البطيخ.. خرج إلى العالم من أفريقيا

زرعه العرب في قرطبة وإشبيلية

البطيخ.. خرج إلى العالم من أفريقيا
TT

البطيخ.. خرج إلى العالم من أفريقيا

البطيخ.. خرج إلى العالم من أفريقيا

البطيخ من الفواكه المحبوبة في فصل الصيف وله الكثير من الفوائد الغذائية ويمثل ركنا أساسيا ضمن فواكه المائدة العربية. ولكن نشأة البطيخ الأولى كانت في أفريقيا الاستوائية وجنوب أفريقيا، حيث ما زالت أصوله الجينية متاحة بأنواع مختلفة في هذه المناطق منها ما لا يصلح للاستهلاك الآدمي.
ومن أفريقيا انتشرت زراعة البطيخ في وادي النيل منذ القرن الثاني قبل الميلاد ووجدت بعض بذور البطيخ في مقبرة توت عنخ آمون. وفي القرن السابع كان البطيخ يزرع في الهند ومع حلول القرن العاشر الميلادي انتقل البطيخ إلى الصين التي تعد حاليا أكبر الدول زراعة واستهلاكا للبطيخ.
وقدم العرب البطيخ إلى أوروبا عن طريق الأندلس حيث توجد آثار لزراعته في قرطبة في عام 961، وفي إشبيليه في عام 1158، وبدأ البطيخ يظهر في كتب الطبخ الأوروبية بداية من القرن السابع عشر وكان يزرع في الحدائق الأوروبية خلال هذه القرن ولم يحد من انتشاره في أوروبا إلا حاجة النبات إلى صيف حار وجاف وهو ما لا يتوافر في دول وسط وشمال أوروبا.
وحملت تجارة العبيد من أفريقيا نباتات البطيخ معها إلى العالم الجديد وزرعه الإسبان في فلوريدا في عام 1576، ثم انتقل إلى دول أميركا اللاتينية في القرن السابع عشر. كما قدم المستكشفون الإنجليز من أمثال الكابتن جيمس كوك البطيخ إلى هاواي وجزر المحيط الهادي.
ويزرع البطيخ في موسم الربيع ويستغرق النبات مائة يوم لإنتاج أول حصاد لثمار البطيخ. وتنتج الثمرات من زهور بيضاء أو صفراء اللون يعضها لا يحتاج إلى تلقيح. وينمو البطيخ البري إلى حجم 20 سنتيمترا لمحيط الثمرة بينما البطيخ المستأنس يمكن أن ينمو إلى حجم كبير بمحيط 60 سنتيمترا. ويتميز البطيخ بقشرة خضراء فاتحة أو داكنة أحيانا بخطوط خضراء داكنة. أما قلب البطيخ فهو أحمر اللون ببذور سوداء صلبة أو بيضاء رخوة.
وتوجد أصناف مستنبطة من البطيخ الخالي من البذور وهو يحتوي على بذور بيضاء ضامرة يمكن أكلها. وفيما ينتشر البطيخ أحمر اللون إلا أن هناك أنواعا بألوان أخرى منها البرتقالي والأصفر والأخضر والأبيض.
وفي الخمسينات تعاونت عدة جامعات أميركية مع وزارة الزراعة الأميركية لاستنباط أنواع جديدة من البطيخ مقاومة للأمراض ويمكن زراعتها في بيئات مختلفة. وكانت النتيجة نوعا من البطيخ يسمى تشارلستون مستطيل الشكل سميك الجلد وشديد التحمل لكافة ظروف النمو.
