الإمبراطور يتجرع السم ودموع الـ 24 رجلاً في الـ 24 ساعة في ملجأ تحت الأرض

أطول يوم في تاريخ اليابان (3 - 3)

اليابانيون يستمعون إلى صوت إمبراطورهم لأول مرة في الراديو معلنا استسلام اليابان
اليابانيون يستمعون إلى صوت إمبراطورهم لأول مرة في الراديو معلنا استسلام اليابان
TT

الإمبراطور يتجرع السم ودموع الـ 24 رجلاً في الـ 24 ساعة في ملجأ تحت الأرض

اليابانيون يستمعون إلى صوت إمبراطورهم لأول مرة في الراديو معلنا استسلام اليابان
اليابانيون يستمعون إلى صوت إمبراطورهم لأول مرة في الراديو معلنا استسلام اليابان

حتى بعد قصف هيروشيما وناغازاكي، وسقوط منشوريا بأيدي السوفيات، كما رأينا في الحلقتين السابقتين من هذا الكتاب، ظل قطاع كبير من جهاز القوات المسلحة مؤمنًا، بلا أي أساس مادي، بأن اليابان لا تزال قادرة على الدفاع عن نفسها، وإنها لم تفقد الحرب بعد، بينما دعا قسم من المسؤولين في الحكومة اليابانية بقبول شروط الحلفاء بالاستسلام مقابل شرط واحد: صيانة البيت الإمبراطوري.
ونتيجة هذا الاختلاف لم يتوصل مجلس الستة الكبار، الذي كان أيضًا بدوره منقسمًا، إلى اتخاذ قرار حاسم، بينما كان الرئيس الأميركي ترومان يهدد بتدمير اليابان نهائيا في حال عدم استسلامها غير المشروط.
في هذه الحلقة، وهي الأخيرة، متابعة لما جرى في ذلك اليوم، أطول يوم في تاريخ اليابان.
قال الجنرال أنامي، ملخصًا النقاش من الجانب الآخر: «لا يمكننا التمثيل، الحصول على النصر أمر مؤكد، لكن من السابق لأوانه القول خُسرتْ. لأننا سنوقع هزائم مؤلمة بالعدو عندما يغزو اليابان، هذا أيضًا مؤكد، لذلك فإن القول باستحالة عكس الموقف لصالحنا وانتزاع النصر من هذه الهزيمة قول لا معنى له».
«أكثر من ذلك..» استمر أنامي بالكلام: «جيشنا لن يستسلم للتسريح، رجالنا ببساطة لن يلقوا سلاحهم، إذ طالما تعلموا أن الاستسلام غير مقبول، وطالما تعلموا أن الرجل المقاتل الذي يستسلم يقع عليه عقاب شديد جدًا، إذن في الحقيقة ليس لنا خيار إلاّ مواصلة الحرب».
«نعم، نعم!» صرخ أنامي بنفاد صبر: «كل واحد يتفهم الموقف... لكن علينا الاستمرار في الحرب حتى النهاية، بغض النظر عن حجم الاستهجان ضدنا!». هنا أدلى وزير الداخلية جنكي آبي بأول ملاحظة، حين قال إنه لا يستطيع الوعد بامتثال المدنيين، إذا قررت الحكومة إنهاء الحرب بمعاهدة سلام، مذكّرًا بحادث العصيان الذي قام به بعض الضباط الشبان في 26 فبراير (شباط) عام 1936، عندما قادوا ما يقارب الألفي جندي، مما أدى إلى خسائر كثيرة في الأرواح، إضافة إلى محاولة قتل رئيس الوزراء، وجرح وزير الخزانة، وكاتم أسرار الإمبراطور. كان الثوار قد احتلوا وزارة الحرب، ومقر بوليس الإمبراطور، ومقر إقامة رئيس الوزراء قبل أن يضطر الإمبراطور نفسه إلى التدخل، آمرًا وزير الحرب باتخاذ الإجراءات اللازمة، مسترجعًا تفاصيل ذلك العصيان الذي جرى قبل أقل من عقد مضى، نصح جنكي آبي بالوقوف ضد فكرة قبول إعلان بوتسدام.
