إيمانويل ماكرون: «بروتوس» جديد في الحياة السياسية الفرنسية

سياسي واقتصادي مستقبلي متميز بـ«ليبراليته» وطموحه

إيمانويل ماكرون: «بروتوس» جديد في الحياة السياسية الفرنسية
TT

إيمانويل ماكرون: «بروتوس» جديد في الحياة السياسية الفرنسية

إيمانويل ماكرون: «بروتوس» جديد في الحياة السياسية الفرنسية

من الثابت أن إيمانويل ماكرون، النجم الصاعد في سماء فرنسا السياسية، لن يصبح رئيسا للجمهورية في شهر مايو (أيار) من العام المقبل. والمرجح أنه لو ترشح لهذا المنصب، فإنه لن يجتاز الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي تبين استطلاعات الرأي أن الهيمنة عليها ستعود لمرشح اليمين - الرئيس السابق نيكولا ساركوزي أو رئيس الحكومة الأسبق ألان جوبيه - من جهة، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن من جهة أخرى. ولكن رغم ذلك كله، فإن الأنظار كلها منصبة على ماكرون الذي أطلق عليه الاشتراكيون الفرنسيون لقب «بروتوس» قاتل الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر عام 44 قبل المسيح. بروتوس، الذي كلّمه القيصر قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قائلا له: «حتى أنت يا بروتوس؟!» كان الابن غير الشرعي ليوليوس قيصر من عشيقته سرفيليا. وسياسيا، كان بروتوس صنيعة يديه لأنه مكّنه من الدخول إلى مجلس الشيوخ. لكن الوعود أغرت بروتوس بخيانة ولي نعمته فلم يرجف ذراعه عندما وجه ضربات نصله إلى «والده» القيصر.

إذا كان إيمانويل ماكرون قد «خان» ولي نعمته الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، فلأنه استقال من الحكومة الاشتراكية وأسس في الربيع الماضي حركة «إلى الأمام»، التي تحمل هيئة الحزب السياسي، مُخطِّطًا لها أن تكون منصته للوصول إلى المنصب الأعلى في الجمهورية الفرنسية.
حتى الآن، امتنع ماكرون - وهو وزير الاقتصاد السابق - عن الإعلان عن ترشحه الرئاسي وهي حال الرئيس هولاند نفسه، الذي قرّر تأجيل الكشف عن نياته إلى شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل. إلا أن الرئيس الحالي يجد نفسه في وضع صعب للغاية، فشعبيته وفق آخر استطلاع للرأي لم تعد تتجاوز الـ4 في المائة وهي نسبة حضيضية لم يهبط إليها أي من الذين سبقوه إلى قصر الإليزيه منذ تأسيس «الجمهورية الخامسة» على يدي الرئيس الجنرال شارل ديغول في 4 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1958. لكن المؤشرات كلها تدل على أن ماكرون سائر في مشروعه السياسي الذي سيقوده لا محالة إلى المنافسة الرئاسية سواءً ترشح هولاند أم لم يترشح. ذلك أنه منذ خروجه من الحكومة، دأب وزير الاقتصاد السابق على انتقاد عهد هولاند متهما إياه بـ«الميوعة»، وبالتراجع عن تطبيق الإصلاحات الجذرية التي تحتاجها فرنسا، مع العلم أنه كان طيلة سنتين «مشاركا» في عمل الحكومة. وبالتالي، يمكن اعتباره، سياسيا ومعنويًا، مسؤولاً عن الفشل إذا كان هناك فشل.. وشريكًا في النجاح في حال أفضت السياسة المتبعة إلى نجاح ما.
