نص تخييلي يطرح السؤال الحارق: من نحن؟

عبد الكريم جويطي يتأمل في تاريخ وواقع المغاربة في روايته الجديدة

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

نص تخييلي يطرح السؤال الحارق: من نحن؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

صدرت، حديثًا، عن «المركز الثقافي العربي»، رواية جديدة للروائي والمترجم المغربي عبد الكريم جويطي، تحت عنوان «المغاربة». رواية مثيرة للفضول والانتباه بعنوانها، أولاً، وبمضامينها وجمالياتها، ثم بشخصية وتجربة كاتبها، الذي يتم تقديمه على أنه «روائي مقل، لا يكف عن البحث عن روايته الفريدة، تلك التي يعتصر فيها قدراته الإبداعية، ويشحذ فيها رؤيته الفنية، برغبة أن يمضي بها إلى مداها الأبعد والأقصى»، كما يقول الناقد والباحث نور الدين درموش؛ وبأنه مبدع له تجربة روائية «متفرّدة»، لها عناوينها الخاصة، تتميز ببحثها في «العمق المغربي وفي هموم الهامش (الجغرافي واللغوي والفكري)»، كما يرى القاص والروائي عبد العزيز الراشدي.
مع صورة غلاف الرواية، نكون مع لوحة «عراك بالهراوات» للفنان الإسباني الكبير فرانسيسكو دي غويا (1746 - 1828)، التي مزج فيها بين ظلال وألوان قاتمة، تنقل لمشهد رجلين وهما يتعاركان بالهراوات، من دون أمل في أن يفوز أحدهما على الآخر: مشهد درامي، نجد تقديمًا له على ظهر الغلاف، حيث نقرأ: «رجلان في عِراك دامٍ، يوشك أحدهما أن يجهَز على الآخر بضربة هراوة. أحدهما سيقتل في النهاية، يظهر ذلك من شراستهما، والعصف الكامن في جسديهما المندفعين والمتوثِبين، ثم ليس هناك مَن يفضّ الخصام الضاري بينهما. هراوتان في الهواء تأخذان نفسًا عميقًا وقاتلاً من الجاذبية لتهويان بقوة وحسم. هناك جلالٌ ما في هذا العراك الخرافي. بعد حين سيسفح دم، وسيخرّ جسد إلى الأرض، لكن ماذا سيفعل المنتصر بنصره؟ فالأرض من حولهما هضاب جرداء، متفحِّمة، وغاضبة، وأرجلهما تغوص تدريجيًا في الرمال. يتعاركان وهما لا يدركان بأنّ العدو الحقيقي يتمثَّل في الرمل الذي يستدرجهما إلى حتفها. أي عمى أصابهما؟ ألا يحتاج أحدهما إلى الآخر في هذه الأرض الجحيمية التي تتسع بفداحة لهما ولسلالتهما من بعدهما؟ في حمى الهجوم المتبادَل بينهما، والعاطفة العنيفة التي تزيِّن لأحدهما فكرة أنّ العالم سيكون أفضل من دون أحدهما، وفي اللحظة التي كان فيها كل شيء ممكنًا: يقتل أحدهما، يُقتلان معًا، يخرّان جريحين نازفين من دون إمكانية إسعاف. كان هناك شيء واحد يقف رابط الجأش بينهما محترسًا من إشراقة تعقُّل تنبثق بداخلهما فيتوقفان: إنها الجريمة في كمال وحشيتها وقداستها منذ أن دفع رُهاب المزاحمة قابيل لقتل أخيه هابيل. في خلفية لوحة غويا: (عراك بالهراوات) تتجمّع نذر عاصفة، ستقتلع كلّ شيء من جذوره وتطوح به بعيدًا. ما أغبى الإنسان! ما أغبى الإنسان!».

