قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»

التكتل الهندي العملاق تبلغ قيمته 104 مليارات دولار

قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»
TT

قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»

قصة تغيير الإدارة في مجموعة «تاتا»

في خطوة سلبية لشركة كبرى، تمت إقالة الرئيس التنفيذي وفق أقصر إشعار ممكن، أعلن التكتل الهندي العملاق، الذي تبلغ قيمته السوقية 103.51 مليار دولار، الإطاحة المفاجئة برئيس مجلس الإدارة سايروس ميستري.
وفي الأثناء ذاتها، تسلم راتان تاتا، الحفيد الأكبر لصاحب التكتل الهندي العملاق الذي يبلغ عمره 150 عاما ويتألف من 100 شركة موزعة على القارات الست، المنصب المؤقت لرئيس مجلس إدارة المجموعة.
يبلغ عمر راتان تاتا 78 عاما من عمره، وهو الحفيد الأكبر لجامستجي تاتا المؤسس الأول للشركة، ويترأس في الوقت نفسه الصناديق المالية التي تشكل ثلثي رأسمال المجموعة، وفي عهد راتان تاتا استطاعت المجموعة تحقيق أكبر استحواذ استثماري في تاريخها بالتوقيع على صفقة شراء شركة كورس الأوروبية العملاقة لصناعات الحديد والصلب بمبلغ 12.9 مليار دولار في عام 2007، ثم الاستحواذ الثاني والأهم في تاريخها على شركة جاجوار لاند روفر البريطانية في صفقة بلغت قيمتها 2.3 مليار دولار في عام 2008.
وبين عامي 2005 و2008 تمكنت المجموعة من الاستحواذ على أكثر من 40 شركة تعمل في مختلف المجالات والأعمال مثل الحديد والصلب، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والفنادق، والمشروبات؛ وذلك وفقا للبيانات التي نشرتها مجموعة «تاتا» الهندية العملاقة على موقعها الرسمي.
ولا تزال أسباب استبعاد ثم استبدال ميستري غير معروفة، حيث أثار خبر الإطاحة به، السريع والمفاجئ للغاية، الكثير من التكهنات والنظريات، غير أن الكلمة المشتركة التي يتداولها الجميع الآن تفيد بأن ميستري لم يكن مديرا تنفيذيا ناجحا.
وفي حين أن مختلف غرف الأخبار وصفحات «تويتر» باتت تناقش الأسباب المحتملة لمثل هذا القرار المفاجئ، وتعول على الأداء والكفاءة، والالتزام الشديد بالقيم العليا التي تمثلها مجموعة «تاتا» الهندية، حيث اندلعت معركة في قاعة الاجتماعات الكبرى بالمجموعة بين اثنين من كبار المساهمين، أو مجموعة متنوعة ومعقدة من المساهمين وأصحاب المصالح في المجموعة، ومن غير المتوقع الوقوف على الحقيقة الواضحة بشأن هكذا قضية في المستقبل القريب.
كان ميستري البالغ من العمر 48 عاما لا ينتمي بصلة القرابة إلى العائلة المؤسسة لشركة «تاتا»، ولقد انضم إلى مجلس إدارة المجموعة في عام 2006، ووقع الاختيار عليه من جانب راتان تاتا ليخلفه على رئاسة مجلس إدارة المجموعة عند تقاعده في عام 2012. ويمتلك بالونجي شابورجي ميستري، والد سايروس ميستري، ما نسبته 18.5 في المائة من أسهم مجموعة «تاتا»؛ مما يجعله أكبر المساهمين المفردين في المجموعة وتمتلك عائلته الأسهم المشار إليها في صورة صناديق التمويل العائلية، وشقيقته الوو متزوجة من الأخ غير الشقيق لراتان تاتا ويدعى نويل.
