هل تغير مفهوم الأدب في عصرنا.. أم «المهمش» يكسر «الجدار العازل»؟

بعد منح «نوبل» لصحافية ومغنٍ خلال عامين متتاليين

المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
TT

هل تغير مفهوم الأدب في عصرنا.. أم «المهمش» يكسر «الجدار العازل»؟

المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش
المغني وكاتب الأغاني بوب ديلان - الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش

باغت القائمون على جائزة نوبل للعام الثاني على التوالي، الأدباء المنتظرين إعلان اسم واحد منهم بفرع الجائزة الأدبي، فحسابات الأدباء لم تنطبق على حسابات أصحاب نوبل، وبحركة أشبه بالالتفافية فوجئ المهتمون بأن جائزة نوبل للآداب ذهبت إلى مغنٍ وكاتب كلمات أغانٍ هو بوب ديلان، وقبل ذلك في العالم السابق ذهبت الجائزة إلى صحافية تدعى سفيتلانا أليكسيفيتش. فهل كسرت «نوبل» الحواجز التي تسوّر مصطلح الأدب بصرامة، ووسعت آفاق مفهوم هذا المصطلح ليكون الأدب بمفهومها هو كل ما يمت إلى الإبداع الثقافي العام بصلة. وماذا لو تكرس هذا العرف، فقد يحصل عليها في الأعوام التالية فنان تشكيلي ربما أو نحات.. إذن لماذا لا تغير الجائزة اسمها بدلاً من «الآداب» إلى «الإبداع»، وتبقي على المصطلحات بتصنيفها العلمي؟
وكي لا يكون الرأي أحادي الجانب، طرحنا السؤال على مجموعة من المتخصصين في المجال الأدبي، فكانت هذه الحصيلة:
* الخالدي: أجناس أدبية مهمشة
من السعودية يقول الدكتور مبارك الخالدي، أستاذ الأدب الإنجليزي المساعد في جامعة الدمام «إن ما قامت به الأكاديمية السويدية لا يُعد توسعة لمفهوم الأدب، إنما توسيع فعلي، يرتكز إلى أساس من التفاتها واعترافها في الآن ذاته على (أجناس) أدبية كانت مهمشة».
يضيف: «لهذا لم يثر فوز بوب ديلان بالجائزة (أخيرًا) إلا استغراب عدد قليل من الأدباء أو قُرّاء الأدب مقارنة بعدد الأدباء والفنانين والمثقفين الذين رحبوا وفرحوا بفوز ديلان بالجائزة؛ ما يدل على اعتراف هؤلاء بشاعرية ديلان وأنهم سبقوا في ذلك الأكاديمية السويدية نفسها».
يكمل الدكتور الخالدي قائلاً: «من هذه الزاوية، يبدو اعتراف الأكاديمية السويدية وكأنه انعكاس وامتداد لاعترافٍ يتجاوز حتى حدود أوروبا ووطنه الولايات المتحدة ليشمل مساحة واسعة من العالم. لقد تابعت بسبب وجودي في لندن هذه الأيام التغطية الصحافية لاستقبال بعض الأدباء والمغنين وصناع الأفلام لخبر فوز ديلان. كانوا مبتهجين ومؤيدين للأكاديمية لاختيارها من يستحق الجائزة؛ من هؤلاء الشاعرة كيت تيمبست، والروائي الاسكوتلندي أندرو أوهاغان، والشاعر والروائي أندرو موشن، وصانع الأفلام جوناس ميكا، والمغني وكاتب الأغاني بيلي براغ وآخرون».
* الجعيدي: هدم «الجدار العازل»
أما الدكتور سعيد الجعيدي، أستاذ الأدب والنقد، بجامعة الباحة جنوبي السعودية، فقال «إن منح الأكاديمية الجائزة لديلان، وبالتأكيد يشمل هذا فوز سفيتلانا أليكسيفيتش بالجائزة في العام الماضي، يحاكي التفات واشتغال النقد الثقافي على الإنتاج الثقافي المهمش، الذي يشكل ما يسمى الثقافة الدنيا؛ ما يعني اشتراكها في مشروع هدم (الجدار العازل) بين الثقافتين العليا والدنيا. لم يعد الجدار قائمًا، أصبح أثرًا بعد عين، إلا في أذهان سدنة القديم».
