هل تغير مفهوم الأدب في عصرنا.. أم «المهمش» يكسر «الجدار العازل»؟

بعد منح «نوبل» لصحافية ومغنٍ خلال عامين متتاليين

المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
TT

هل تغير مفهوم الأدب في عصرنا.. أم «المهمش» يكسر «الجدار العازل»؟

المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش

باغت القائمون على جائزة نوبل للعام الثاني على التوالي، الأدباء المنتظرين إعلان اسم واحد منهم بفرع الجائزة الأدبي، فحسابات الأدباء لم تنطبق على حسابات أصحاب نوبل، وبحركة أشبه بالالتفافية فوجئ المهتمون بأن جائزة نوبل للآداب ذهبت إلى مغنٍ وكاتب كلمات أغانٍ هو بوب ديلان، وقبل ذلك في العالم السابق ذهبت الجائزة إلى صحافية تدعى سفيتلانا أليكسيفيتش. فهل كسرت «نوبل» الحواجز التي تسوّر مصطلح الأدب بصرامة، ووسعت آفاق مفهوم هذا المصطلح ليكون الأدب بمفهومها هو كل ما يمت إلى الإبداع الثقافي العام بصلة. وماذا لو تكرس هذا العرف، فقد يحصل عليها في الأعوام التالية فنان تشكيلي ربما أو نحات.. إذن لماذا لا تغير الجائزة اسمها بدلاً من «الآداب» إلى «الإبداع»، وتبقي على المصطلحات بتصنيفها العلمي؟
وكي لا يكون الرأي أحادي الجانب، طرحنا السؤال على مجموعة من المتخصصين في المجال الأدبي، فكانت هذه الحصيلة:
* الخالدي: أجناس أدبية مهمشة
من السعودية يقول الدكتور مبارك الخالدي، أستاذ الأدب الإنجليزي المساعد في جامعة الدمام «إن ما قامت به الأكاديمية السويدية لا يُعد توسعة لمفهوم الأدب، إنما توسيع فعلي، يرتكز إلى أساس من التفاتها واعترافها في الآن ذاته على (أجناس) أدبية كانت مهمشة».
يضيف: «لهذا لم يثر فوز بوب ديلان بالجائزة (أخيرًا) إلا استغراب عدد قليل من الأدباء أو قُرّاء الأدب مقارنة بعدد الأدباء والفنانين والمثقفين الذين رحبوا وفرحوا بفوز ديلان بالجائزة؛ ما يدل على اعتراف هؤلاء بشاعرية ديلان وأنهم سبقوا في ذلك الأكاديمية السويدية نفسها».
يكمل الدكتور الخالدي قائلاً: «من هذه الزاوية، يبدو اعتراف الأكاديمية السويدية وكأنه انعكاس وامتداد لاعترافٍ يتجاوز حتى حدود أوروبا ووطنه الولايات المتحدة ليشمل مساحة واسعة من العالم. لقد تابعت بسبب وجودي في لندن هذه الأيام التغطية الصحافية لاستقبال بعض الأدباء والمغنين وصناع الأفلام لخبر فوز ديلان. كانوا مبتهجين ومؤيدين للأكاديمية لاختيارها من يستحق الجائزة؛ من هؤلاء الشاعرة كيت تيمبست، والروائي الاسكوتلندي أندرو أوهاغان، والشاعر والروائي أندرو موشن، وصانع الأفلام جوناس ميكا، والمغني وكاتب الأغاني بيلي براغ وآخرون».
* الجعيدي: هدم «الجدار العازل»
أما الدكتور سعيد الجعيدي، أستاذ الأدب والنقد، بجامعة الباحة جنوبي السعودية، فقال «إن منح الأكاديمية الجائزة لديلان، وبالتأكيد يشمل هذا فوز سفيتلانا أليكسيفيتش بالجائزة في العام الماضي، يحاكي التفات واشتغال النقد الثقافي على الإنتاج الثقافي المهمش، الذي يشكل ما يسمى الثقافة الدنيا؛ ما يعني اشتراكها في مشروع هدم (الجدار العازل) بين الثقافتين العليا والدنيا. لم يعد الجدار قائمًا، أصبح أثرًا بعد عين، إلا في أذهان سدنة القديم».