كانت إقالة سايروس ميستري خطوة غير معتادة من قبل مجموعة «تاتا» غير المعروفة بنشوب المعارك داخل غرف الاجتماعات، تلك التي تردد صداها خارج مبنى بومباي هاوس المقر الرئيسي للتكتل الهندي العملاق، ومن المثير للاهتمام، أن أسهم الكثير من الشركات المملوكة لمجموعة «تاتا» قد ارتفعت بصورة كبيرة منذ 28 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وهو تاريخ تولي ميستري مهام منصبه الجديد، وحققت شركة «تاتا للخدمات الاستشارية»، وشركة «تاتا موتورز» أرباحا بنسبة 91 في المائة و81 في المائة على التوالي، وارتفعت أسهم شركة «تاتا للاتصالات» بنسبة 183 في المائة، ومع ذلك، انخفضت أسهم شركة «تاتا باور» بنسبة 23 في المائة، وأسهم شركة «تاتا العالمية للمشروبات» بنسبة 4 في المائة، وهبطت أسهم شركة «تاتا للصلب» أيضا بنسبة 0.50 في المائة خلال الفترة نفسها. وتضاعفت القيمة السوقية الإجمالية لمجموع أسهم الشركات المدرجة على قوائم مجموعة «تاتا» تقريبا خلال السنوات الأربع التالية على تولي ميستري مهام منصبه رئيسا لمجلس إدارة المجموعة، محققة رقما إجماليا يبلغ 125 مليار دولار الآن.
كان ميستري يتصف بالحزم الشديد في أداء الأعمال، وربما أنه دخل في حالة من التحدي الصريح في مواجهة الإرث التاريخي لشركات «تاتا» في أسلوب إدارة الأعمال، حيث إنهم لا يتمتعون بالكثير من الحس التجاري.
وكانت إحدى الاستراتيجيات التي يعتمدها ميستري تقوم على خفض الديون عن طريق بيع الأصول، وهي في غالب الأحيان من استراتيجيات الملاذ الأخير لدى الشركات كافة.
كانت الكثير من القرارات التي اتخذها ميستري، ومن بينها التخلص من بعض الممتلكات العقارية الفندقية المملوكة للمجموعة الهندية في الخارج، وعلى وجه الخصوص الخطوة التي اتخذها لإغلاق عمليات الصلب في المملكة المتحدة، والتي تعرضت لانتقادات شديدة بين صناديق «تاتا» وبريطانيا.
قالت إحدى الشخصيات القريبة من مجموعة «تاتا»: «كانت هناك أيضا حالة من القلق المستمر داخل أروقة المجموعة بأن ميستري يتعمد بيع (مجوهرات العائلة)، و(يفكك كل ما شيدته الشركة) عن طريق قراراته ببيع مقتنياتها الراقية، لقد أراد للمجموعة أن تبدو وأنها تخسر في مجال الأعمال بدلا من بيعها بصورة مباشرة».
ولقد واجه ميستري كذلك الاتهامات بالفشل في تنمية «جاجوار لاند روفر» وهي العلامة التجارية المرموقة، التي تمكنت مجموعة «تاتا» من الاستحواذ عليها في عام 2008.
على نحو مماثل، جاء قرار التورط في المعركة القانونية الشهيرة والكبيرة ضد شركة «إن تي تي دوكومو» اليابانية، وهي من أكبر شركات الهواتف في اليابان، بمثابة المسمار الأخير في نعش ميستري، حيث لم يوافق راتان تاتا شخصيا على هذه القضية، وذلك وفقا لبعض التقارير الإخبارية التي أفادت بذلك.
وكانت هناك شراكة قد انعقدت بين شركة «إن تي تي دوكومو» وبين مجموعة «تاتا» في عام 2009 لإنشاء شركة للاتصالات، التي فشلت بسبب اللوائح الصارمة للشركات الأجنبية والمنافسة الشديدة من شركات أخرى. وسعت الشركة اليابانية لرفع الأمر إلى التحكيم الدولي وحصلت على تسوية بمقدار 1.2 مليار دولار. وتشير بعض التقارير الإخبارية إلى أن مجموعة «تاتا» كانت ملتزمة بحماية استثمارات شركة «إن تي تي دوكومو» اليابانية، وعندما اتخذ ميستري قراره بإنهاء علاقة الشراكة بين الشركتين، لم يتمكن راتان تاتا من إصلاح الأمر في حينه.