ويضيف «مفهوم الأدب ظل راكدا قرونا عدة على الرغم من التطورات الهائلة والمعطيات الجديدة التي لحقت مفاهيم الوجود والكون والإنسان والإبداع المنجز، بما يشبه الثورة، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين؛ إلا أن الشعرية الأدبية لم تساير وتواكب ذلك بما يثري مفهومها ويوسع من أفقها. وإن كنا نلمس شيئا من ذلك عبر مزج الأجناس والأنواع الأدبية، وانفتاحها على الفنون والمعارف الأخرى ومنجزات التكنولوجيا الرقمية، في تفاعل لم تعرفه الحضارة الإنسانية من قبل. كل ذلك ولا شك يستدعي إعادة النظر في مفهوم الأدب.. ونحن الآن (طبقا لما بعد الحداثة) نعيش مفاهيم سائلة لم تتبلور بعد في قراءة نهائية. ومع ذلك كله يمكن القول بأن العملين الأخيرين الفائزين بـ«نوبل للآداب» يندرجان بشكل أو بآخر تحت مظلة مفاهيم الشعرية الأدبية. ففوز بوب ديلان مثلا، وكما جاء في معطيات لجنة الجائزة يعود لعلاقته بالأدب؛ فهو شاعر وكاتب سيرة ذاتية، امتاز شعره بخصائص جمالية بارزة وشكل إضافة في بابه، وهو مؤسس لأغاني الاحتجاجات، وله شعبية جارفة، إضافة إلى تراكم منجزه الشعري والموسيقي؛ والصلة بين الأدب والموسيقى والغناء صلة وثيقة وأزلية في كل الآداب الإنسانية. وعموما سيبقى سؤال (ما الأدب.. ؟!) مفتوحا دائما للمقاربة بانفتاحه على قضايا عصرنا ومنجزاته من نحو: الشفاهية والكتابية الإنسانية والإلكترونية، وصيرورة الأشكال الأدبية والفنية، والأدب والتكنولوجيا، وأدب العولمة والتفاعل والإثارة، وأدب من دون أدباء... ولعل الجائزة الأخيرة تسهم في إعادة تنشيط الجدل حول ذلك كله بما يثري مفاهيم الشعرية المعاصرة للممارسات الأدبية والفنية الجديدة والمستقبلية، مع الأخذ في الحسبان أن للجائزة مقاييسها واعتباراتها الخاصة التي يكتنفها الغموض أحيانا».
* الشمري: توسيع خصوصية الإبداع الأدبي
ويرى الروائي السعودي عبد الحفيظ الشمري أنه «رغم كون الجوائز نخبوية، ومحدودة، وتشوبها الكثير من الشوائب، لا سيما إذ استقصينا نشأتها وأسبابها، وتمكن بعض القوى منها؛ حتى باتت أداة من أدوات الاسترضاء أو التنفيع أو صهر التجربة وإحالتها إلى مجرد تهدئة في روع، أو رفع لمعنويات، أو إلى ما دون ذلك من الأنماط الاختزالية لها... أما وأن سلمنا بوجودها وجدواها فإن محاولة جائزة نوبل فيما يخص الأدب؛ تتجه إلى توسيع خصوصية الأدب والثقافة؛ لتجعل منها رؤية استنطاقية لمفهوم الثقافة والمعرفة التي تتقاطع مع الأدب بطريقة أو بأخرى؛ لكي لا ينحصر الأمر بالشعر والرواية، فيكون للجانب الإبداعي في الكتابة العامة رؤية ومنهج متميز يقبل عليه المجتمع ويرتضي به كمفهوم إنساني نبيل، بل وغير مقيد بنخبوية أو فئوية كشأن الأدب منذ نشأته إلى اليوم.
ويضيف: «خروج الجائزة في منحها لرواد العمل الإبداعي في فنون وثقافات مختلفة يسهل على المجتمع التفاعل مع الطروحات الإنسانية. ونحن نذكر على سبيل المثال أن من يحوزون جائزة الرواية قد يكونون غير معروفين للمجتمعات الأخرى، لكن حينما يحوزها الكاتب المسرحي وفرق التمثيل، وكتاب النصوص الشعرية التي تغنى بشكل فردي أو جماعي، وتنتشر في العالم فإن بعضا من أهداف هذه الجائزة قد يتحقق، وتعم الفائدة هذا الفن أو ذاك، ويمكن تقدير من يعملون فيه، ويفنون أعمارهم خدمة له.
* القاسمي: عودة الشكوك
أما الدكتور الشاذلي القاسمي، أستاذ تاريخ العلوم العربية في جامعة برشلونة بإسبانيا، فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويلمح إلى العوامل السياسية، وهي تهمة طالما لحقت بـ«نوبل»، ولكن القاسمي يدخل إلى الموضوع بطريقة أخرى، فيقول «بادئ ذي بدء إن جائزة نوبل لم تعد بقدر الشكل والمضمون اللذين كانت عليهما في زمن ولى، حين كانت تعطى في حقل القصيدة والرواية والكتابة المسرحية، إلا أنها الآن أصبحت تعطى في مجال الصحافة والغناء من قبل الأكاديمية السويدية. ولا نعتقد أن ذلك يدخل في مجال توسيع المصطلح وإنما يدخل ضمن حسابات أخرى منها السياسة والآيديولوجية. ويضيف «إن الغناء والصحافة من الأدوات المتناولة لإيصال المعلومة بطريقة أسرع؛ لأن الصحافة والغناء لهما جمهور واسع، خصوصا ونحن في عصر العولمة على خلاف المسرح والأدب، وأظن أن ذلك ليس من باب توسيع الأدب المعاصر بقدر ما هو إيصال الهدف المنشود بسرعة لخدمة هدف معين وإن كان عبر الفن مثل الغناء؛ لأن الجودة لا تهم بقدر ما يهم التأثير وإيصال السهل والبسيط».