واستمرت الأبحاث في الستينات لإنتاج أنواع تتميز بحلاوة المذاق وغزارة المحصول. وبدأت في ذلك الوقت أيضا محاولات إنتاج أنواع من البطيخ بلا بذور، ونجحت المحاولات الأولى وإن كانت باهظة الثمن حيث كان الأمر يتطلب تهجين عدة أنواع من البطيخ بعضها غير مثمر.
وينتج المزارعون الآن البطيخ تجاريا في 44 ولاية أميركية وتوفر عدة ولايات جنوبية أعلى معدلات الإنتاج منها تكساس وفلوريدا وجورجيا وكاليفورنيا وأريزونا.
وفي بعض الولايات الجنوبية يأكل الناس قشر البطيخ أيضا بعد طبخه بطريقة القلي السريع أو السلق ويصنعون منه الكثير من أنواع الطعام وأحيانا يتم تخليله.
وبلغ من حجم ثمار البطيخ الكبيرة أن بعض منافذ البيع تقطعها إلى إنصاف أو أرباع ليسهل بيعها للأفراد. وتحقق الرقم القياسي لحجم ثمرة بطيخ في عام 2013 عندما بلغ وزن بطيخة في ولاية تينيسي 159 كيلوغراما. وفي ولاية أوكلاهوما أصدر مجلس شيوخ الولاية قرارا في عام 2007 باعتبار البطيخ هو النبات الرسمي للولاية مع اختلاف في الرأي حول ما إذا كان البطيخ من الخضراوات أو من الفواكه.
ويعد البطيخ نباتا استوائيا ومداريا ويحتاج إلى درجات حرارة أعلى من 25 درجة مئوية. والأفضل زراعة البطيخ في تربة رملية جيدة الصرف بمعدلات متوسطة من النيتروجين. وهناك الكثير من الأمراض التي يمكن أن تصيب البطيخ خصوصا في المناخ الرطب، ولذلك تعد بيئة البحر المتوسط والشرق الأوسط مثالية لزراعته.
وينتج العالم 95.2 مليون طن، منها 70 مليون طن تنتجها الصين وحدها. وأكبر الدول الأخرى المنتجة للبطيخ تشمل تركيا (أربعة ملايين طن) وإيران (3.8 مليون طن) والبرازيل (مليونا طن) ومصر (1.8 مليون طن).
ومما يذكر أن مزارعي اليابان اكتشفوا طريقة لزراعة بطيخ مكعب الشكل وذلك بإدخال الثمار في زجاجات مكعبة أثناء مرحلة نموها. وكان الابتكار أساسا بغرض تسهيل مهمة شحن وتخزين الثمار. ولكن التجربة لم تنتشر لأن ثمن البطيخ المكعب كان أعلى من ضعف ثمن البطيخ العادي. ولا تصلح بعض الأنواع للاستهلاك الآدمي نظرا لمرارة طعمها وقطفها قبل كامل نموها. وهي تستخدم لأغراض الزينة. وهناك بعض الأنواع التي تتخذ الشكل الهرمي بوسائل نمو مماثلة.
وهناك أكثر من 1200 نوع من البطيخ تتراوح في الشكل والحجم والوزن ما يبن أقل من كيلوغرام واحد إلى أكثر من 90 كيلوغراما. كما تختلف ألوان البطيخ بين الأصفر والأحمر والأبيض والبرتقالي. وتؤكل أيضا بذور البطيخ بعد شيها. وفي بعض الدول الآسيوية يتم تناول بذور البطيخ أثناء احتفالات العام الجديد.