ويضيف «مفهوم الأدب ظل راكدا قرونا عدة على الرغم من التطورات الهائلة والمعطيات الجديدة التي لحقت مفاهيم الوجود والكون والإنسان والإبداع المنجز، بما يشبه الثورة، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين؛ إلا أن الشعرية الأدبية لم تساير وتواكب ذلك بما يثري مفهومها ويوسع من أفقها. وإن كنا نلمس شيئا من ذلك عبر مزج الأجناس والأنواع الأدبية، وانفتاحها على الفنون والمعارف الأخرى ومنجزات التكنولوجيا الرقمية، في تفاعل لم تعرفه الحضارة الإنسانية من قبل. كل ذلك ولا شك يستدعي إعادة النظر في مفهوم الأدب.. ونحن الآن (طبقا لما بعد الحداثة) نعيش مفاهيم سائلة لم تتبلور بعد في قراءة نهائية. ومع ذلك كله يمكن القول بأن العملين الأخيرين الفائزين بـ«نوبل للآداب» يندرجان بشكل أو بآخر تحت مظلة مفاهيم الشعرية الأدبية. ففوز بوب ديلان مثلا، وكما جاء في معطيات لجنة الجائزة يعود لعلاقته بالأدب؛ فهو شاعر وكاتب سيرة ذاتية، امتاز شعره بخصائص جمالية بارزة وشكل إضافة في بابه، وهو مؤسس لأغاني الاحتجاجات، وله شعبية جارفة، إضافة إلى تراكم منجزه الشعري والموسيقي؛ والصلة بين الأدب والموسيقى والغناء صلة وثيقة وأزلية في كل الآداب الإنسانية. وعموما سيبقى سؤال (ما الأدب.. ؟!) مفتوحا دائما للمقاربة بانفتاحه على قضايا عصرنا ومنجزاته من نحو: الشفاهية والكتابية الإنسانية والإلكترونية، وصيرورة الأشكال الأدبية والفنية، والأدب والتكنولوجيا، وأدب العولمة والتفاعل والإثارة، وأدب من دون أدباء... ولعل الجائزة الأخيرة تسهم في إعادة تنشيط الجدل حول ذلك كله بما يثري مفاهيم الشعرية المعاصرة للممارسات الأدبية والفنية الجديدة والمستقبلية، مع الأخذ في الحسبان أن للجائزة مقاييسها واعتباراتها الخاصة التي يكتنفها الغموض أحيانا».
* الشمري: توسيع خصوصية الإبداع الأدبي
ويرى الروائي السعودي عبد الحفيظ الشمري أنه «رغم كون الجوائز نخبوية، ومحدودة، وتشوبها الكثير من الشوائب، لا سيما إذ استقصينا نشأتها وأسبابها، وتمكن بعض القوى منها؛ حتى باتت أداة من أدوات الاسترضاء أو التنفيع أو صهر التجربة وإحالتها إلى مجرد تهدئة في روع، أو رفع لمعنويات، أو إلى ما دون ذلك من الأنماط الاختزالية لها... أما وأن سلمنا بوجودها وجدواها فإن محاولة جائزة نوبل فيما يخص الأدب؛ تتجه إلى توسيع خصوصية الأدب والثقافة؛ لتجعل منها رؤية استنطاقية لمفهوم الثقافة والمعرفة التي تتقاطع مع الأدب بطريقة أو بأخرى؛ لكي لا ينحصر الأمر بالشعر والرواية، فيكون للجانب الإبداعي في الكتابة العامة رؤية ومنهج متميز يقبل عليه المجتمع ويرتضي به كمفهوم إنساني نبيل، بل وغير مقيد بنخبوية أو فئوية كشأن الأدب منذ نشأته إلى اليوم.
ويضيف: «خروج الجائزة في منحها لرواد العمل الإبداعي في فنون وثقافات مختلفة يسهل على المجتمع التفاعل مع الطروحات الإنسانية. ونحن نذكر على سبيل المثال أن من يحوزون جائزة الرواية قد يكونون غير معروفين للمجتمعات الأخرى، لكن حينما يحوزها الكاتب المسرحي وفرق التمثيل، وكتاب النصوص الشعرية التي تغنى بشكل فردي أو جماعي، وتنتشر في العالم فإن بعضا من أهداف هذه الجائزة قد يتحقق، وتعم الفائدة هذا الفن أو ذاك، ويمكن تقدير من يعملون فيه، ويفنون أعمارهم خدمة له.
