعال فورية دون هامش خطأ بشري، مثل محاولة الاتصال بصانع قرار لمعرفة الخطوة التالية في عملية اختطاف أو سطو مسلح، مثلاً، ليجد النظام أن جواله مغلق، ومن ثم يبحث عن رقم منزله، وإن لم يجب أحد فسيتصل النظام بأهل المسؤول، ومن ثم يحاول تحديد آخر موقع له والوصول إليه في ذلك الموقع، كل ذلك بجملة «اتصل بمدير العمليات». وأكدت الشركة أنه تم تبني هذا النظام في مدينة عربية دون ذكر اسمها.
واستعرضت الشركة مثالاً حيويًا لأمن المدن الذكية، يتمثل بسيناريو احتراق مبنى تجاري في مدينة ذكية، حيث يتم إرسال طائرة صغيرة ذكية مجهزة بكاميرا عالية الدقة تُقيّم حالة الحريق وترسل البيانات فورًا إلى مركز خاص يقوم بتحليل البيانات الواردة وإرسال المعلومات إلى قسم الإسعاف والإطفاء وشرطة المرور، وغيرها من الأقسام، لتحديد نوعية وعدد المركبات المطلوبة والطريق الأفضل للوصول إلى الموقع، مع مشاهدة عرض الفيديو ببث حي ومباشر أثناء التوجه إلى الموقع لطلب مزيد من المساعدة في حال الحصول على معلومات جديدة، كل ذلك قبل وصول فرق الإغاثة إلى الموقع. وسيستطيع طاقم تنظيم المرور إبلاغ السيارات الذكية بوجود حادث في منطقة ما لتغير تلك السيارات مسارها وتخفف من الازدحام، بهدف إيصال الراكب إلى وجهته بشكل أسرع، وإفساح المجال أمام مركبات الإطفاء والإسعاف للوصول إلى موقع الحادث بسلاسة أكبر.



الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».


النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
TT

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

غالباً ما يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة في الإنتاجية قادرة على رفع الناتج الاقتصادي، وتسريع الابتكار، وإعادة تشكيل طريقة إنجاز العمل. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الجمهور لا ينظر إلى وعود الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، وأن المواقف تجاه هذه التقنية تتأثر بقوة بعامل النوع الاجتماعي، لا سيما عندما تكون آثارها على الوظائف غير مؤكدة.

وتخلص الدراسة إلى أن النساء مقارنة بالرجال ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، وأن دعمهن لاعتماد هذه التقنيات يتراجع بوتيرة أشد عندما تنخفض احتمالات أن تؤدي إلى مكاسب صافية في الوظائف. ويحذر الباحثون من أنه إذا لم تُؤخذ المخاوف الخاصة بالنساء في الاعتبار ضمن سياسات الذكاء الاصطناعي، وخاصة ما يتعلق باضطراب سوق العمل، وتفاوت فرص الاستفادة، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة القائمة بين الجنسين، وربما إلى رد فعل سياسي مضاد للتكنولوجيا.

فجوة لا ترتبط بالمعرفة فقط

تنطلق الدراسة من فكرة بسيطة هي أن فوائد الذكاء الاصطناعي وتكاليفه لن تتوزع بالتساوي على الجميع. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، قد تُعزَّز بعض الوظائف وتُعاد صياغة أخرى، بينما قد تختفي وظائف بعينها، أو تتراجع أهميتها. وتشير الدراسة إلى أن النساء ممثلات بنسبة أعلى في وظائف إدارية وكتابية وخدمية يُحتمل أن تكون أكثر عرضة للتأثر بالتقنيات الآلية. وفي المقابل، لا تزال النساء أقل تمثيلاً في مسارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وفي مواقع القيادة التي تمنح عادةً فرصاً أفضل للوصول إلى وظائف الذكاء الاصطناعي الأعلى أجراً، وهو ما قد يوسّع فجوة الأجور بين الجنسين مع مرور الوقت.

وترى الدراسة أن هذه الاختلافات الواقعية في التعرض للمخاطر، وفي فرص الوصول إلى المنافع، تنعكس على اختلافات في المواقف. فبحسب أبحاث سابقة، تميل النساء بالفعل إلى مزيد من الشك مقارنة بالرجال تجاه موجات الأتمتة السابقة.

لكن ما لم يكن واضحاً بما يكفي هو: لماذا تستمر هذه الفجوة؟ هنا يأتي طرح الباحثين عامل «المخاطر» في طريقة التعامل معها، وفي مقدار التعرض لها يقدّم تفسيراً إضافياً.