الفوائد الغذائية للبطيخ متعددة حيث تحتوي كمية 100 غرام من البطيخ على 127 سعرا من الطاقة و7.5 غرام من النشويات و6.2 غرام من السكر و0.4 غرام من الألياف و0.61 غرام من البروتين. هذا بالإضافة إلى نسبة كبيرة من الفيتامينات المتنوعة، أبرزها فيتامين ج، والأملاح التي تشمل الكالسيوم والحديد والمغنيسيوم والمنغنيز والفوسفور والبوتاسيوم والصوديوم والزنك. ويتكون البطيخ من 91 في المائة من الماء.
وهو من أفضل أنواع الغذاء في فترة الصيف لأنه منعش ومغذ ويمد الجسم بالماء والفيتامينات والطاقة ولكن بسعرات حرارية قليلة.
* الفوائد الغذائية للبطيخ متنوعة
الكثير من الدراسات تشير إلى فوائد صحية جمة للبطيخ خصوصا في خفض مخاطر أمراض السمنة والقلب والسكر. وهو مفيد لصحة الجلد والشعر والحفاظ على الوزن المثالي. وكشفت بعض الدراسات أن تناول البطيخ بانتظام يخفف من أعراض الربو ويساعد في منع الإصابة بالإنفلونزا نظرا لنسبة فيتامين ج العالية فيه. وأعلنت مطبوعة «أميركان جورنال أوف هايبرتنشن» المختصة بأمراض ضغط الدم العالي أن البطيخ يحتوي على مواد تخفض من ضغط الدم خصوصا في كبار السن من البدناء. كما أشارت إلى أن البطيخ يحسن أداء الأوعية الدموية ويساهم في الحماية من أمراض القلب.
ويعتبر البطيخ أيضا من الأغذية المضادة للأكسدة التي تساهم في مكافحة إصابة الجسم بالسرطان وخصوصا سرطان البروستاتا في الرجال، وفقا لعدد من الدراسات. وهو أيضا مانع للإمساك ويساهم في تنظيم عمل الجهاز الهضمي وإمداد الجسم بالماء.
ويحتوي البطيخ أيضا على مادة الكولاين (Choline) المهمة في مساعدة الجسم على مكافحة الالتهابات وتسهيل حركة العضلات وتحسين الذاكرة والحفاظ على الخلايا. ويساهم عصير البطيخ أيضا على شفاء ألم العضلات من الإجهاد في وقت أسرع بعد التمرينات العنيفة للرياضيين.
والبطيخ مفيد أيضا للجلد والشعر لأنه يحتوي على فيتامين ألف كما أن قشر البطيخ يحتوي على الأحماض الأمينية التي تحافظ على صحة القلب ونظام المناعة. كما أثبتت دراسات أن البطيخ يعد من أكثر الفواكه تكاملا في مجموعة الفيتامينات والمعادن التي يوفرها.
* كيفية التعرف على البطيخة الناضجة؟
- البطيخة الناضجة يجب أن تكون ثقيلة بالنسبة إلى حجمها.
- القشرة يجب أن تكون ناعمة والخطوط الخضراء عليها واضحة ومتناسقة.
- لا بد أن تكون قمة البطيخة جافة.
- البقعة التي ترقد عليها البطيخة على الأرض يجب أن تكون صفراء اللون وليست بيضاء.
- الضرب على البطيخة باليد يجب أن ينتج عنه صوت مكتوم وليس رنانا.
ويجب اختيار البطيخ العضوي ومسح قشر البطيخة بقماشة مبللة قبل قطعها وحفظ البطيخة بعد قطعها في البراد. ويمكن أكل قشر البطيخ بعد عصر الليمون عليه بدلا من إلقائه في القمامة. كما يتعين أكل البطيخ قبل الوجبات وليس بعدها للمساعدة على الهضم.