وظهرت مقالة على صفحات مجلة «الإيكونيميست» مؤخرا تشير إلى فشل ميستري في إعادة تنظيم الإمبراطورية مترامية الأطراف للمجموعة العملاقة، التي تضم شركات تعمل في مختلف المجالات من صناعة الساعات وحتى استشارات تكنولوجيا المعلومات، التي نادرا ما تتواصل مع بعضها بعضا. وعلى الرغم من أنه أظهر بعض المؤشرات الواعدة، كما قالت مجلة «الإيكونيميست» الشهر الماضي: «يبدو أنه لديه قناعة لدرجة خطيرة بالبقاء على رأس الشركة التي تحولت إلى فيل ضخم ومثير للإعجاب، ولكنه يتحرك بخطى متثاقلة جدا».
اتخذ مجلس إدارة مجموعة «تاتا» قراره بإبعاد ميستري عقب اجتماع مطول، مع ستة من أصل تسعة أعضاء صوتوا لصالح إقالته، وامتنع عضوان عن التصويت. ولا يزال ميستري، الذي لم يتمكن من التصويت، رئيسا للمجلس خلال تلك الجلسة المطولة.
وفقا لبعض المصادر المطلعة على تلك التطورات، يبدو أن اهتمامات ميستري بالمشروعات العقارية صب في صالح شركة شابورجي بالونجي وشركاه «مجموعة إس بي»، التي يديرها والده بالونجي ميستري وشقيقه الأكبر شابر ميستري، وهو السبب الرئيسي وراء استبعاده من مجموعة «تاتا».
قال تي. في. موهانداس باي، العضو الأسبق في مجلس إدارة شركة «إنفوسيس»، لشبكة «إي تي ناو» الإخبارية، إن عودة راتان تاتا إلى مجلس إدارة المجموعة تعكس أن هناك أمرا خاطئا يجري داخل مجموعة «تاتا».
إن محاولة تغيير الثقافة الاستراتيجية داخل مجموعة عملاقة مثل مجموعة «تاتا» الهندية يعد من التحديات الكبرى. ولقد تولى ميستري منصبه بهدف لم شمل المجموعة وتوحيد صفوفها وقيادة التحول فيها، ولكننا لم نر أي شيء يحدث من ذلك على الإطلاق وبدا الرجل وأنه يصنع ما كان يصنعه من قبل من دون أي تغيير يُذكر. وقال المؤلف غوروتشاران داس، إن المساهمين في المجموعة كانوا في حالة عصبية شديدة عندما باغتتهم مفاجأة كهذه. وليس من الجيد وقوع مفاجآت كهذه في مجموعة استثمارية كبيرة مثل «تاتا»، حيث يصاب المساهمون بعصبية متزايدة. ولكنني أعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك نوع من التوضيح من قبل المجموعة حول اتخاذ هذه الخطوة.
وقال إيه. كيه. برابهاكار، الذي يترأس مؤسسة «آي دي بي آي كابيتال» الاستثمارية: «كان لسايروس منهج مختلف في التعامل مع الأشياء. حيث كان يعزز من أعمال مجموعة (تاتا) عن طريق التخلص من الشركات غير الأساسية، وكان يركز على الشركات ذات هوامش الربح الكبيرة. والناس في مجموعة (تاتا) يتمتعون بخصال طيبة كالبشر، ولكن من ناحية المال والأعمال، أراهم مسرفين بعض الشيء».
انتقد الكثيرون الطريقة التي أقيل بها ميستري من منصبه. حيث يقول المهندس باي رئيس مجلس إدارة مؤسسة «مانيبال العالمية للتعليم»، إن مجلس إدارة مجموعة «تاتا» تعامل مع الموقف برمته بطريقة سيئة. وإن إقالة ميستري تعتبر إدانة من جانب المجموعة حياله وليس هناك من وسيلة يدافع بها الرجل عن نفسه، وكان يمكن تجنب الموقف المحتمل من خلال بعض المعاملات الإدارية التي تليق بمنصب رئيس مجلس الإدارة. وأضاف باي يقول في تعليقه: «تصرف مجلس إدارة المجموعة بطريقة تعسفية، لكنه عصف أيضا بشخصية تترأس المجلس نفسه. ولقد قرر ستة من الأعضاء التصويت وامتنع اثنان. ومن المثير للفضول أن نعرف من امتنع عن التصويت. وأشعر بأنهم من كبار الأعضاء سنا الذين لم يرغبوا في التصويت ضد ميستري».
وحقيقة أن المجلس اعتبر أن إعادة راتان تاتا من التقاعد لإدارة المجموعة على نحو مؤقت في هذه الظروف ينم عن أمور غير جيدة بالنسبة للمجموعة.
حيث يقول شريرام سوبرأمانيان، وهو مستشار الوكلاء في شركة «إن - جوفرن»: «يدل ذلك على عدم وجود خطة للخلافة في المجموعة.