تجاهل المخاوف الجندرية في سياسات الذكاء الاصطناعي قد يعمّق عدم المساواة ويؤدي إلى ردود فعل سياسية وتنظيمية مضادة للتكنولوجيا (شاترستوك)

الميل للمخاطرة والتعرّض للمخاطر

تركّز الدراسة على عنصرين: الأول يتعلق بالتوجه نحو المخاطرة (Risk orientation)، أي مدى استعداد الفرد عموماً لتحمل عدم اليقين والمفاضلات ذات النتائج غير المضمونة. والآخر هو التعرّض للمخاطر (Risk exposure)، واحتمال أن يترتب على اعتماد الذكاء الاصطناعي تكلفة مباشرة، أو منفعة مباشرة للفرد، تبعاً لموقعه في سوق العمل، وغيرها من العوامل.

ويفترض الباحثون أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، لأنهن في المتوسط أكثر نفوراً من المخاطرة، ولأنهن أيضاً أكثر تعرضاً لاضطراب الوظائف الناتج عن الذكاء الاصطناعي. وتؤكد الدراسة أن هذه الأنماط لا تُقدَّم بوصفها «سمات فطرية»، بل بوصفها نتاجاً لأعراف اجتماعية، وتعلم اجتماعي، وبُنى وظيفية مترسخة منذ عقود.

تجربة واقعية

لاختبار هذا الطرح، أجرى الباحثون استطلاعاً عبر الإنترنت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستخدام لوحة «YouGov». وبلغت العينة الكاملة 6056 مشاركاً، لكن التحليل في هذه الدراسة يركز على 3049 مشاركاً وُجهت إليهم أسئلة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي (بينما وُجهت المجموعة الأخرى إلى أسئلة مقارنة عن التجارة). وشملت العينة مشاركين من الولايات المتحدة وكندا، وهما دولتان يصفهما الباحثون بأنهما متقاربتان من حيث الأسس المؤسسية وبنية سوق العمل، رغم اختلاف تفاصيل تبني الذكاء الاصطناعي وتنظيمه.

قاس الباحثون «تصور خطورة الذكاء الاصطناعي» عبر سؤالين على مقياس من 11 نقطة. سُئل المشاركون عن مدى رؤيتهم حول هل مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي تفوق فوائده بالنسبة لك شخصياً؟ وهل تفوق فوائده بالنسبة لمجتمعك؟ ثم جرى دمج الإجابتين في مؤشر واحد.

ولقياس التوجه نحو المخاطرة استخدمت الدراسة سؤالاً شائعاً في أبحاث المخاطر: هل تفضّل ربحاً مضموناً قدره 1000 دولار؟ أم احتمالاً بنسبة 50 في المائة لربح 2000 دولار؟ ويفترض أن اختيار الألف المضمونة يشير إلى نفور أعلى من المخاطرة.

أما قياس التعرض للمخاطر فكان أكثر تعقيداً لأن آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق العمل لا تزال غير محسومة. لذلك استخدمت الدراسة التعليم بوصفه مؤشراً عاماً على مدى الاستعداد للاستفادة من التحولات التقنية، مع اختبارات إضافية لمقاييس مرتبطة بالتعرض المهني للأتمتة والذكاء الاصطناعي على عينات فرعية من العاملين.

كما تضمن الاستطلاع تجربة مسحيّة مُسجَّلة مسبقاً تغير مستوى المخاطرة الاقتصادية في سيناريو تبني الشركة للذكاء الاصطناعي. قرأ المشاركون حالة عن شركة تتبنى أدوات ذكاء اصطناعي توليدي، ثم قُدِّمت لهم احتمالات مختلفة (تعيين عشوائي) بأن يؤدي ذلك إلى مكاسب صافية في التوظيف. تراوحت الاحتمالات بين 100 في المائة (مكاسب مؤكدة) و70 في المائة و50 في المائة و30 في المائة (مستوى مخاطرة مرتفع)، ثم طلب منهم تأكيد أو رفض قرار الشركة.

