خطوات لتحويل إسطنبول إلى مركز مالي عالمي للتمويل الإسلامي

لجذب المزيد من الاستثمارات بعد تراجع ترتيب بورصتها دوليًا

مخطط مشروع المركز المالي في إسطنبول («الشرق الأوسط»)
مخطط مشروع المركز المالي في إسطنبول («الشرق الأوسط»)
TT

خطوات لتحويل إسطنبول إلى مركز مالي عالمي للتمويل الإسلامي

مخطط مشروع المركز المالي في إسطنبول («الشرق الأوسط»)
مخطط مشروع المركز المالي في إسطنبول («الشرق الأوسط»)

بدأت الحكومة التركية خطوات لتحويل مدينة إسطنبول إلى مركز مالي عالمي، ومركز للتمويل الإسلامي؛ وذلك بعد أيام من وضع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في منتصف الشهر الحالي حجر الأساس لمركز إسطنبول التمويلي الدولي «إي إف إم»، لافتا إلى أن حكومته تسعى لأن يصبح المركز محورًا أساسيا لعمليات تحويل السيولة عبر القارات، وأن يشكل مركزًا أساسيا لاستقطاب الاستثمار الأجنبي إلى تركيا.
وترجع فكرة تأسيس المركز المالي الدولي في إسطنبول إلى أكثر من 10 أعوام، لكن الحكومة التركية انتظرت طيلة هذه المدة حتى ترسي الدعائم الاقتصادية الأساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، ووضعت للمركز شعار «مركز إقليمي في البداية وعالمي في النهاية».
وتهدف الحكومة التركية إلى جعل المركز عالميًا بحلول عام 2018، وتأهيله في العام نفسه للحصول على مرتبة في مصاف الدول الخمس والعشرين، وفقًا لمؤشر مراكز التمويل العالمية، من حيث الثقة وحجم السيولة لتحويل مدينة إسطنبول إلى مركز تمويلي عالمي ضخم على غرار دبي ولندن ونيويورك وطوكيو.
وتبلغ مساحة مركز إسطنبول للتمويل 500 ألف مترمربع تنقسم إلى 560 ألفا للمكاتب الحكومية والخاصة، و90 ألفا لمراكز التسوق، و70 ألفا للفنادق، و60 ألفا للإقامة شبه الدائمة، كما سيتم تخصيص مساحة مركزا ثقافيا يعرض مشروعات التمويل، ويتسع لاستقبال ألفي شخص، وبذلك يظهر المركز مدينة متكاملة لإدارة عمليات التمويل التحويلية والاستثمارية على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وأعلنت بلدية إسطنبول الكبرى أنها ستعمل على إنشاء خطي مترو يمران بالقرب من المركز، إضافة إلى تخصيص طريق مواصلات سريعة لتسهيل حركة الذهاب والإياب إلى ومن المركز.
وقال وزير المالية التركي ناجي أغبال، إن المركز سيتم تمويله في البداية من الخزانة التركية بخمسين مليون ليرة (نحو 16 مليون دولار)، موضحًا أن هذا المبلغ سيمول الشمروعات المحلية والإقليمية والعالمية بشروط ميسرة تضمن لتركيا والمستثمر الفائدة.
وأوضح أغبال، أن المركز سيعمل وفقًا لنظامي التمويل التقليدي والإسلامي، لافتا إلى أنه سيتم فتح الباب أمام العملاء المحليين والأجانب لوضع أموالهم في المركز لاستثمارها في الشمروعات التجارية والصناعية والزراعية والخدمية.
ولفت أغبال إلى أن تركيا ستفرض ضرائب جمركية صغيرة على التحويلات النقدية من خلال المركز، موضحًا أن الحكومة ستعمل على توفير برامج توجيهية مكثفة للمستثمرين لزيادة رغبتهم في الاستثمار ضمن الشمروعات المدارة من قبل الحكومة التركية.
وتستقطب إسطنبول حاليا السيولة الأجنبية للاستثمار من خلال بورصتها التي تأثرت بالموجات السياسية والأمنية التي تعرضت لها تركيا مؤخرًا، حيث تراجعت مرتبتها العالمية من الدرجة الثانية والأربعين خلال عام 2014، إلى الدرجة الخامسة والأربعين خلال عام 2016. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي انخفضت مرتبة بورصة إسطنبول إلى المرتبة الـ57، وفقًا لمؤشر مراكز التمويل العالمية.
وأرجعت الخبيرة الاقتصادية التركية خديجة كاراهان هذا التراجع إلى حالة عدم الاستقرار الداخلية والإقليمية التي تشهدها تركيا، لافتة إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة استمرار الهبوط؛ فأعمال البورصة قائمة بشكل أساسي على توقعات المستثمر، فإن تم تحقيق استقرار قوي مع تسهيلات اقتصادية فريدة فإن توقع المستثمر سيصبح إيجابيا قطعا وستعود درجة تركيا للارتفاع.