جويطي: أبطال الرواية هم المغاربة

عن اختياره «المغاربة» عنوانًا لعمله الإبداعي الجديد، قال جويطي لـ«الشرق الأوسط»: «كان المرحوم فؤاد زكريا يكرر دومًا بأن عنوان الكتاب تلخيص ميتافزيقي لمحتواه. وبهذا المعنى أنظر لعنوان الرواية، فهو محاولة تكاد تكون مستحيلة لقول رواية كاملة في كلمة أو كلمتين. لم أختر عنوان (المغاربة). لقد فرض نفسه علي، والأصدقاء الذين قرأوا الرواية، قبل نشرها، أجمعوا على أنه العنوان الدقيق للرواية. لم أتردد فأبطال الرواية هم المغاربة. قد يتساءل المرء من هم؟!! ولكن، الجواب بديهي، فكما علمتنا الفينومولوجيا، فإن الرواية تناولت المغاربة ليس كما هم (النومين) بل كما يمن دون لرواة الرواية (الفينومين). طبعًا، العنوان عتبة، وهذه العتبة تفتح تعاقدًا مع القارئ المفترض وتهيئه لقراءة نص حول الهوية المغربية، نص تخييلي سيحاول بكل ما يتيحه جنس الرواية من طاقة ومن حرية ومن قدرة على التهديم والبناء أن يدخل يده في السؤال الحارق: من نحن؟».
وعن مكانة رواية «المغاربة»، في مسيرته الإبداعية، بـعد «ليل الشمس» و«زغاريد الموت» و«زهرة الموريلا الصفراء» و«كتيبة الخراب»، يقول جويطي: «كتبت كل رواية من رواياتي بنفس الحرص والتروي والإخلاص للكتابة وحدها. لم أكتب من أجل مال ولا شهرة ولا مخافة أن أنسى من طرف الأوساط الأدبية. تفصل سنوات بين عمل وعمل أقضيها في تطوير قدراتي. لا شك أنني تطورت من رواية لأخرى وتشربت بعض أسرار المهنة. وإن كانت هناك مكانة لرواية (المغاربة) فهي أنها آخر ما تمكنت من إنجازه. إنها تجسيد لما وصلت له قدرتي وجهودي في الكتابة. أحرص دومًا على ألا أشبه نفسي، لا أستطيع التخلص من عوالم تسكنني وأسكنها وتدأب على الخروج كلما أمسكت القلم، لكنني أحاول أن أسيطر عليها ما أمكن، وأحاول أن أعيش بها مغامرة جديدة رؤية وشكلا. لا نكتب في النهاية إلا رواية واحدة متجددة وبتنويعات لا تمس الجوهر».
وعن اللغة السردية، والعوالم التخييلية للرواية، وسؤال الشكل، قال جويطي: «كتبت رواية (المغاربة) بنفسين سرديين: واحد قصير، ومكثف، ولاذع، يمضي للأهم، والآخر طويل يبني الجملة السردية بأناة وعدم انشغال بالحيز الذي تتطلبه. لم أكن معنيًا بشعرنة الخطاب، ولم أتصنع. كنت حريصًا على أن أهدم وأبني، وأعتقد أنني، بمواد تخييلية متباينة يقدمها التاريخ والحياة اليومية، قد تمكنت من رواية مشوقة استمتع بقراءتها وإعادة قراءتها نقاد وكتاب وقراء عاديون، رواية يمكن أن تقرأ كنشيد أو قصيدة طويلة».
وبخصوص الإضافة التي يمكن أن تقدمها الرواية المغربية، اليوم، للإبداع الروائي العربي، قال جويطي: «يبدع الروائيون المغاربة داخل فضاء حضاري ولغوي وتخييلي يمتد من المحيط إلى الخليج، ويمتحون من نفس المراجع والذاكرة النصية والثقافية، التي تغتني بخصوصية كل بلد ومنطقة. أعتقد أن التجربة الروائية المغربية، والتي يثريها كل يوم كتاب جدد، رسخت حضورها في المشهد الروائي العربي وقدمت له نصوص لافتة ومميزة. لحسن الحظ لم تعد هناك مراكز تحتكر كل شيء، فقد تساوى الكل. يعيش العالم العربي فترة عصيبة من التشرذم والانحطاط وتهاوي المثل والقيم ولا شك أن الكتابة الجيدة في هذا الواقع القيامي شكل مجيد من أشكال المقاومة للرداءة المعممة. إن إنتاج الجمال والمعنى وسط كل هذا الخراب مهمة نبيلة وتكاد تكون مقدسة».