كان الوقت يتسرب من أيدي الجميع، ولا يوجد شك في أن شخصًا واحدًا يستطيع ترتيب الوضع.
كان الوضع محفوفًا بالمخاطر، كلٌ من سوزوكي وتوكو أجريا نقاشًا في وقت متأخر من الليلة الماضية، كانا واعيين للخطر. إذا كان الموقف على هذه الدرجة من الخطورة، فإذن ستكون الحركة الخاطئة بمثابة كارثة.
كان الجيش هو الحجر الأقوى وغير المتوقع في هذه اللعبة. الحجر الذي ظلّ على مدى سنوات لا يخضع لأي قاعدة إلاّ نفسه. إذا لم يحصل الجيش على ما يريد، فسيكون مستعدًا للجوء إلى الاغتيالات، أو حتى اللجوء إلى ثورة عارمة، ودائمًا خلف تلك الحجة (التي تجد قبولاً عاطفيًا) حماية الإمبراطور من حاشيته الخونة. كانت لدى كل من سوزوكي وتوكو مخاوف عميقة ومبررة من أن العنف هو الذي يمنع التوقيع على الاتفاقية التي تمثل، برأيهم، الإنقاذ الوحيد لليابان.
لدى وصولهم إلى القصر في تلك الليلة، استقبلهم الإمبراطور لحظة وصولهم، سأل سوزوكي وزير الخارجية توكو أن يخبر الإمبراطور عن الاجتماعين اللذين لم يخرجا بأي نتيجة، بعد ذلك اقترح سوزوكي أن على المجلس الأعلى للحرب أن يعقد جلسة جديدة هذه الليلة بحضور الإمبراطور. كان الإمبراطور مهيَّأً لهذا الاقتراح، فأعطى موافقته على الفور. في اللحظة ذاتها طلب سوزوكي إقناع المجلس الأعلى للحرب ومجلس الوزراء لعقد الاجتماع. خلال ذلك، وبعد مغادرة الوزيرين استقبل الإمبراطور الماركيز كيدو كاتم السرّ، باختصار: كانت هذه المقابلة السادسة مع كاتم السرّ في ذلك الخميس التاسع من أغسطس (آب). إذا كان وزراؤه، أخيرًا، قد استيقظوا من سباتهم، وقرروا التحرك، فعلى الإمبراطور أن لا يتلكأ.
كان الرجل الذي استدعاه القدر لإنقاذ بلده لطيفًا، خجولاً إلى أبعد حد، قصيرًا ممتلئًا، في الرابعة والأربعين من العمر، منذ تتويجه عام 1928 كان يعيش حياة متوحدة كما يتوقع منه رعاياه. علاقته بالشعب تختلف عن علاقة أي عرش آخر بشعبه: كان يكفي بالنسبة لشعبه أن يكون موجودًا. إنه هناك، يجسّد في قدسيته هذا الوجود العظيم الذي يدعى اليابان. من دونه، أو من دون ورثته، لا يوجد أي يابان.
كانت حياة الإمبراطور دائمًا بسيطة، ومنذ بداية الحرب أصبحت أكثر بساطة وتقشفًا، حتى إن أفقر رعاياه لا يحسده عليها، وهو عادةً يستيقظ في السابعة، يحلق، ثم يقرأ الصحف. بعد الصلاة في الكاشيكودوكورو، وفي الكوريدين، والشيندين، يتناول إفطارًا بسيطًا من الخبز الأسمر وعصيدة الشوفان، وفي العادة يبدأ العمل من الساعة التاسعة والنصف حتى الظهر، ثم يتناول غداءه المكوّن من خضار مطبوخ وحساء. بعد ذلك يعود إلى العمل وينهي يومه بالتمشي قليلاً في الحديقة الداخلية. وهو لا يدخن ولا يشرب الكحول وينام بمعدة خفيفة.
