«معركة حلب» الأشرس منذ 2012.. والمعارضة مستمرة حتى تحرير المدينة

«الحر»: الطيران الروسي لم يتوقف.. والنظام ينصب مدفعيته في الأحياء السكنية

مقاتل من «جيش الفتح» يقصف، مواقع للنظام من مدخل حلب، أمس، بعد السيطرة على ضاحية الأسد غرب المدينة (أ.ف.ب)
مقاتل من «جيش الفتح» يقصف، مواقع للنظام من مدخل حلب، أمس، بعد السيطرة على ضاحية الأسد غرب المدينة (أ.ف.ب)
TT

«معركة حلب» الأشرس منذ 2012.. والمعارضة مستمرة حتى تحرير المدينة

مقاتل من «جيش الفتح» يقصف، مواقع للنظام من مدخل حلب، أمس، بعد السيطرة على ضاحية الأسد غرب المدينة (أ.ف.ب)
مقاتل من «جيش الفتح» يقصف، مواقع للنظام من مدخل حلب، أمس، بعد السيطرة على ضاحية الأسد غرب المدينة (أ.ف.ب)

أعلن «جيش الفتح»، يوم أمس، انتهاء المرحلة الأولى من مراحل «فك الحصار» عن حلب وتحريرها بعد السيطرة على ضاحية الأسد ومشروع 1070 شقة وتقدمها نحو الأكاديمية العسكرية، فيما أكّدت المعارضة أن الهدف من معركة حلب يبقى إضافة إلى فك الحصار عن الأحياء الشرقية هو طرد النظام من المدينة، بحسب ما قال المستشار القانوني لـ«الجيش الحر» أسامة أبو زيد، واصفا سير مراحل المعركة التي بدأت الجمعة الماضي بـ«الناجحة» لغاية الآن.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بـ«مقتل ما لا يقل عن 55 عنصرا من قوات النظام خلال المعارك الطاحنة في حلب، لليوم الثالث على التوالي في موازاة استمرار القصف المكثف»، بينما أعلن «جيش الفتح» مناطق حلب الجديدة ومشروع 3000 شقة والحمدانية وصلاح الدين وسيف الدولة والعامرية وحلب القديمة والمشارقة وسوق الهال والإذاعة، مناطق عسكرية، مطالبا الأهالي الالتزام بمنازلهم وحظر التجول داخلها والنزول للملاجئ. وهو ما أشار إليه أبو زيد، مشددا العمل على تحييد المدنيين قدر الإمكان والحفاظ على سلامتهم عبر إخلائهم من المناطق الخطرة أو منعهم من التجول، على اعتبار أن الاشتباكات تجري في مناطق مغلقة قد يكون بعضها أحياء سكنية، وهي رغم ذلك تتعرض للقصف الذي يبقى تأثيره محدودا في مناطق كهذه وبفعل التحام الفصائل مع قوات النظام، على عكس تلك التي تقع في مناطق مفتوحة. وأكد أن النظام بدأ ينصب مدفعيته في مناطق المدنيين لاستخدامهم كدروع بشرية لا سيما أنه يعلم أن الجيش الحر لن يستهدف أماكن تجمع المدنيين.
ولفت أبو زيد لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الأهم اليوم هو كسر الحصار عن المدينة وتأمين حرية حركة المدنيين دخولا وخروجا من الأحياء الشرقية، إضافة إلى إدخال المساعدات اللازمة لها. وأوضح أن هذا الهدف يتم عبر 4 قلاع رئيسية لقوات النظام، هي «ضاحية الأسد والأكاديمية العسكرية وحي الحمدانية ومدفعية الزهراء، وبالتالي فإن سقوطها يعني سقوط النظام في حلب». مضيفا «لغاية الآن وبعد ثلاثة أيام على المعركة، استعدنا ضاحية الأسد وانطلقنا نحو مشروع 3000 شقة تمهيدا للوصول إلى الحمدانية، وهو ما يؤكد أن المعركة تسير بالشكل المخطط لها وصولا إلى تحرير حلب وحكما السيطرة عليها».
واعتبر أبو زيد أن «حزب الله» وقوات النظام يبذلان أقصى جهودهما العسكرية، مؤكدا وقوع أسرى عراقيين بيد المعارضة، ونافيا في الوقت عينه غياب القصف الروسي عن حلب، قائلا «الطيران الروسي والنظامي لا يغادر سماء المدينة، وهو اليوم بات يرتكز على (العنقودي) لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، لكننا لا نستطيع تحديد حجم كل منهما بالتحديد».
وأكد أبو زيد عدم حصول المعارضة على أسلحة جديدة أو نوعية، من دون أن ينفي استمرار حصولها على الدعم العسكري بشكل عام، مشيرا إلى أن العربات المفخخة المسيرة عن بُعد هي من بين التقنيات الجديدة التي تعتمد عليها الفصائل في معركتها بحلب. وكان قد بدأ اليوم الثالث للمعركة بتمهيد ناري كثيف من مختلف أنواع الأسلحة على مواقع قوات النظام في الأكاديمية العسكرية ومشروع 3000 شقة في حي الحمدانية غرب حلب.