أطباق مائدة الربيع تتلون بنبض الطبيعة

طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
TT

أطباق مائدة الربيع تتلون بنبض الطبيعة

طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)

بعيد انتهاء فصل الشتاء وتناول الأطعمة الساخنة من حساء ويخنة، تتفرغ ربات المنزل لاستقبال فصل الربيع، فمعه تأخذ الأطباق منحى مغايراً، بحيث تتلوّن بفواكه وخضار الربيع اللذيذة. الفول والبازلاء يتصدران اللائحة، بينما الأفوكادو والفراولة والجنارك تجتمع في أطباق واحدة لتؤلِّف سلطات بطعم الربيع المنعش والشهي.

الجنارك مكون محبوب في السلطة الربيعية (إنستغرام)

ولا يقتصر حضور هذه المكونات على نكهتها المميزة فحسب، بل يتعداه إلى قيمتها الغذائية العالية. فهي غنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي يحتاج إليها الجسم لاستعادة نشاطه بعد فصل الشتاء. كما تتميز أطباق الربيع بخفتها وسهولة هضمها، ما يجعلها خياراً مثالياً لمَن يسعون إلى نظام غذائي متوازن وصحي. وتسهم هذه المائدة المتنوعة في تعزيز المناعة وإمداد الجسم بالطاقة، إلى جانب إضفاء لمسة جمالية على السُّفرة بألوانها الزاهية التي تعكس روح الطبيعة في هذا الفصل.

هكذا يتحوَّل الربيع إلى فرصة لإعادة ترتيب العادات الغذائية، والعودة إلى المكونات الطازجة والبسيطة التي تجمع بين الفائدة والطعم، فتغدو المائدة مساحةً للاحتفاء بالحياة وتجدّدها.

الفول الأخضر من خضار الربيع الشهية (إنستغرام)

سلطات الربيع نكهة وفائدة

تُعدُّ أطباق السلطة من أكثر الأكلات التي تُقبل ربّة المنزل على تحضيرها لمائدة شهية. وفي فصل الربيع تكثر الخضراوات والفواكه التي تتزيّن بها هذه الأطباق. فتدخل في مكوّناتها بانسجام، كما يؤلّف شكلها الخارجي مشهداً يجذب النظر قبل التذوّق.

5 وصفات لسلطات ربيعية بامتياز

- سلطة اللوز الأخضر مع الجرجير

يُعدُّ اللوز الأخضر من المكوّنات التي يمكن استخدامها فاكهةً وخضاراً في آن واحد، مع إضافة أنواع خضار أخرى إليه بحيث يكتمل المذاق المرغوب في أطباق السلطة.

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى باقة من الجرجير (روكا)، و3 حبّات من الخيار، ونصف خسّة، وكوب من النعناع الأخضر، و30 غراماً من حبّات الرمان، و50 غراماً من بذور اليقطين المقشّرة، إضافة إلى ربع كوب من عصير الليمون الحامض، وحبّتَي جزر مبروشتين، ورشّة سمّاق، وملعقة من زيت الزيتون.

سلطة اللوز الأخضر مع الجرجير (إنستغرام)

يُقطَّع اللوز الأخضر إلى شرائح صغيرة ويُنقَع في الماء. في هذه الأثناء، يُفرم الجرجير والخيار والخس إلى قطع متوسطة، ثم يُضاف إليها اللوز المنقوع والجزر المبشور وبذور اليقطين. يُمزَج الخليط جيداً، ويُزيَّن بأوراق النعناع وحبَّات الرمان ورشّة من السمّاق. أخيراً، تُضاف الصلصة المؤلّفة من زيت الزيتون وعصير الليمون وملعقة من دبس الرمان مع رشّة ملح.

- سلطة الجنارك مع خس «آيسبيرغ»

يُعدُّ الجنارك من الفواكه المحبّبة لدى اللبنانيين، إذ يشكِّل تناوله مع الملح طقساً ربيعياً يجمع الكبار والصغار.

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى 300 غرام من الجنارك، ونصف خسّة «آيسبيرغ»، ونصف كوب من البندورة الكرزية، ونصف كوب من الأرضي شوكي المقطّع.

أما الصلصة فتتألّف من ملعقتين من خلّ البلسميك، وملعقة من زيت الزيتون، ونصف كوب من البقدونس المفروم، مع رشّة ملح.

يُقطّع الجنارك والخس والبندورة الكرزية، ثم تُضاف إليها قطع الأرضي شوكي الطازجة. تُسكَب الصلصة فوق المكوّنات وتُقدَّم السلطة باردة بعد وضعها في الثلاجة لنحو ساعة.