* القاسمي: عودة الشكوك
أما الدكتور الشاذلي القاسمي، أستاذ تاريخ العلوم العربية في جامعة برشلونة بإسبانيا، فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويلمح إلى العوامل السياسية، وهي تهمة طالما لحقت بـ«نوبل»، ولكن القاسمي يدخل إلى الموضوع بطريقة أخرى، فيقول «بادئ ذي بدء إن جائزة نوبل لم تعد بقدر الشكل والمضمون اللذين كانت عليهما في زمن ولى، حين كانت تعطى في حقل القصيدة والرواية والكتابة المسرحية، إلا أنها الآن أصبحت تعطى في مجال الصحافة والغناء من قبل الأكاديمية السويدية. ولا نعتقد أن ذلك يدخل في مجال توسيع المصطلح وإنما يدخل ضمن حسابات أخرى منها السياسة والآيديولوجية. ويضيف «إن الغناء والصحافة من الأدوات المتناولة لإيصال المعلومة بطريقة أسرع؛ لأن الصحافة والغناء لهما جمهور واسع، خصوصا ونحن في عصر العولمة على خلاف المسرح والأدب، وأظن أن ذلك ليس من باب توسيع الأدب المعاصر بقدر ما هو إيصال الهدف المنشود بسرعة لخدمة هدف معين وإن كان عبر الفن مثل الغناء؛ لأن الجودة لا تهم بقدر ما يهم التأثير وإيصال السهل والبسيط».
وكان أقصر جواب هو الذي أدلت به الدكتورة العمانية أمينة الحجرية، المدير العام المساعد لـ«الإيسيسكو»؛ إذ قالت لنا باختصار: بما أن الجائزة عالمية، وهي في الأساس نشأت للتشجيع على الإبداع؛ فمن وجهة نظري يجب فتح الآفاق ومجالات الإبداع وعدم حصرها على جوانب محددة وخاصة أنها عالمية.
* شوارب: أسباب غير مقنعة
بينما يذهب الأكاديمي والشاعر الدكتور السعيد شوارب، من مصر، إلى تحليل المصطلح فيرى أن مفهوم الأدب من الناحية العلمية هو كلام بليغ جميل يؤثر في المتلقي ويدفعه في الاتجاه الذي يريده الأديب. ولا يكون «أدبا» إلا إذا قام على العاطفة والخيال وسلامة اللغة الفصيحة. ويضيف «إن مفهوم الأدب يشمل الشعر الفصيح بأنواعه والنثر الفصيح بأنواعه. وأنا واحد ممن لا يُدخلون في الأدب إلا ما كان فصيح اللغة»؛ ويرمي الدكتور السعيد شوارب سهامه نحو كلمات الأغاني فيقول: بالتالي، فإن كل ما كتب في اللهجات رغم جودته أحيانا لا يمكن أن يدخل في المصطلح؛ لأن له اسما هو الزجل فيما يسمى بالأدب الشعبي. ومعلوم أن مجامع اللغة العربية لا تعترف بهذا الإنتاج حين يكون الحديث عن الأدب. ويكشف شوارب عن معلومة بقوله «نحن الآن في مجمع القاهرة نخرج معجما جديدا باسم (معجم لغة الشعر العربي) ولا ندخل فيه شعر العامية مهما بلغ من الجودة». ويختتم وجهة نظره بقوله: لا ندري على أي أساس منحت «جائزة نوبل في الأدب» لمغن أو مؤلف أغان؛ إلا إذا كان لدى اللجنة مفهوم مختلف لا ندري أساسه في المصطلح القديم.