الدراسة: دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي يتراجع بوتيرة أسرع من الرجال كلما انخفضت احتمالات المكاسب الصافية في التوظيف (شاترستوك)

ما النتيجة الأبرز؟

أظهرت النتائج أن النساء أكثر ميلاً من الرجال للقول إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده. وتشير الدراسة إلى أن نسبة من ترى المخاطر أعلى من الفوائد تزيد لدى النساء بنحو 11في المائة مقارنة بالرجال، وهي فجوة تقارب حجم الفجوة المعروفة في مواقف الجنسين تجاه التجارة، وهي قضية تؤثر تاريخياً على النقاشات السياسية، والقرارات التنظيمية.

وعند التعمق، يظهر أن هذه الفجوة ترتبط بقوة بالتوجه نحو المخاطرة. فبين المشاركين الأكثر ميلاً لتحمل المخاطرة، تتراجع الفجوة بين النساء والرجال بشكل كبير، أو تتلاشى. بينما تكون الفجوة الأوضح بين من يفضّلون اليقين. يعني هذا أن النفور العام من المخاطرة يضاعف الحذر من تقنية ذات نتائج اقتصادية غير مؤكدة.

كما تشير النتائج إلى دور التعرض للمخاطر، حيث مالت النساء إلى رؤية الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة من الرجال في كل من فئات التعليم الجامعي وغير الجامعي، وهو ما ينسجم مع كونهن أكثر تمركزاً في وظائف قد تكون أكثر عرضة للأتمتة، وأقل وصولاً لمسارات العمل الأعلى ربحاً في مجالات الذكاء الاصطناعي.

دليل تجريبي

تظهر التجربة المسحيّة أن كلا من الرجال والنساء يقللون دعمهم لاعتماد الذكاء الاصطناعي عندما تنخفض احتمالات المكاسب الصافية في الوظائف. لكن دعم النساء يتراجع بسرعة أكبر عندما يصبح السيناريو أكثر خطورة. فعند مستوى المخاطرة الأعلى حيث تكون احتمالية المكاسب الصافية في الوظائف 30 في المائة فقط يكون دعم النساء أقل بشكل واضح من دعم الرجال. أما عندما تكون المكاسب مؤكدة بنسبة 100 في المائة، فتتقلص الفجوة بين الجنسين ولا تعود ذات دلالة إحصائية بحسب ما تذكر الدراسة. بمعنى آخر: النساء لسن «ضد الذكاء الاصطناعي» بالمطلق، لكن دعمهن يبدو أكثر ارتباطاً بمدى وضوح الفائدة الاقتصادية، وتأكدها.

من يعرف أكثر؟

حللت الدراسة أيضاً إجابات مفتوحة حول أكبر فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره باستخدام نمذجة موضوعات نصية. وظهرت فروق نوعية، إذ عبّرت إجابات النساء بدرجة أكبر عن عدم اليقين («لا أعرف») وعن الشك في وجود فوائد اقتصادية واضحة. في المقابل، ركّزت إجابات الرجال أكثر على الإنتاجية والكفاءة، وتحسين العمليات الاقتصادية.

أما بشأن المخاطر، فقد ركّزت إجابات النساء أكثر على فقدان الوظائف والبطالة، بينما ركّزت إجابات الرجال أكثر على الاستخدامات الخبيثة، والمخاطر المجتمعية الأوسع. ويعزز ذلك استنتاج الدراسة بأن النساء في المتوسط يضعن الوزن الأكبر للمخاطر الاقتصادية، ويعبّرن عن قدر أعلى من عدم اليقين بشأن مكاسب الذكاء الاصطناعي.

أهمية البحث

ترى الدراسة أن هذه الفروق ليست اجتماعية فقط، بل سياسية أيضاً. فإذا انعكس انخفاض دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي على انخفاض استخدامهن لأدواته في العمل، فقد يتراجع حضور النساء في مسار تطوير هذه التقنيات وحوكمتها في وقت تتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وهذا يعني أن مخاوف النساء قد لا تُدمج بالقدر الكافي في التصميم، والضمانات وقرارات النشر والتشغيل.

كما تشير الدراسة إلى أن المواقف من الذكاء الاصطناعي قد تصبح أكثر تسييساً. فإذا كانت النساء أكثر دعماً للتدخل الحكومي لإبطاء التبني تحت سيناريوهات فقدان الوظائف، فإن ذلك قد يفتح فرصاً سياسية: قد يتبنى بعض السياسيين سياسات حماية وتنظيم لجذب أصوات النساء، أو قد تُستخدم مشاعر الحذر تجاه الذكاء الاصطناعي أداة تعبئة انتخابية.