«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تعرَّضت الاستثمارات الحيوية لعملاق الطاقة الأميركي «إكسون موبيل» في قطاع الغاز القطري لانتكاسة استراتيجية غير مسبوقة، إثر هجمات إيرانية طالت «الجيل العملاق» من وحدات التسييل التي تشكل عصب الإمدادات العالمية. فالاستهداف الإيراني لم يطل الغاز القطري فحسب، بل أصاب استثمارات أميركية حيوية عابرة للقارات.

ففي تصريحات أدلى بها لـ«رويترز»، كشف الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، أن اثنين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، قد تضررت جرَّاء الهجمات. وقد تم استهداف وحدتي الإنتاج «إس 4» و«إس 6» اللتين تمثلان الركائز الأساسية لمحفظة الغاز المسال العالمية لشركة «إكسون موبيل»، حيث تمتلك فيهما حصصاً بنسبة 34 في المائة و30 في المائة على التوالي.

وتُصنف هذه الوحدات ضمن «الجيل العملاق» لخطوط الإنتاج؛ فتعطُّل الوحدة «إس 4» يقطع شريان الإمداد عن شركة «إديسون» الإيطالية و«إي دي إف تي» في بلجيكا، بينما يؤدي توقف «إس 6» إلى ارتباك حاد في إمدادات شركة «كوغاس» الكورية الجنوبية، وشركتي «شل» و«إي دي إف تي» في السوق الصينية.

وبكلمات تعكس حجم الذهول، وصف الكعبي، المشهد قائلاً: «لم يخطر ببالي قط أن تتعرض قطر والمنطقة لمثل هذا الهجوم، لا سيما من دولة شقيقة مسلمة في شهر رمضان المبارك». هذا الذهول السياسي ترجمته أرقام؛ إذ أعلن عن تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية، وخسارة سنوية ضخمة تقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات، مع توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز المسال سنوياً لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

يقول محللون إن أثر استهداف وحدات الإنتاج لا يتوقف عند حد خسارة كميات الغاز فقط، بل يمتد ليصيب سمعة التوريد التي بنتها «إكسون موبيل» على مدار عقود. فإعلان الشركاء الاستراتيجيين مثل «شل» و«توتال إنرجيز» حالة «القوة القاهرة» هو اعتراف قانوني صريح بالعجز عن الوفاء بالالتزامات تجاه العملاء الكبار في آسيا وأوروبا. ورغم أن هذا الإجراء يحمي الشركات - نظرياً - من غرامات التعويض المباشرة، فإنه يضعها في مواجهة تبعات قاسية؛ تبدأ من استحقاقات قانونية معقدة لإثبات مشروعية الإعلان، وصولاً إلى نزيف في التدفقات النقدية المليارية، وتآكل ميزة المورد الموثوق التي كانت تمنح هذه الشركات أفضلية تنافسية في الأسواق العالمية.