وقال رامي عبد الرحمن مدير المرصد لـ«الشرق الأوسط»، إن تقدم المعارضة في ضاحية الأسد كان بشكل أساسي نتيجة الهجوم المباغت للفصائل، معتبرا أن خطة التقدم ليست سهلة اليوم رغم أن المعارك تعتبر الأشرس والقوة النارية هي الأقوى منذ عام 2012. وعزا نجاح المعارضة في التقدم إلى التحضير الجيد والحشود التي كانت قد استقدمتها إلى المنطقة، مشيرا كذلك إلى أن التحام الفصائل مع النظام في بعض المناطق كما يحصل في ضاحية الأسد، هو الذي يعيق تحقيق قصف الطيران أهدافه، وليس غياب القصف الذي لا يزال موجودا وبشراسة على عكس ما يعمل الروس على إشاعته.
وقال مصدر قيادي عسكري لـ«شبكة شام الإخبارية»، إن معركة اليوم تستهدف السيطرة على أكبر قلاع الأسد في مدينة حلب، والتي تعتبر خط الدفاع الرئيسي للمدينة من الجهة الغربية، «وبسقوطها تمكن الثوار من دخول حي الحمدانية بشكل كامل والتقدم باتجاه الأحياء المحررة في مدينة حلب». وأضاف أن الثوار بدأوا بعمليات التمهيد المدفعي والصاروخي على مباني الأكاديمية العسكرية ومواقع قوات الأسد في مشروع 3000 شقة المحاذي له، في نية لاقتحام المنطقتين، والسيطرة عليهما في حال تمت الخطة المعدة لذلك بشكل صحيح.
وأكد أن عمليات الثوار ضمن معركة حلب الكبرى تسير ضمن الخطة المرسومة وبخطى ثابتة وتخطيط منضبط، تجنبت فيها الفصائل جميع الأخطاء التي وقعت فيها في المعركة الماضية، أبرزها، الإعداد الجيد للمعركة من النواحي النفسية والعسكرية والتدريب والعتاد، وتجنب الدخول من منطقة مكشوفة ككليات المدفعية التي أرهقت الثوار وجعلتهم هدفا مكشوفا للطائرات والمدفعية.
وأشار القيادي إلى أن الفصائل تمكنت خلال اليومين الأول والثاني من المعركة، من كسر الخط الدفاعي الأول بالسيطرة على بلدة منيان ومعمل الكرتون وضاحية الأسد، والمباني في مشروع 1070 شقة والتي كانت تتمركز فيها قوات الأسد.
وتدور منذ يوم الجمعة اشتباكات عنيفة عند أطراف الأحياء الغربية الواقعة تحت سيطرة قوات النظام في حلب، إثر هجوم شنته فصائل معارضة بينها خصوصا جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وحركة أحرار الشام وحركة نور الدين زنكي.
وقال مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتل 38 مدنيا، بينهم 14 طفلا، جراء مئات القذائف والصواريخ التي أطلقتها الفصائل المعارضة على الأحياء الغربية في مدينة حلب منذ بدء هجومها». وأشار إلى إصابة «نحو 250 آخرين بجروح».
من جهته، اتهم الإعلام الرسمي السوري الفصائل المعارضة باستخدام الغازات السامة في حلب ما أسفر عن إصابة نحو 35 شخصا بحالات اختناق، وهو الأمر الذي وصفته المعارضة بالادعاءات الكاذبة. وأكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن بدوره وجود «حالات اختناق في صفوف قوات النظام في حي الحمدانية ومنطقة ضاحية الأسد» من دون تحديد السبب.
وقال مصدر سوري ميداني لوكالة الصحافة الفرنسية إن هجوم الفصائل «ضخم جدا ومنسق».
وتمثل ذلك، بحسب قوله، «بالتمهيد الناري الكبير بصواريخ الغراد التي حصلوا عليها من جهات عربية، وبالعربات المفخخة، وبالمقاتلين الأجانب في صفوفهم».
في المقابل أكد عضو المكتب السياسي في حركة نور الدين زنكي ياسر اليوسف للوكالة نفسها، أن «معنويات الثوار مرتفعة جدا»، مشيرا إلى «هجوم مرتقب من داخل الأحياء الشرقية» لدعم العملية الجارية. وقال «لا تزال هناك مفاجآت كبيرة مستقبلا حول تنوع المحاور التي سيتم فتحها».
وأسفرت المعارك والغارات الجوية على مناطق الاشتباكات منذ الجمعة، بحسب المرصد، عن مقتل «أكثر من 50 مقاتلا سوريا وآخرين أجانب في صفوف الفصائل، وما لا يقل عن 30 عنصرا من قوات النظام والمسلحين الموالين لها» فضلا عن عشرات الجرحى.
ورغم الغارات السورية والروسية على مناطق الاشتباك منعا لتقدم الفصائل، لم تستهدف الطائرات الحربية الأحياء الشرقية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.