سلطة المانغو مع البازيلا الخضراء (إنستغرام)

- سلطة الفول الأخضر والأفوكادو

تُعدُّ هذه السلطة من الأطباق السريعة التحضير، وهي صحية ومنعشة في آن.

لتحضيرها، يُخلط 500 غرام من حبوب الفول الأخضر مع حبّتين من الأفوكادو المقطّع إلى مكعّبات، و3 أعواد من البصل الأخضر المفروم، ونصف كوب من البندورة الكرزية، مع رشّة من الزعتر الأخضر.

تُخلط المكوّنات جيداً، ثم تُضاف إليها الصلصة المؤلّفة من ثوم مهروس وعصير ليمون وزيت زيتون مع رشّة ملح. ويمكن إضافة ملعقة صغيرة من الكمّون حسب الرغبة.

- سلطة الفراولة مع الجرجير والجوز

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى ضمّتين من الجرجير المقطّع، وكوب ونصف الكوب من الفراولة المقطّعة، وبصلة مفرومة شرائح، و150 غراماً من جبن الفيتا، و50 غراماً من الجوز.

يُوضع الجرجير في وعاء التقديم، ثم تُضاف إليه الفراولة والبصل، ثم جبن الفيتا والجوز. أما الصلصة فتتألّف من عصير الليمون، وملعقة صغيرة من العسل، وأخرى من الخردل، وملعقة كبيرة من زيت الزيتون، مع رشّة ملح وبهار أبيض. تُسكب الصلصة فوق المكوّنات وتُقدّم فوراً.

- سلطة المانجو مع البازلاء الخضراء

تجمع هذه السلطة بين الطعم الحلو والمنعش للمانجو، ونكهة البازلاء الطازجة، مع غنى الحمص، لتقدَّم طبقاً ربيعياً صحياً ومتكاملاً. وتتألّف من حبّة مانجو ناضجة مقطّعة إلى مكعّبات. وكوب من البازلاء الخضراء (طازجة أو مسلوقة قليلاً) وكوب من الحمص المسلوق، ونصف كوب من البندورة الكرزية المقطّعة. وربع كوب من البصل الأحمر المفروم ناعماً. وحفنة من الكزبرة أو النعناع (حسب الرغبة)

ولتحضير الصلصة يلزمنا عصير ليمونة واحدة، وملعقة كبيرة زيت زيتون، وملعقة صغيرة دبس رمان.

في وعاء كبير تُخلط مكعّبات المانجو مع البازلاء والحمص والبندورة والبصل. تُضاف الأعشاب الطازجة وتُقلّب المكوّنات بلطف.

وفي وعاء صغير، تُحضّر الصلصة بمزج عصير الليمون مع زيت الزيتون ودبس الرمان والملح والبهار. تُسكب فوق السلطة وتُحرّك بخفّة كي تتوزّع النكهات دون أن تفقد المانجو قوامها. تُقدّم السلطة باردة، ويمكن تبريدها لمدة قصيرة قبل التقديم لتعزيز النكهة.


«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»
TT

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

من قلب مدينة نصر، يختزل مطعم «المذاق العراقي» المسافة بين بغداد والقاهرة مقدِّماً تجربة طهي أصيلة تعتمد على دسامة المكونات وروح البيوت، ليتحول من مجرد وجهة للطعام إلى ناقل لإرث بلاد الرافدين إلى مصر.

ومع محدودية المطاعم العراقية في القاهرة، فإن مطعم «المذاق العراقي»، الكائن بحي مدينة نصر بالقاهرة (شرق القاهرة) يبدو محافظاً على الطابع الأصيل.

تضم قائمته الأطباق الشائعة التي تجتمع عليها العائلات، وتُقدّم بروح ربات البيوت؛ لكون أفراد الأسرة العراقية المؤسسة للمطعم كانوا يشرفون بأنفسهم على الطهي في بداياته، مما منح المطعم سمعة مميزة بين الجالية العراقية في مصر.