وبالنسبة لهؤلاء المحللين، فإن هذه الأزمة تتجاوز حدود الخسائر التقنية لتلامس مفهوم «الأمن القومي الاقتصادي» للولايات المتحدة؛ فاستهداف وحدات إنتاج تديرها وتستثمر فيها «إكسون موبيل» بهذا الثقل هو في جوهره ضربة لأحد أهم الاستثمارات الطاقي الأميركي في المنطقة.

قوة «إكسون» المالية

تواجه «إكسون موبيل» تحديات تشغيلية نتيجة التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال في قطر. ولكن، رغم الاضطرابات الأخيرة، فإن المؤشرات المالية للشركة تشير إلى ربحية قوية ومتانة في ميزانيتها العمومية. إذ تُظهر الميزانية العمومية للشركة متانة واضحة مدعومة بهوامش تشغيلية قوية، مما يمنحها «مصدات مالية» كافية لمواجهة الاضطرابات المؤقتة في سلاسل التوريد، ويحافظ على ثقة المستثمرين في قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى دون المساس باستقرارها المالي طويل الأمد.


شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
TT

شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)

يواجه البنك المركزي الأوروبي لحظة الحقيقة مع اشتعال فتيل الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، حيث انتقل النقاش داخل أروقة فرانكفورت من التهدئة إلى التحذير الصريح. وبينما يتمسك صناع السياسة النقدية بدعوات الهدوء وتجنب رد الفعل المتسرع تجاه صدمات النفط، بدأت كبرى مصارف الوساطة العالمية في إعادة رسم خرائطها المالية، مراهنةً على أبريل (نيسان) موعداً لانعطافة حادة في أسعار الفائدة.

هذا التضارب بين حذر البنك المركزي الأوروبي واندفاع الأسواق يضع القارة العجوز أمام اختبار قاسٍ: هل ينجح اليورو في امتصاص صدمة الصراع الإقليمي دون التضحية بالنمو، أم أن رفع الفائدة بات شراً لا بد منه لترويض التضخم الجامح؟

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث في مؤتمر صحافي عقب قرار البنك تثبيت الفائدة (رويترز)

كان البنك المركزي الأوروبي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه حذر من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران قد تدفع التضخم إلى ما هو أبعد بكثير من هدفه البالغ 2 في المائة هذا العام، وأن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يُبقي نمو الأسعار مرتفعاً لسنوات مقبلة.

عزز هذا الرأي التوقعات واسعة النطاق برفع أسعار الفائدة، وأقر صناع السياسة النقدية، الذين تحدثوا شرط عدم الكشف عن هويتهم، بأن هذا الأمر قد يكون مطروحاً في أبريل ما لم يتم حل الصراع في الأسابيع المقبلة، وفق «رويترز».

مع ذلك، كان تعليقهم العلني يوم الجمعة أكثر اعتدالاً، إذ قال محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين: «علينا التحلي بالهدوء والنظر إلى الصورة الكاملة»، مضيفاً أن على صانعي السياسات الفصل بين التقلبات قصيرة الأجل وتأثيرها الاقتصادي طويل الأجل.

وصرح محافظ البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيليروي دي غالهو، بأن البنك المركزي الأوروبي يجب ألا يبالغ في رد فعله تجاه ارتفاع أسعار الطاقة، الذي قد يدفع التضخم إلى 2.6 في المائة هذا العام، وفقاً لتوقعات البنك الأساسية.

وقال في مقابلة مع موقع «بورسوراما» الإخباري المالي: «نحن نتابع الوضع عن كثب، ولدينا القدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة».

في غضون ذلك، حذر محافظ بنك إسبانيا، خوسيه لويس إسكريفا، من أنه لا يزال من الصعب تقييم تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على مسار التضخم، لذا ينبغي على البنك المركزي الأوروبي الالتزام بنهجه في اتخاذ القرارات من اجتماع إلى آخر.