مقابل «بروتوس - ماكرون» الخائن، يلبس رئيس الجمهورية صورة المسؤول «الساذج». فعلى الرغم من التحذيرات التي جاءته من أكثر من مصدر، قال هولاند علنا إنه «يثق» بولاء ماكرون لأنه «يدين له بكل شيء». والحال أن الأول قتل «الأب» سياسيا، بحسب نظرية مؤسس علم النفس سيغموند فرويد. وظاهرة «القتل السياسي» تقليد شائع ولا يعرف الحدود والعصور. ألم يعتد بعض سلاطين الخلافة العثمانية قتل أبنائهم مخافة أن ينازعوهم السلطة؟
لا يسار ولا يمين
إيمانويل ماكرون، الرجل الذي ما زال دون الأربعين، يريد أن يكون «ظاهرة» الحياة السياسية الفرنسية. وهو يقول إنه لا ينتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار بل يريد تخطي «الثنائية القطبية» التي يرى أنها لم تعد تتوافق مع العصر الحالي. إنه عازم على «تحريك الخطوط» السياسية ولو كان حتى الآن لم يكشف عن برنامج سياسي أو اقتصادي.
من ناحية ثانية، لم يسبق لماكرون أن عرف الانتخابات لا المحلية ولا النيابية، وهو يثير الفضول والاهتمام في حله وترحاله، ويريد أن يزحزح الجبال من أماكنها، مراهنًا على إعادة الأمل إلى الفرنسيين. شعار ماكرون: «التغيير والحداثة ومجاراة العصر والانتقال من حال إلى حال».
هل هو حقيقة «وعد» بفرنسا أفضل؟ أم أن «بروتوس» الحياة السياسية الفرنسية الشاب فقاعة صابون ستقضي عليها أول هبة ريح؟ هذا هو السؤال.
من هو ماكرون؟
حتى 15 مايو (أيار) من العام 2012، أي حتى انتخاب فرنسوا هولاند الاشتراكي رئيسا للجمهورية، لم يكن الجمهور الفرنسي قد سمع باسم إيمانويل ماكرون. فهذا الشاب الذي عينه هولاند مساعدا لأمين عام قصر الإليزيه يدين بمنصبه للرئيس الجديد ولدعم بعض الأطراف المحيطين بالرئيس ومنهم جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران. وأتالي - الجزائري المولد - معروف عنه أنه أحد «رجال الظل» الأكثر تأثيرا في دوائر قرار الحزب الاشتراكي. وكما زكّى تعيين ماكرون في الأمانة العامة، سبق له أن اقترح اسمه للدخول إلى مصرف روتشيلد المعروف بصفته مصرفا لإدارة الثروات الخاصة وبنك أعمال. وما بين العامين 2010 و2012 - أي حتى تاريخ دخوله قصر الإليزيه - يقرّ ماكرون أنه كسب مليوني يورو، أي ما يكسبه موظف مبتدئ خلال 128 سنة. ويقول عنه فرنسوا هنرو، وهو المسؤول الذي أدخله إلى بنك روتشيلد، إنه لو بقي في منصبه لكان أصبح «أفضل المصرفيين في فرنسا لا بل في أوروبا».
كغالبية النخبة الفرنسية، سلك إيمانويل ماكرون، وهو ابن عائلة تتحدر من مدينة أميان، بشمال فرنسا، مسار أقرانه التعليمي والإداري. والده طبيب أعصاب معروف وأستاذ جامعي وأمه أيضا طبيبة كانت تعمل مستشارة للضمان الاجتماعي. أما سنوات دراسته الأولى فأمضاها ماكرون في مدينته أميان بمدرسة خاصة تابعة لليسوعيين. إلا أنه انتقل إلى باريس في نهاية مرحلته الثانوية حيث التحق بإحدى أشهر مدارس العاصمة الرسمية، وهي ليسيه هنري الرابع، ومنها انتقل إلى معهد العلوم السياسية Sciences Po المرموق في العاصمة قبل أن ينضم إلى المعهد الوطني للإدارة ENA الذي هو «المصهر» الذي يخرّج النخبة المتميزة والمدخل إلى الوظائف العليا في الدولة أو في القطاع الخاص.