قطع "التكة" (اللحم أو الدجاج) تُشوى بعناية فائقة داخل مطعم "المذاق العراقي"

يوضح المسؤول عن إدارة المطعم، علي أبو شادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المطبخ العراقي هو مطبخ دسم بامتياز، وهذه ليست مجرد صفة، بل هي منهج في أطباقه المحضّرة بإتقان؛ فهو يعتمد على لحم الخراف الطبيعي».

وأشار إلى أنه عندما قرر المطعم تقديم الطعام الشعبي: «كان علينا الاحتفاظ بهذه السمة في الطهي، مع التمسُّك بأعلى جودة للمكونات، ونقل روح البيت العراقي بكل تفاصيله؛ لذا المذاق الذي نقدمه هنا في مصر هو ذاته الذي تجده في بغداد. زوارنا يشعرون وكأنهم في دعوة منزلية بالعراق».

السمك المسكوف أحد الأطباق الأساسية في المطبخ العراقي

من بين الأصناف التي تمتلئ بها قائمة الطعام، يرشح أبو شادي تجربة طبق «القوزي»؛ كونه وجبة متكاملة، قائلاً: «إذا أراد الزائر تذوق الروح العراقية في طبق، فنحن نرشح له القوزي بلا منازع؛ فهو يعتمد في أساسه على قطعة من لحم خروف (الموزة) التي تُطهى بعناية، وهذا اللحم يُقدم أعلى طبقة من الأرز المُعَدّ على الطريقة العراقية، سواء كان أبيض أو أصفر، والمزيّن بالشعيرية واللوز والزبيب».

أما «الدليمية»، فتعتمد على قطعة اللحم الناضجة جداً، ولكن سرّها يكمن في «خبز التنور»، المقطع والمغمس في صلصة حمراء (المرق)، وتوضع أعلاه طبقات الأرز واللحم، مما يخلق مزيجاً من القوام والطعم اللذيذ.

يقدّم المطعم كذلك طبق البرياني باللحم والدجاج بطريقة خاصة تختلف عن البرياني الهندي؛ إذ لا يُقدم حاراً، بل يُحضَّر بأسلوب صحي مريح للمعدة، يعتمد الطبق على القرفة والتوابل ليمنحه مذاقاً بارداً، ويُقدَّم مع البسلة والجزر والبطاطس إلى جانب المرق والأرز.

بالوصول إلى «الدولمة»، فأنت أمام سيدة المائدة العراقية، وهي ليست مجرد أصناف محشية، بل هي مجموعة خضراوات (الباذنجان، الفلفل، البصل، وورق العنب) تُطهى جميعاً في إناء واحد، لكي تتحد في نكهة واحدة، وتكتمل هذه الوجبة حين توضع في قاعها ريش لحم الخروف (الضلوع)، لتتحول عند التقديم إلى لوحة فنية تُطلب بالاسم في العزائم الكبرى.

«المشاوي»، ركيزة أساسية لا تكتمل التجربة العراقية من دونها، وتعتمد على لحم «الضأن» الدسم، ومن بينها يبرز الكباب (الكفتة)، الذي يحضّر بمزيج من اللحم مع الأعشاب والتوابل والبهارات التي تضيف نكهة مميزة تذوب في الفم، ويُشوى على السيخ العريض، ويُقدم مع الطماطم والبصل والفلفل المشوي. وتمتد قائمة المشاوي لـ«التكة» (قطع اللحم أو الدجاج) التي تُشوى بعناية فائقة.

أما «الكص العراقي» (الذي يماثل الشاورما المصرية أو السورية)، فهو يُحضّر من اللحم أو الدجاج، ولها نظام خاص في التتبيل والتقطيع، فلا تُقدَّم كقطع ناعمة، بل تكون القطع كبيرة وواضحة، ومعتمدة بشكل أساسي على اللحم الضأن، الذي يتميز بدسامته العالية.