حاكم بنك فرنسا فرنسوا فيليروي دي غالهو يتحدث في باريس (رويترز)

الأسواق تراهن على الرفع

تتوقع الأسواق المالية الآن أكثر من رفعتين لأسعار الفائدة هذا العام، مع توقع أول رفعة في يونيو (حزيران). عادةً ما تتجاهل البنوك المركزية صدمات أسعار النفط، لكن المخاوف تكمن في أن يكون ارتفاع أسعار الطاقة كبيراً لدرجة أنه سيتسرب إلى الاقتصاد ككل، مؤثراً على أسعار كل شيء ومستمراً لفترة طويلة.

وأقر رئيس البنك المركزي الألماني، يواكيم ناغل، بهذا الخطر، وقال إن البنك المركزي الأوروبي قد يضطر للتدخل ما لم تستقر أسعار الطاقة قريباً.

وقال ناغل لوكالة «بلومبرغ»: «في ظل الوضع الراهن، من المتوقع أن تتدهور توقعات التضخم على المدى المتوسط، وأن ترتفع توقعات التضخم بشكل مستمر، مما يعني أن اتباع سياسة نقدية أكثر تقييداً سيكون ضرورياً على الأرجح».

يواكيم ناغل يتحدث خلال مقابلة في اجتماع وزراء المالية لمجموعة العشرين في جنوب أفريقيا يوليو 2025 (رويترز)

... وشركات الوساطة

في غضون ذلك، بدأت شركات الوساطة تراهن على رفع سريع لأسعار الفائدة، بعد أن غيرت توقعاتها في أعقاب اجتماع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس.

تتوقع بنوك «جي بي مورغان»، و«مورغان ستانلي»، و«باركليز»، الآن، أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في عام 2026، وهو تحول حاد عن توقعاتها السابقة التي كانت تشير إلى بقاء أسعار الفائدة ثابتة.

ويتوقع «باركليز» و«جي بي مورغان» رفع أسعار الفائدة في أبريل، تليه زيادات أخرى في يونيو ويوليو (تموز) على التوالي. في حين يتوقع «مورغان ستانلي» زيادات قدرها 25 نقطة أساس في كل من يونيو وسبتمبر (أيلول).

مع ذلك، لم يكن الجميع مقتنعاً. وقال يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في «كومرتسبنك»: «يهيمن على مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي أعضاء يميلون إلى سياسة نقدية توسعية».

وأضاف: «ما زلت غير مقتنع بتوقعات أسواق العقود الآجلة بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الرئيسية مرتين على الأقل بحلول نهاية العام. إن العقبة أمام رفع أسعار الفائدة الرئيسية أعلى مما كان متوقعاً».


تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
TT

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)

قالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، خلال زيارتها للولايات المتحدة، إن طوكيو قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً في اليابان، في إطار سعيها لتنويع مصادر مشترياتها وتعزيز أمنها الطاقي.

وقبل أن تستخدم اليابان مخزوناتها النفطية الاستراتيجية هذا الأسبوع في عملية قياسية لتعويض تداعيات اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، كانت تحتفظ بنحو 470 مليون برميل، أي ما يكفي لاستهلاكها لمدة 254 يوماً، في خزاناتها.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخصص الخام كجزء من المخزونات الاستراتيجية اليابانية، أو أنه سيكون متاحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة عند الحاجة.

وقالت تاكايتشي، في تصريحات للصحافيين بالولايات المتحدة، إن البلدين اتفقا أيضاً على التعاون لتوسيع إنتاج الطاقة الأميركي. وتستورد اليابان نحو 4 في المائة من احتياجاتها النفطية، ونحو 6 في المائة من غازها الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. وقد زادت استثماراتها في قطاع الطاقة هناك.

وأضافت تاكايتشي: «أبلغتُ الرئيس دونالد ترمب بنيَّتي تنفيذ مشروع مشترك يتم بموجبه تخزين النفط الخام المُستورد من الولايات المتحدة في اليابان». ويستند هذا إلى فهم أن تنويع مصادر التوريد سيساهم في ضمان إمدادات طاقة مستقرة لليابان وآسيا ككل.