الآن فُتح الباب بهدوء، وبمصاحبة أعوانه دخل الإمبراطور إلى الملجأ الصغير حيث، قبل أن يمرّ الليل فإن مصير بلده قد أودع بين يديه.
الساعة 11:50 أنحنى أعضاء المجلس الذين كانوا ينتظرون منذ الساعة الـ11:30 مع أعوانهم، ثم جلسوا في مقاعدهم مع اثنين من الضيوف المدعوين، وحولوا أنظارهم بعيدًا عن الإمبراطور احترامًا. مظهر الإمبراطور أوحى لهم بأنه كان متعجلاً، وفي الحقيقة لو أن آخر مقابلة له مع الماركيز كيدو لم تنته إلاّ الساعة 11:37، كما جاء في يوميات كيدو، فإن الإمبراطور لم يكن لديه متسع من الوقت للاستعداد لمواجهة أكثر الساعات إحراجًا في تاريخ بلده، وحياته الخاصة. بالإضافة إلى الكبار الستة وأعوانهم، حضر رجلان آخران، دُعيا من قبل رئيس الوزراء هما: سكرتير مجلس الوزراء ساكونيرو، والبارون هيرانوما رئيس سرّ المجلس.
تقع الغرفة التي عقد فيها الاجتماع في ملجأ تحت الأرض (30 × 18 قدمًا)، تهويتها سيئة، وتبدو مثل جحيم مصغّر بحرارة ليالي أغسطس، وكان أعضاء المجلس وضيوفهم يرتدون بدلات الصباح الرسمية أو الزي العسكري، والمناديل البيضاء استخدمت بكثرة، وبدت غريبة مع بدلاتهم ووجوههم الداكنة.
كان سقف الملجأ مدعومًا بعوارض حديدية، وجدرانه مغطاة بألواح خشبية قاتمة. جلس الرجال الأحد عشر خلف طاولة طويلة مغطاة، يواجه أحدهم الآخر، ستة في جانب وخمسة في الجانب الآخر، الرجل الثاني عشر (الإمبراطور) اتخذ مجلسه على كرسي بسيط بظهر مستقيم في رأس الغرفة، خلفه شاشة بسيطة، بينما جلس معاونه قرب الباب.
نهض سوزوكي الجالس على يسار الإمبراطور، ثم سأل سكرتير مجلس الوزراء أن يقرأ إعلان بوتسدام بصوت عال. حتى ولو لدقيقة واحدة في هذا الاجتماع، أو الاجتماعات التي عقدت لاحقًا خلال الأيام القليلة التي وقعت بها اليابان تحت محنة الاستسلام، فإن الكلمات الحقيقية التي قيلت في ذلك الاجتماع ضاعت في التاريخ، لأن ما حدث كان جزئيًا، ويقوم على إعادة تجميع شخصية من قبل رجال حضروا، ومن أولئك الموثوق بهم.
بعد قراءة الإعلان، كرر سوزوكي التقييم الذي قدمه للإمبراطور عن اللقاءات المحبطة السابقة، وقدم الاعتذار للإمبراطور على الطلب منه الحضور في هذا الاجتماع، الذي لم يتفق فيه وزراؤه بعد على قرار (لقد قيل أيضًا إن سوزوكي قدم اعتذارًا بطريقة غير مباشرة لرئيسي الأركان على استخدام توقيعيهما في الطلب الذي قُدم للعرش لعقد الاجتماع بينما الآراء ما زالت منقسمة. الطبيعة الغريبة لهذا الاجتماع المنعقد في منتصف الليل جعلتهما غير مكترثين - لكن ما داما وقّعا الطلب، وما دام الإمبراطور أمر بعقد الاجتماع، لم يكن لديهما خيار غير تلبية الاستدعاء الإمبراطوري). لخّص سوزوكي الوقف كله في تلك اللحظة: المجلس الأعلى للحرب كان منقسمًا ثلاثة لثلاثة، بينما مجلس الوزراء، الذي يملك لوحده الصلاحية الدستورية للموافقة على استسلام اليابان كان منشقًا إلى ثلاثة أقسام (ستة أعضاء فضلوا قبول إعلان بوتسدام، بشرط واحد هو ضمان صيانة البيت الإمبراطوري، ثلاثة آخرون أصروا على الشروط الأربعة التي وضعها أنامي، بينما خمسة آخرين وضعوا شروطًا أخرى لكن أقل من الشروط الأربعة لجماعة مؤيدي الحرب).