لم يغفل المطعم عن تقديم «الباجة»، تلك الوجبة المحببة لدى الكثير من العراقيين وتقدم في المطاعم الشعبية، يقول «أبو شادي»: «الباجة عندنا ليست مجرد أكلة، بل هي طقس عراقي بامتياز، تتكون من نصف رأس خروف مع الأرجل، وتُطبخ معها الأحشاء (الكرشة) التي تُحشى باللحم واللوز والبهارات، وتُقدم مع الخبز المنقوع بماء اللحم؛ فهي طبق لا يعترف بأنصاف الحلول، نظراً للمكونات الدسمة والمغذية».

"الدولمة" تُطلب بالإسم في العزائم الكبرى

لا يمكن الحديث عن المطبخ العراقي دون ذكر السمك المسكوف؛ حيث تُستخدم أنواع مخصصة، مثل سمك الكارب أو البني، المرتبطين بنهري دجلة والفرات، ويشترط ألا يقل وزن السمكة عن كيلوغرامين لتتحمل الشواء؛ حيث يُشوى السمك على الفحم لمدة تصل إلى ساعة كاملة لتذوب دهون السمكة، مما يمنحها مذاقاً مميزاً.

طبق البرياني باللحم أو الدجاج يُحضَّر بأسلوب صحي

وحتى تكتمل التجربة العراقية داخل المطعم، يُقدم للزبائن كوب اللبن الرائب ليوازن ثقل الأطباق الدسمة، هذا الشراب المعروف باسم «لبن أربيل» يتميز بطعمه الحامض، ويُعد جزءاً أصيلاً من المائدة العراقية، ولا يقتصر دوره على النكهة، بل يحمل فوائد صحية، أبرزها تعزيز عملية الهضم وتخفيف أثر الأطعمة الثقيلة على المعدة.

يقدم المطعم أطباقه وسط ديكورات بسيطة، سواء في الموائد أو الحوائط، وتلفت الانتباه بعض اللقطات القديمة لشوارع بغداد، فيما تستقبل الزوار عبارة «تفضل أغاتي»، الشائعة في اللهجة العراقية، التي تستخدم للترحيب والتقدير لضيوف المكان.


مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
TT

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية وتجارب طعام فاخرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر.

من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل مبانٍ تاريخية قديمة إلى فنادق ومطاعم فخمة، مبنى في منطقة «كوفنت غاردن» كان يستخدم قسم منه مركزاً للشرطة، والقسم الآخر كان محكمة للجنايات، واليوم تحول إلى فندق «نوماد»، ونفس الشيء حصل مع «ذا نيد» الذي احتفظ بالعناصر المعمارية الأصلية لمبناه مثل الأعمدة الضخمة والجدران العالية، بينما أُعيد توظيف المساحات لتضم مطاعم متعددة وراقية. هذا النوع من التحويل يعكس توجهاً واسعاً في المدينة للحفاظ على التراث المعماري بدل هدمه، ومنح الزائر تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والمذاق في آنٍ واحد.

من صالة مصرفية الى مطعم ياباني في قلب لندن (الشرق الأوسط)

كما شملت هذه الظاهرة المباني الدينية أيضاً، إذ تم تحويل بعض الكنائس أو أجزاء منها إلى مطاعم، ومن أبرزها مقهى يقع داخل كنيسة «سانت مارتن إن ذا فيلدز» بالقرب من ميدان ترافالغار حيث يجلس الزوار لتناول الطعام وسط أجواء معمارية تعود لقرون مضت، و«ميركاتو مايفير» المبنى الذي يضم عدة مطاعم، وكان في الماضي كنيسة شهيرة في المنطقة ولا تزال تحتفظ بديكوراتها الداخلية الأصلية بما فيها المذبح الذي بقي على ما كان عليه.