لا تقول الدراسة إن النساء يرفضن التقنية لكونها «تقنية»، بل تشير إلى أنهن يستجبن لمشهد مخاطر تكون فيه الرهانات غير متساوية، حيث تختلط وعود الذكاء الاصطناعي بآثار وظيفية غير مؤكدة، وبفرص استفادة غير متكافئة. وبالنسبة للحكومات والمؤسسات التي تدفع نحو تبنٍ سريع، فإن الرسالة تبدو واضحة، وهي أن سياسات الذكاء الاصطناعي التي تتجاهل التعرض غير المتساوي لفقدان الوظائف، وتفاوت الوصول إلى فرص العمل عالية القيمة، واختلاف إدراك المخاطر، قد تعمّق عدم المساواة، وتضعف الثقة العامة. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه المخاوف عبر حماية القوى العاملة، ومسارات إعادة التأهيل، وتقليل التحيز في الأنظمة، وحوكمة شاملة قد تكون ضرورية ليس فقط للعدالة، بل للحفاظ على شرعية التحول مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للاقتصاد.


120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
TT

120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)

في خطوة غير تقليدية تقلب سردية الأتمتة السائدة، تبرز منصة «رانت إي هيومان» RentAHuman.ai (أي استأجر إنساناً) نموذجاً جديداً للتكامل بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، حيث تتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي استئجار أشخاص حقيقيين لتنفيذ مهام في العالم المادي لا تستطيع الأنظمة الرقمية القيام بها بمفردها حتى الآن.

تعمل المنصة بصفتها سوقاً متخصصة تربط بين وكلاء ذكيين يحتاجون إلى «تدخُّل بشري» وبين أفراد قادرين على تنفيذ مهام تتطلب حضوراً فعلياً، مثل التحقق الميداني، وحضور الاجتماعات، وتوصيل الطرود، والتقاط الصور، أو تنفيذ مهام بسيطة لكنها خارج نطاق العالم الرقمي. وبهذا، يُجسِّر هذا الموقع الفجوة بين قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة وحدود الواقع الفيزيائي.

آلية بسيطة

آلية العمل بسيطة نسبياً: ينشئ الأفراد ملفات تعريفية تتضمن موقعهم الجغرافي، ومهاراتهم، وأوقات التفرغ، والأجر المطلوب. في المقابل، يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث آلياً عن الشخص المناسب، وتفويضه بالمهمة، وتحديد التفاصيل الزمنية والتنفيذية بدقة. تجري المدفوعات بشكل فوري عبر العملات الرقمية أو المستقرة، ما يُلغي التأخير المعتاد في منصات العمل الحر التقليدية.

تكمن أهمية النموذج في فائدته للطرفين، فالذكاء الاصطناعي يوسّع نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات، بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة. ومع التوسع المتوقع في استخدام الوكلاء المستقلين، قد تتحول هذه المنصات إلى بنية تحتية أساسية لاقتصاد هجين جديد يقوم على الشراكة لا الاستبدال، ويُبقي الإنسان عنصراً لا غنى عنه في عصر الأتمتة.

ينشئ الأفراد ملفات تعريفية بموقعهم الجغرافي ومهاراتهم وأوقات التفرغ والأجر المطلوب وفي المقابل يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث آلياً عن الشخص المناسب وتفويضه بالمهمة وتحديد التفاصيل الزمنية والتنفيذية بدقة (رويترز)

استجابة مجتمعية سريعة

منذ إطلاقها مؤخراً، شهدت منصة «RentAHuman.ai» إقبالاً سريعاً، حيث سجّل مئات الأشخاص أسماءهم فيها في غضون أيام. وبلغ عدد الأشخاص الذين سجّلوا أسماءهم للقيام بمهمات يطلبها منهم الذكاء الاصطناعي على هذه المنصة، 120 ألف شخص.

وشمل المشاركون الأوائل متخصصين من مختلف القطاعات، ما يعكس فضولاً واسع النطاق حول هذه الديناميكية المعكوسة، حيث يسعى الذكاء الاصطناعي إلى الحصول على مساعدة بشرية.

تؤدي هذه المنصة بدورها تغييراً مبتكراً في الأدوار، حيث يعتمد الذكاء الاصطناعي، الآن، على البشر للتفاعل الجسدي. ويرى كثيرون في ذلك حلاً عملياً للقيود الحالية للذكاء الاصطناعي، مع خلق فرص اقتصادية جديدة.