دعا رئيس الوزراء وزير خارجيته توكو، فلخَّص توكو النقاش بإظهار ميله إلى الاستسلام، منهيًا الحديث بتوصية مهمة بأن على اليابان قبول إعلان بوتسدام دون أي تأخير، إذا أُعطيت ضمانات بصيانة الدولة الوطنية. بعدها استدار سوزوكي إلى وزير البحرية الصامت، فقال الأدميرال يوناي: «أتفق مع وزير الخارجية»، ثم عاد ليجلس في مقعده. وزير الحرب، الجنرال أنامي، قفز محتدًّا معبّرًا عن رفضه التام، قائلاً إنه يؤمن بأن على الأمة الاستمرار في القتال، لأن نتائج المعركة لن تظهر إلاّ بعد أن يُخاض القتال، وفي أي حال، إذا كان على اليابان أن تستسلم فعليها الإصرار على شروط هي: ضمان ليس فقط صيانة الكيان الإمبراطوري، إنما أيضًا حق اليابان في كيفية نزع سلاحها، وأن تقيم محاكمها الخاصة بالحرب، وتحدّد عدد قوات اليابان التي تحتل دولاً أخرى.
وافق الجنرال أوميزو، مضيفًا أن اليابان ما زالت أكثر من مجرد ندّ للعدو، والاستسلام غير المشروط سيكون مهينًا لشرف موت اليابانيين. وفي حالة الاستسلام، أصر أوميزو، كما فعل أنامي أيضًا، على الشروط السابقة. ثم جاء دور الأدميرال تويودا، رئيس أركان البحرية ليتحدث. لكن سوزوكي طلب البارون هيرانوما بدلاً عنه، وكان هيرانوما قد دُعي للاجتماع في محاولة لإشراك مجلس السرّ في متابعة النقاش، حيث من حقه دستوريًا المصادقة على الاتفاقيات الخارجية. هيرانوما أخضع الوزراء إلى سلسلة من الأسئلة الدقيقة الشاملة حول إخفاق العلاقة مع السوفيات، وعن الرجال الذين سيُصنفون كمجرمي حرب، وعن قدرة الأمة على حماية نفسها ضد الغارات وضد الغزو، وحول احتمال قيام عصيان في لحظة إعلان الاستسلام. ثم أنهى حديثه بالقول إنه إضافة إلى شروط صيانة سيادة الدولة الذي مرّ من دون نقاش، فليس من الضروري الحكم بالفشل على الشروط الثلاثة الأخرى.
أخيرًا أُعطي الأدميرال تويودا الفرصة للحديث، فكرر الجدل بتفضيل استمرار الحرب، خاتمًا بأنه لا يضمن ردّ فعل البحرية، ما لم يكن تسريحهم بواسطة اليابانيين أنفسهم.
مرّة أخرى نهض رئيس الوزراء ليقول: «هذا دليل على أننا غير قادرين على التوصل إلى اتفاق، وفي ضوء هذه الحقيقة، ومع هذا الموقف الطارئ، يبدو أنه علينا القيام بشيء واحد». ثم أدار رأسه باتجاه رأس الغرفة وقال: «إن قراركم يا صاحب الجلالة مطلوب، وما تقررونه سوف ينفذ، بين رأي وزير الخارجية، أو الشروط الأربعة».