في أعين النقاد

اتفقت قراءات ووجهات نظر عدد من النقاد والمبدعين المغاربة على الإشادة برواية «المغاربة»؛ فهي، بحسب الروائي والباحث حسن أوريد، «عمل روائي رصين»؛ كما أنها «رائعة وعميقة»، بحسب القاص أنيس الرافعي؛ في وقت رأى الشاعر والروائي ووزير الثقافة السابق، محمد الأشعري، أنها «محكمة البناء» و«متعددة الأبعاد، في شخصياتها وعوالمها ولغتها»؛ فيما رأى الكاتب والإعلامي لحسن لعسيبي أنها رواية «متعبة» و«ممتعة» و«مستفزة»: متعبة وممتعة، لأنها «لا تمنحك نفسها بسهولة في أول الصفحات، لكن مع توالي القراءة تكتشف أن المغاربة ربحوا روائيًا جديدًا، بصوت إبداعي مختلف». وهي مستفزة، لأنها «تستفز هويتنا، وتوقظ فينا مكامن السؤال»، من جهة أنها «تقتفي، عبر الأدب، أثر المغربي كمعنى سلوكي». أما الناقد والباحث نور الدين درموش، فرأى أنها «جاوزت الأبعاد المعتادة، كي تلامس أبعادًا أوسع وأعمق. إذ بدا طموحها، إدراك ما يمكن وسمه بـ(الكينونة المغربية)، ما تطلب اشتغالاً متأنيًا على التاريخ المغربي (قديمه ووسيطه وحديثه)، سواء بجعل هذا التاريخ خلفية للمصائر التي تعيشها شخوص الرواية، أو بجعل محطات التاريخ المتباعدة، موضوعًا لكتابات شذرية، مفعمة بالتأملات الحاذقة والكاشفة، أو بضم مقاطع من كتب ومدونات تاريخية مأثورة أو نادرة، ناطقة بفداحة وقائع تاريخية فارقة».
ولاحظ درموش أن «الرواية حاولت، وهي تنفذ إلى الطبقات المنضدة والمتراكبة للتاريخ المغربي، أن تصل إلى مكامنه القاسية والدامية والعنيفة؛ مكامن لم تلبث، بحكم تكرارها وتواترها وتلاحقها المزمن، أن اكتسبت صفة المكامن العابرة للتاريخ، أو صفة المكامن (اللازمنية)، وبالتالي، فالرواية، بطموحها هذا، حاولت أن تستخلص القار والثابت في حركة تاريخ عنيف ومدمر، أما الكينونة المغربية، فهي، في هذا السياق، نتاج ما بوسعنا، أن نسميه (عودًا أبديًا) لما يشبه (عدمًا تاريخيًا)، جاوز في حالاته الكثيرة حدود المأساة المأثورة». وختم درموش وجهة نظره، بإبداء ملاحظتين: «الأولى، لها علاقة بالتاريخ أو بكتابة التاريخ. فالتاريخ، في رواية (المغاربة)، (مادة)، تشتغل عليها الرواية بطريقة تخالف اشتغال المؤرخ. الرواية تخلص التاريخ من وثوقيته، كي تبقيه مشرعًا على الاحتمال والممكن. وهي لذلك، لا تسعى إلى الإثبات والتأكيد، لأن هاجسها ليس هو قول: «الحقيقة»، بل تحرير (الحقيقة) من ذاتها، كي تصبح احتمالاً. وهو ما نلمسه بوضوح في بعض محكيات الرواية، محكيات لا تلبث أن تنقلب على نفسها، واضعة موضع الارتياب كل ما أبانت أو أفصحت عنه. نلمس ذلك، أيضًا، حين يطلق السارد قهقهات عالية، يسخر من كلامه الذي أوغل في بناء المعنى، بشكل يوهم القارئ بالتشكل الصلب لحقيقة ثابتة. أما الملاحظة الثانية، فهي ذات علاقة بالرؤية التي تكتنف الرواية. إذ إن رؤية الرواية ليست في العمق، رؤية تاريخية برغم الحضور الكثيف والمطرد للتاريخ، إنها بالأحرى رؤية وجودية، رؤية لوجود إنساني موسوم في أساسه بالرثاثة والفظاظة والعدم. أما التاريخ في الرواية، فهو تمظهر (ملموس)، أو تجل (عياني)، لوجود إنساني (أصله) مختل ومنحط وقاتم».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».