بيد أن ماكرون «متميز» عن غيره. فإلى جانب دروسه السياسية والإدارية كان يهتم بالآداب والعلوم الاجتماعية، وهو حاصل فيها على شهادات عليا. وبموازاة ذلك، هو عازف بيانو متمرّس إذ درس الموسيقى طيلة عشر سنوات ومارس رياضة الملاكمة. وبما أنه يريد التميز في كل شيء فقد تزوج بريجيت، التي كانت أستاذته لمادة الآداب الفرنسية وتكبره بـ24 سنة. وصور الزوجين إيمانويل وبريجيت معروضة على أغلفة المجلات الاجتماعية التي تهتم بالمشاهير وهو أحدها. فاليوم، هناك حالة نفسية عامة في فرنسا تسمى «الماكرومانيا»، أي الهوس بوزير الاقتصاد السابق الذي يتبنى رؤية ليبرالية للاقتصاد والذي يرى أنه يتوجب القيام بعملية إصلاح جذرية للاقتصاد والمجتمع الفرنسي. ويأخذ على الرئيس هولاند، وهو كان وزيره طيلة سنتين، أنه لم يذهب بالإصلاحات حتى نهاياتها، بل تردد وتراجع، وفي النهاية فشل.
عضوية الحزب الاشتراكي
عند تخرجه، التحق ماكرون بإدارة التفتيش المالي حيث أمضى ست سنوات. وسياسيا، انضم ماكرون إلى الحزب الاشتراكي ما بين عام 2006 و2009، لكنه لاحقًا تخلى عنه رغم بقائه في دائرة اليسار. وفي عام 2006، التقى للمرة الأولى فرنسوا هولاند عبر وسيط هو جان بيار جوييه، الوزير السابق والأمين العام الحالي للرئاسة. وعندما أعلن هولاند في عام 2010 خوض المنافسة الداخلية للحزب الاشتراكي ليفوز بترشيحه للانتخابات الرئاسية وقف ماكرون إلى جانبه، كما كان قد وقف إلى جانب سيغولين رويال، رفيقة درب هولاند السابقة عندما كانت مرشحة اليسار بمواجهة الرئيس نيكولا ساركوزي في عام 2007.
وأشرف ماكرون على مجموعة من الاقتصاديين لتوفير الأفكار والمشاريع والإصلاحات للمرشح هولاند الذي كان يلتقيها مرتين في الشهر. وبسبب هذه القرابة، كان من الطبيعي أن يستدعي هولاند، بعد فوزه، الشاب ماكرون (35 سنة) لتسليمه أحد المناصب الرئيسية في قصر الرئاسة. وقبل سنتين، رفض ماكرون أن يكون مدير مكتب رئيس الحكومة المساعد اليميني فرنسوا فيّون. لكن عندما دخل هولاند قصر الإليزيه دخل معه وفي منصب بالغ الحساسية لأنه يشكل صلة الوصل بين الرئيس والخارج، ولأن كل الملفات تمر في مكتب أمين عام الرئاسة ونائبيه قبل أن تحط على مكتب الرئيس. وكانت مسؤولية ماكرون الملفات الاقتصادية والمالية البالغة الأهمية في عهد جديد يريد إصلاح الاقتصاد وإعادة إطلاق الدورة الاقتصادية والنمو الضروريين من أجل إيجاد فرص عمل، وخفض نسبة البطالة التي تبلغ في فرنسا نحو عشرة في المائة.