كان الصمت مطبقًا في الغرفة الصغيرة الخانقة. يصعب القول كم من الرجال الأحد عشر الجالسين حول الطاولة الطويلة عرفوا أو خمنوا أن سوزوكي سيتخذ تلك الخطوة، لم يُسمع في تاريخ اليابان أن طُلب من الإمبراطور اتخاذ قرار ما، أو القول كم كانت الصدمة حتى النخاع بهذا الإجراء غير التقليدي.
في الأيام السابقة كانت البيانات الإمبراطورية الرسمية تسمى «صوت الغرنوق»، والغرنوق يمثل رمز الإمبراطورية، ويقال إن صوت الغرنوق يظل مسموعًا في السماء حتى لو حُجب عن الرؤية. بالنسبة للمجلس الأعلى للحرب، في الساعة الثانية من صباح الجمعة، العاشر من أغسطس 1945، كان صوت الغرنوق على وشك أن يُسمع مرة أخرى في الأرض.
قال الإمبراطور في هدوء: «استمرار الحرب يمكن أن يؤدي فقط إلى إبادة الشعب الياباني ويطيل المعاناة البشرية. يبدو واضحًا أن الأمّة لم تعد قادرة على تحمل الحرب، وقدرتها على الدفاع عن شواطئها مشكوك فيها. هذا لا يُطاق بالنسبة لي»، ثم أضاف: «أن أرى جنودي المخلصين منزوعي السلاح ذاهبين من دون قول.. لكن جاء الوقت لتحمل ما لا يُطاق تحمّله».
لم يعد الإمبراطور بحاجة لأن يضع قراره في صياغة معينة، مع ذلك، استمر في الهدوء ذاته، وبصوت ثابت قال: «أعطي موافقتي إلى جانب قبول إعلان الحلفاء على أساس الشروط التي طرحها وزير الخارجية». ثم غادر الغرفة ببطء.
في الصمت، عاودت المناديل البيضاء الظهور، ربما لمسح العرق الذي يتصبب في أغسطس بتلك الغرفة الصغيرة، أو ربما لمسح الدموع التي ترقرقت في أعين الرجال الذين أصبحوا ملزمين بمنح بلدهم للعدو.
«قرار صاحب الجلالة»، قال سوزوكي: «يجب أن يكون قرار الإجماع أيضًا». فاستمر الصمت.
على كل حال، الجهة الوحيدة التي تملك الصلاحية الدستورية في تنفيذ قرار الاستسلام هو مجلس الوزراء (مع أن موافقة مجلس السرّ كانت أيضًا مطلوبة، إلا أن هذا الأمر أثير لاحقًا).
غادر الأعضاء القصر إلى المقر الرسمي لرئيس الوزراء. المناقشات هنا تركّزت ليس حول قبول القرار الإمبراطوري - وليس ثمة شك في هذا على الرغم من معارضة وزير الداخلية - لكن لصياغة بيان الاستسلام، وفي غضون ثلاث ساعات كان البيان قد أُبرق إلى سويسرا والسويد لنقله من ثمَّ إلى قوى الحلفاء.
قال البيان تحديدًا: «إن الحكومة اليابانية مستعدة لقبول الشروط المذكورة في الإعلان الذي صدر في بوتسدام في 26 من يوليو (تموز) 1945، من قبل رؤساء حكومات الولايات المتحدة، بريطانيا العظمى، والصين، ولاحقًا بمشاركة حكومة الاتحاد السوفياتي، آخذين بالاعتبار أن البيان المذكور لا يشمل أي مطلب قد يكون مجحفًا بامتيازات صاحب الجلالة كحاكم مطلق».
ليلة اليابان الطويلة في 9 أغسطس انتهت أخيرًا، لكن اليوم الأطول لم يأتِ بعد.
في واشنطن، رغم أن الرئيس ترومان بدأ يفقد صبره، فقد قرر الوثوق بمؤشرات طوكيو على قبولها، واعتبر الأمر مسألة ساعات، وفي تعليماته للجنرال ماك آرثر قال ضمن عدة أشياء: «من لحظة الاستسلام، فإن صلاحية الإمبراطور والحكومة اليابانية في قيادة الدولة ستكون خاضعة لك، وستتخذ الخطوات التي تراها مناسبة لتنفيذ شروط الاستسلام».