* النجدي: فنون الأدب ليست مغلقة
الدكتور إيهاب النجدي، أستاذ الأدب العربي في الجامعة العربية المفتوحة بدولة الكويت، له رأي جدير بالتأمل، فيقول: حصول الشاعر بوب ديلان على جائزة نوبل لهذا العام كان مفاجئا؛ لشهرته بوصفه مغنيا، لكنه شاعر مهم وصاحب موقف سياسي قبل أن يكون مغنيا، بشهادة بعض نقاد الأدب، لكن الذي أثار الانتباه هو تأكيد لجنة «نوبل» في حيثيات الفوز على «أنه أبدع تعبيرات جديدة ضمن تقاليد الغناء الأميركي»، وهو ما يفتح باب التساؤل: ولماذا لم يفز بالجائزة مثلا شاعر عربي بحجم أحمد رامي الذي كان له دور كبير في تطور الكلمة المغناة عبر عقود طويلة؟
ويضيف «فنون الأدب ليست مغلقة بطبيعتها، فكم من فنون ولدت وأخرى انزوت لتغير حياة الناس وحاجاتهم النفسية، وتبدل الأذواق. وعلى سبيل المثال، أين الآن فنون أدبية قديمة مثل المفاخرات، والنقائض الشعرية؟ وأين الملاحم من الأدب الغربي الآن؟ وكانت القصة القصيرة والرواية، والمسرحية.. في مطالع القرن العشرين محل سجال حول قيمتها. نعم، دائرة الأدب تتسع لكل نص إبداعي، وإن جاء في صورة استطلاعات صحافية، أو أغان شعرية، وتبقى اللغة الإبداعية هي الفيصل. وإذا كانت الحدود بين الأنواع ليست صارمة، فإن التمييز بين الأنواع الأدبية يظل علامة تطور، وأؤيد «تـودروف» حين رأى أنه «لا يكون هناك أدب دون أجناس أدبية».
ويختتم النجدي رأيه بالقول: «جدارية الأدب والفن تتسع لكل تجريب، لكنها في الوقت ذاته، لا تُسمي الأشياء بغير أسمائها، ولا تسقط الفروق بين الأنواع، حتى لا تنماع الأشياء، وتصبح كل كلمات امتلأت بها واجهات النشر كتابة، وكل هذيان نصا، تقام لأجله منصات النقد، ومهرجانات الدعاية والجوائز».
* صالح: سخرية من الأدب
القاص المصري المقيم في الكويت شريف صالح، يقول «ربما نعتبر فوز سفيتلانا أليكسيفيتش توسيعًا لمفهوم الأدب بالالتفات إلى القيمة الأدبية في الكتابة الصحفية. لكن قياس (تفويز) ديلان عليها في غير محله؛ فالآداب تظل دائمًا مرتبطة بالكلمة وحدها، مهما تنوعت ما بين شعر ورواية ومسرحية وقصة.. أو نصوص عابرة للنوع.. أما الفنون التي تعتمد على (الكلمة) مضافًا إليها إبداعيات أدائية مختلفة مثل السينما والعروض المسرحية والغناء والكوميكس.. فهي تأخذنا إلى حقول أخرى خارج الأدب». ويضيف «لو رجعنا إلى تقاليد الجائزة نجدها ظلت مرتبطة بإبداع الكلمة فقط.. فما الذي سيتوسع تحديدًا في (الأدب) بمنحها لموسيقي؟ بالطبع هو فنان عظيم وله تأثير في الثقافة الشعبية ومتوج بالأوسكار و11 جائزة غرامي.. فلن تضيف (نوبل) أي شيء إليه.. وهو ما يفسر استخفافه وعدم الرد على إدارة الجائزة ولو بتصريح مقتضب.. ومنذ أن ظهر اسمه في الترشيحات قبل سنوات سئل عن ذلك فقال بأنه ليس أديبًا مثل هيمنغواي».
ويضيف صالح: «وكما علق أحد أصدقائه بالقول: أحب ديلان، ولكنه بلا أعمال أدبية، وأعتقد أن الأكاديمية السويدية وضعت نفسها محط سخرية العالم، وهذا الأمر مهين للكتاب.. فما حدث بالفعل ليس توسيعًا للأدب، بل إهانة لعشرات المشروعات الإبداعية الكبيرة.. في ظل ظروف مقعدة يعاني فيه الأدب في معظم دول العالم ويحتاج إلى جائزة مثل نوبل لا يحتاج إليها ديلان. إلا إذا أعادت الجائزة توصيف نفسها لتصبح جائزة نوبل في الآداب والفنون والثقافة الشعبية.. ساعتها يصبح جديرًا بها».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.