وأجدد مثال على هذه الطفرة التحويلية في استخدام المباني التاريخية، افتتاح مطعم «أكي» (Aki London) في منطقة مارليبون، وتحديداً في ساحة كافنديش، فخلف أبواب ضخمة أنيقة تختبئ قصة مبنى عريق كان في السابق فرعاً لمصرف «ناتويست»، أحد البنوك البريطانية التقليدية التي شكلت جزءاً من الحياة المالية للمدينة لعقود طويلة.

مجموعة من الاطباق المعروفة في "أكي" (الشرق الأوسط)

اليوم، وبعد عملية ترميم وتحويل دقيقة، تحوّل هذا المبنى إلى مساحة فاخرة تحمل طابعاً يابانياً معاصراً، حيث تمتزج التفاصيل المعمارية الأصلية، مثل الأسقف العالية والزخارف التاريخية، مع تصميم داخلي حديث يوازن بين الفخامة والهدوء. وهكذا، لم يعد المكان مجرد مبنى مصرفي قديم، بل أصبح وجهة طعام تعكس كيف يمكن للتراث المعماري أن يُعاد إحياؤه بروح جديدة تماماً. أول ما تشاهده عند دخولك إلى المطعم الخزنة المصرفية التي تستخدم اليوم كحاوية للمشروب، وتحولت القاعة المصرفية إلى واحة من الأرائك المخملية الخضراء التي تتناغم مع لون الجدران الداكن.

افتتح «أكي» في سبتمبر (أيلول) 2025، ويقدم أطباقاً يابانية مع لمسة من الدفء المتوسطي، ويعتمد في مطبخه على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، تصميمه يمزج ما بين الأسلوبين الأوروبي والياباني، وهو يحمل توقيع المصمم العالمي فرانسيس سولتانا.

أطباق أكي يابانية ممزوجة بقالب من العصرية (الشرق الأوسط)

الطابق العلوي من المطعم كان في الماضي الصرح الرئيس للمصرف، وتمت عملية التحويل بطريقة حافظت على عظمة المبنى التاريخية، وكلفت 15 مليون إسترليني، وتمت إضافة لمسات فنية مستوحاة من اليابان. واستلهم سولتانا تصميمه من معرض الشاشات اليابانية في متحف المتروبوليتان في نيويورك ليخلق مساحة تلتقي فيها الأناقة الأوروبية بالحرفية اليابانية.

ميزة المطعم أسقفه العالية والإنارة الموزعة عليها مع لوحات فنية عملاقة وجميلة مع استخدام أقمشة الكيمونو التراثية التي تضيف عمقاً بصرياً. يمكن الاختيار بين تناول الطعام في قاعة الطعام في الطابق العلوي أو في الطابق السفلي الذي يضم غرفة طعام خاصة للذين يفضلون الأكل في خصوصية تامة.

طريقة تقديم عصرية وأنيقة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الطعام الساشيمي، والنيغيري، ولفائف السوشي، والتيمبورا، وأطباق الروباتا، والواجيو، والأرز، والحلويات.

بدأنا بطبق إديمامي مع ملح الكمأة، ومن ثم تناولنا تارتار تونة التشو تورو مع كافيار الياسمين والأرز البني الذي يضيف إليه النادل أمامك صلصة صويا خاصة بالساشيمي معتّقة لمدة 50 عاماً فوق الطبق، بالإضافة إلى جيوزا لحم الواجيو مع ميسو البصل والكمأة. كما كانت قطع لحم الضأن «لومينا» من الأطباق اللذيذة جداً، بفضل طراوتها وتتبيلتها بالكيمتشي التي منحتها نكهة مالحة وحارة. في حين كان طبق سي باس التشيلي غنياً بالنكهة.

أما بالنسية للحلويات فجرّبنا «ميلك تشوكلايت ناميلاكا» الذي يستغرق تحضيره 8 ساعات، وتستخدم فيه الشوكولاتة الداكنة المستوحاة من حضارة المايا.