في يونيو (حزيران) عام 2014، أعلن الإليزيه تخلي ماكرون عن منصبه. والمرجح أن الأخير أصيب بخيبة أمل لأنه لم ينضم إلى حكومة مانويل فالس الأولى وزيرا. لكن حلمه أصبح واقعًا بعد أشهر قليلة في أعقاب استقالة وزير الاقتصاد أرنو مونتبورغ، أحد المتنافسين داخل الحزب الاشتراكي للفوز بالترشح للانتخابات الرئاسية. وبدخوله الوزارة، بات ماكرون أصغر وزير اقتصاد منذ أن تسلم هذه الحقيبة فاليري جيسكار ديستان (رئيس الجمهورية لاحقًا) في عام 1962، ومع وصوله، أدرك الفرنسيون أن هولاند اختار المنعطف الليبرالي اقتصاديا بالنظر لما هو معروف عن ماكرون. وبدت ملامح الليبرالية مع أول مشروع قانون قدّمه لمجلس الوزراء تحت عنوان: مشروع قانون من أجل النمو ودفع النشاطات وتساوي الفرص الاقتصادية. وفلسفة ماكرون الاقتصادية الليبرالية تدعو إلى رفع القيود عن الاقتصاد والتخفيف من وطأة القوانين التي تنظم العمل وشروطه. وكما حصل في كثير من البلدان الأوروبية كبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، دعا الوزير الشاب إلى تسهيل تسريح العمالة من أجل توفير هامش من المناورة لأرباب العمل وتحديد سقف لتعويضات التسريح. وكذلك دافع عن حقوق أرباب العمل في أن يحصلوا على رواتب بالغة الارتفاع، وبعضها خيالي، مع تعويضات مالية لا تقل خيالية عند تركهم لمناصبهم في القطاع الخاص.
منافس من الداخل
وشيئا فشيئًا، بدا ماكرون منافسا جدّيا ليس للرئيس هولاند بل لرئيس الحكومة مانويل فالس؛ فنشبت بين الطرفين حرب مستترة، إذ هشّم ماكرون - الشاب الذي لم يبلغ الأربعين - صورة فالس الذي بدا إلى جانبه كهلاً. ثم جاءت «الموجة الماكرونية» التي دفعت وزير الاقتصاد إلى الواجهة بحيث أخذ يثير اهتمام الوسائل الإعلامية وأخذ اسمه يبرز في استطلاعات الرأي العام ما حفّزه على الأرجح لأن يلعب ورقته الخاصة بأن «يقتل» الأب ويراهن على حظوظه الشخصية. وفي 30 أغسطس (آب) الماضي، قدّم ماكرون استقالته إلى هولاند بعد أن اجتمع به في لقاء مغلق بقصر الإليزيه. ويومذاك حاول الرئيس الفرنسي ثنيه عن ذلك لكن ماكرون أصر على الاستقالة. ولمن اتهمه بالخيانة، رد بالقول إن هولاند كان «بحاجة إليه» أكثر مما كان هو بحاجة للرئيس. وبعكس ماكرون، حرص فالس الذي - بدوره - لا يخفي طموحاته الرئاسية على التأكيد في مناسبة ومن غير مناسبة أنه «مخلص» للرئيس، وأنه طالما الرئيس الفرنسي عازم على الترشح للانتخابات لولاية ثانية، فسيقف وراءه. لكن استطلاعات الرأي التي تبين تهاوي شعبية هولاند إلى الحضيض قد تدفع حلفاء رئيس الحكومة لحثه على الترشح والتنصل من عهوده للرئيس بحجة «إنقاذ» اليسار ومنع اليمين من الوصول إلى السلطة.
هل سيتقدم؟
الصورة لم تتضح حتى الآن. فالس متأرجح بين النعم واللا. لكن، في المقابل، التردد ليس سمة ماكرون الذي أحرز تقدما في تنظيم حركته «إلى الأمام»، وأخيرًا، بعد جولة موسعة على المناطق والمدن الفرنسية للتعرف على «حاجات» الفرنسيين ولبلورة برنامجه الانتخابي، عمد ماكرون إلى تعيين مجموعة من «السفراء» له حتى يكونوا الناطقين باسمه وحاملي أفكاره. ورغم غياب حظوظه الجدية بالفوز بالانتخابات المقبلة أو بالتأهل لجولتها الثانية الأخيرة، فإن ماكرون سيكون سمى له دورا وموقعا في الحياة السياسية الفرنسية في المقبل من السنوات.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.