في العاشرة والنصف من يوم الرابع عشر من أغسطس، كان أعضاء مجلس الوزراء وأعضاء المجلس الأعلى للحرب، وبعض الرجال الآخرين المهمين في الحكومة قد تجمعوا. كانوا قد أُخبروا أن لا يلبسوا الزي الرسمي، فكان البعض، حيث الطقس الحار والرطوبة العالية، قد استعار ربطات عنق وجاكيتات معاونيهم. كانت الغرفة تحت الأرض ليست فقط رطبة، بل مليئة بالعفن، والماء ينز من السلم المؤدي إليها. في الوقت المحدد وصل الإمبراطور، وبعد خمس وعشرين دقيقة صارت الغرفة مثل حمام بخار صغير.
كان الإمبراطور يرتدي زيًّا عسكريًا بسيطًا، سار مباشرةً نحو مقدمة الغرفة وجلس على كرسي بسيط بظهر قائم عند الطاولة الصغيرة المغطاة بشرشف مذهّب. وخلفه شاشة كبيرة لامعة.
سكرتير رئيس مجلس الوزراء ساكوميزو، ذكر لاحقًا أنه كان متخوفًا من أن رئيس الوزراء لن يكون قادرًا على المواصلة، إذ بدا غامضًا ذلك الصباح وغير مستعد للحديث، لكن مخاوف ساكوميزو كانت غير صحيحة، إذ قال سوزوكي بوضوح وبلاغة، إن «صاحب الجلالة قد دعا إلى عقد الاجتماع لمناقشة موضوع قبول ردّ الحلفاء». وأوضح نقاط الاختلاف في الرأي التي أدّت بالاجتماعات السابقة إلى طريق مغلق. ثم دعا أولئك الذين يخالفون الأغلبية بالرأي للتعبير عن رأيهم. تحدث أوميزو وأنامي باختصار، تويودا أخذ الفترة ذاتها، بدا واضحًا أنهم كلهم كانوا تحت تأثير الإجهاد والتعب. تويودا لم يتحدث بشكل جيد، لكنه كان يناقش بتعب وحزن مألوفين لكل الحاضرين.
عندما أنهى المنشقّون الثلاثة حديثهم، نهض رئيس الوزراء معتذرًا للإمبراطور عن انقسام مجلس الوزراء، وطلب منه مرة أخرى قرارًا إمبراطوريًا.
كان الصمت يسود الغرفة الصغيرة المزدحمة الناضحة بالعرق. الرجال الـ24 كانوا ينتظرون ليستمعوا للمرة الثانية صوت الغرنوق، الذي يدرك أنه بهذا سيضع نهايةً لعهد الموت والدمار الذي استمر لأربعة وأربعين شهرًا، وليأتي الآن وقت الحصاد معلناً : سقوط الإمبراطورية اليابانية.
الإدراك المتأخر لهذه الحقيقة التي عرفها البعض منذ البداية؛ أن اليابان أقل من أعدائها في المصادر الطبيعية، والطاقة الإنتاجية، والقوى البشرية، ليس لديها فعلاً الفرصة لكسب حرب اضطرت لخوضها. كانت فقط الرغبة الجماعية لشعبها هي التي ساقتها لخوضها إلى هذا الحد، الآن، يُؤمل، أن ذلك كان من أجل التركيز على اتجاه آخر، وهو: غسل وصمة الماضي بدموع الـ24 رجلاً المجتمعين في ذلك الملجأ تحت الأرض وهم يراقبون إمبراطورهم ينهض ويمسح وجهه بمنديل أبيض، قبل أن يبدأ حديثه التاريخي للشعب.
دموع الـ24 رجلاً في الـ24 ساعة، هي دموع البلد كله: 24 ساعة من أطول وأصعب، وربما الأكثر مرارة على الإطلاق في تاريخ اليابان الطويل.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.