وأشارت كاراهان إلى أنه رغم حدوث انخفاض طفيف في درجة التصنيف التمويلي لتركيا، فإنها حافظت على درجتها الاستثمارية كاستثمارات عابرة للحدود الوطنية، أي أن الاستثمارات الموجودة في البورصة ما زالت تابعة لشركات متعددة الجنسية ولسيولة عالمية واسعة ومتعمقة في أكثر من مجال، موضحة أن نوعية الاستثمارات التي كانت موجودة في بورصة إسطنبول قبل ستة أشهر كانت عابرة للحدود الوطنية، لكنها أكثر تنوعًا.
وبحسب مؤشر مراكز التمويل العالمية، كانت بورصة إسطنبول في المرتبة الأولى إقليميًا قبل ستة أشهر، لكنها تراجعت إلى المرتبة الرابعة نتيجة محاولة الانقلاب الفاشلة وخفض وكالة «موديز» لتصنيفها الائتماني لتركيا.
في الوقت نفسه، تتجه الحكومة التركية إلى رفع مساهمة التمويل الإسلامي في اقتصادها، وقال نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية محمد شيمشيك، إن بلاده تواصل العمل من أجل أن تكون تركيا بين الدول الأكثر استفادة من إمكانية رفع التمويل الإسلامي حول العالم من تريليوني دولار حاليا، إلى 3 تريليونات ونصف التريليون دولار خلال خمس سنوات، مشيرا إلى ضرورة تطوير النظام المالي الإسلامي في البلاد.
ويعمل في تركيا 52 بنكا، تتوزع بين 3 بنوك حكومية، و10 بنوك خاصة، و21 بنكا أجنبيا، و13 بنكا استثماريا، و5 بنوك إسلامية. وتستحوذ خمسة بنوك على قطاع التمويل الإسلامي في تركيا، وهي «كويت تورك»، و«البركة»، و«تركيا فاينانس»، والبنكان الحكوميان «الزراعة» و«وقف». ويعتبر «البركة تورك»، وهو أحد أفرع بنك «البركة» الرئيسي في البحرين، المصرف الإسلامي الأقدم في تركيا، وتم افتتاحه عام 1984 بالشراكة ما بين البحرين وتركيا.
وبلغت أصول البنوك الإسلامية في تركيا في نهاية العام الماضي، قرابة 120 مليار ليرة تركية (39 مليار دولار)، بحصة تبلغ 5.1 في المائة من القطاع المصرفي التركي. وقال شيمشيك، إن البنوك الإسلامية تسعى إلى رفع الحصة لنحو 15 في المائة بحلول عام 2025.
وطبقا لبيانات اتحاد البنوك الإسلامية في تركيا، شكل مجموع الأصول في المصارف الإسلامية نحو 5.1 في المائة من نسبة جميع البنوك في البلاد خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الحالي، مقارنة مع أقل من 4.5 في المائة العام الماضي. كما حققت البنوك الإسلامية أرباحا خلال الأشهر الثمانية الأولى للعام الحالي بلغت 759 مليون ليرة تركية (246 مليون دولار).
وحقق القطاع المصرفي التركي ككل (52 بنكًا) أرباحا قيمتها 26 مليار ليرة (8.45 مليار دولار) خلال الفترة ذاتها، وتشكل نسبة أرباح البنوك الإسلامية منها نحو 2.9 في المائة.
ويرى خبراء أن تركيا تملك، في حال تعديل بعض قوانينها، مقومات بنية تحتية وقوانين وبيئة جاذبة للنهوض بالتمويل الإسلامي على الصعيد العالمي، ويمكنها أن تكون عاصمة هذا النوع من الاقتصاد.
وقال شيمشيك إن القطاع العام يدعم قطاع البنوك الإسلامية وإن بنكي الزراعة والأوقاف الحكوميين بإشرا أنشطتهما في هذا القطاع، وأصدرت مستشارية الخزانة التركية صكوكا بالليرة التركية والعملات الأجنبية وبلغ عددها حتى الآن 15 صكا.
وبحسب شيمشيك، فإن الصكوك التي أصدرها القطاع الخاص خلال العام الحالي حققت تمويلاً زاد على ملياري ليرة (650 مليون دولار)، حتى أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وأكد شيمشيك، أن مشكلة السيولة هي أكبر مشكلة تواجه البنوك الإسلامية، لكن تطبيقات البنك المركزي التركي سهلت تحديات السيولة التي تواجها هذه البنوك. ولفت إلى أن قطاع البنوك الإسلامية في تركيا، جذب اهتمام المراكز المالية الرائدة في العالم، مثل لندن ودبي وهونج كونج ولوكسمبورج، وأن الاستثمار في هذا القطاع يتزايد.
كما أشار الوزير إلى أن هناك أسواقا جديدة بدأت تظهر في الآونة الأخيرة بعد التطور الذي شهدته أستراليا وكوريا الجنوبية والفلبين وأذربيجان في هذا القطاع.



«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.