ولم تفصح تاكايتشي عن أي تفاصيل بشأن خطة تخزين النفط الأميركي في اليابان. وتحتفظ اليابان بمخزونات نفطية مشتركة مع السعودية والإمارات والكويت، يبلغ مجموعها نحو 13 مليون برميل، كجزء من احتياطياتها الاستراتيجية المحلية، ولها حق الأولوية في استخدام هذه المخزونات.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في أكثر من 90 في المائة من إمداداتها النفطية، وقد بدأت قطاعاتها الصناعية - من مصانع الصلب وشركات البتروكيماويات إلى الحمامات العامة - تشعر بآثار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار نتيجة لإغلاق مضيق هرمز.

وبلغت مساهمة اليابان في عملية إطلاق النفط القياسية التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية ما يقرب من 80 مليون برميل، تتكون أساساً من النفط الخام، وفقاً للأرقام التي نشرتها الوكالة يوم الخميس.

وجاءت حصة اليابان في المرتبة الثانية بعد مساهمة الولايات المتحدة البالغة 172 مليون برميل.

ولم تُستخدم المخزونات اليابانية المشتركة مع السعودية والإمارات والكويت في عملية الإطلاق التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية.

وخلال زيارة تاكايتشي، أعلنت اليابان والولايات المتحدة عن توسيع نطاق التعاون بينهما، بما في ذلك استثمار ياباني يصل إلى 73 مليار دولار في مشاريع الطاقة الأميركية، وخطة عمل لتطوير بدائل للصين في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وأعلنت الولايات المتحدة واليابان عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار لبناء مفاعلات نووية في ولايتي تينيسي وألاباما، وذلك عقب اجتماع قادة البلدين في واشنطن، وبعد موافقة طوكيو العام الماضي على استثمار 550 مليار دولار حتى عام 2029 كجزء من اتفاقية تجارية جديدة مع واشنطن.

كما أعلن البيان المشترك الصادر يوم الخميس بشأن ما يُسمى بالمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) عن استثمار بقيمة 33 مليار دولار في محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي في ولايتي بنسلفانيا وتكساس.

وأعلن البلدان، في فبراير (شباط)، عن الشريحة الأولى من المشاريع في إطار صندوق الاستثمار الجديد، بقيمة 36 مليار دولار مخصصة لثلاثة مشاريع بنية تحتية. وذكر بيان يوم الخميس أن هذه المشاريع ستضمن الأمن من خلال «تسريع النمو الاقتصادي للبلدين، مما يمهِّد الطريق لعصر ذهبي جديد للتحالف الياباني الأميركي المتنامي باستمرار».

وأشادت الولايات المتحدة بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، التي بنتها شركة «جي إي فيرنوفا هيتاشي»، بوصفها «مصدراً هائلاً للطاقة المستقرة للجيل المقبل، مما يُسهم في استقرار أسعار الكهرباء للشعب الأميركي، ويعزز ريادة اليابان والولايات المتحدة في المنافسة التكنولوجية العالمية».

كما أصدر الجانبان خطة عمل لتطوير سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وسط مخاوف بشأن هيمنة الصين على هذا القطاع. وتشمل الخطة مناقشة سياسات وآليات تجارية منسقة، مثل تحديد حد أدنى للأسعار وفقاً للحدود، «مع التركيز مبدئياً على معادن حيوية مختارة».

وأعلن البيت الأبيض أن البلدين سيتعاونان أيضاً في تطوير المعادن الحيوية في أعماق البحار، «بما في ذلك رواسب الطين الغنية بالعناصر الأرضية النادرة بالقرب من جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية».

وميناميتوريشيما جزيرة مرجانية يابانية معزولة تقع على بُعد نحو 1950 كيلومتراً (1200 ميل) جنوب شرقي طوكيو. وقد جُمعت رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة بواسطة قارب حفر علمي ياباني متخصص في أعماق البحار أبحر، في يناير (كانون الثاني)، إلى الجزيرة التي يُعتقد أن مياهها المحيطة بها غنية بالمعادن الثمينة.