وكان أقصر جواب هو الذي أدلت به الدكتورة العمانية أمينة الحجرية، المدير العام المساعد لـ«الإيسيسكو»؛ إذ قالت لنا باختصار: بما أن الجائزة عالمية، وهي في الأساس نشأت للتشجيع على الإبداع؛ فمن وجهة نظري يجب فتح الآفاق ومجالات الإبداع وعدم حصرها على جوانب محددة وخاصة أنها عالمية.
* شوارب: أسباب غير مقنعة
بينما يذهب الأكاديمي والشاعر الدكتور السعيد شوارب، من مصر، إلى تحليل المصطلح فيرى أن مفهوم الأدب من الناحية العلمية هو كلام بليغ جميل يؤثر في المتلقي ويدفعه في الاتجاه الذي يريده الأديب. ولا يكون «أدبا» إلا إذا قام على العاطفة والخيال وسلامة اللغة الفصيحة. ويضيف «إن مفهوم الأدب يشمل الشعر الفصيح بأنواعه والنثر الفصيح بأنواعه. وأنا واحد ممن لا يُدخلون في الأدب إلا ما كان فصيح اللغة»؛ ويرمي الدكتور السعيد شوارب سهامه نحو كلمات الأغاني فيقول: بالتالي، فإن كل ما كتب في اللهجات رغم جودته أحيانا لا يمكن أن يدخل في المصطلح؛ لأن له اسما هو الزجل فيما يسمى بالأدب الشعبي. ومعلوم أن مجامع اللغة العربية لا تعترف بهذا الإنتاج حين يكون الحديث عن الأدب. ويكشف شوارب عن معلومة بقوله «نحن الآن في مجمع القاهرة نخرج معجما جديدا باسم (معجم لغة الشعر العربي) ولا ندخل فيه شعر العامية مهما بلغ من الجودة». ويختتم وجهة نظره بقوله: لا ندري على أي أساس منحت «جائزة نوبل في الأدب» لمغن أو مؤلف أغان؛ إلا إذا كان لدى اللجنة مفهوم مختلف لا ندري أساسه في المصطلح القديم.
* النجدي: فنون الأدب ليست مغلقة
الدكتور إيهاب النجدي، أستاذ الأدب العربي في الجامعة العربية المفتوحة بدولة الكويت، له رأي جدير بالتأمل، فيقول: حصول الشاعر بوب ديلان على جائزة نوبل لهذا العام كان مفاجئا؛ لشهرته بوصفه مغنيا، لكنه شاعر مهم وصاحب موقف سياسي قبل أن يكون مغنيا، بشهادة بعض نقاد الأدب، لكن الذي أثار الانتباه هو تأكيد لجنة «نوبل» في حيثيات الفوز على «أنه أبدع تعبيرات جديدة ضمن تقاليد الغناء الأميركي»، وهو ما يفتح باب التساؤل: ولماذا لم يفز بالجائزة مثلا شاعر عربي بحجم أحمد رامي الذي كان له دور كبير في تطور الكلمة المغناة عبر عقود طويلة؟
ويضيف «فنون الأدب ليست مغلقة بطبيعتها، فكم من فنون ولدت وأخرى انزوت لتغير حياة الناس وحاجاتهم النفسية، وتبدل الأذواق. وعلى سبيل المثال، أين الآن فنون أدبية قديمة مثل المفاخرات، والنقائض الشعرية؟ وأين الملاحم من الأدب الغربي الآن؟ وكانت القصة القصيرة والرواية، والمسرحية.. في مطالع القرن العشرين محل سجال حول قيمتها. نعم، دائرة الأدب تتسع لكل نص إبداعي، وإن جاء في صورة استطلاعات صحافية، أو أغان شعرية، وتبقى اللغة الإبداعية هي الفيصل. وإذا كانت الحدود بين الأنواع ليست صارمة، فإن التمييز بين الأنواع الأدبية يظل علامة تطور، وأؤيد «تـودروف» حين رأى أنه «لا يكون هناك أدب دون أجناس أدبية».
ويختتم النجدي رأيه بالقول: «جدارية الأدب والفن تتسع لكل تجريب، لكنها في الوقت ذاته، لا تُسمي الأشياء بغير أسمائها، ولا تسقط الفروق بين الأنواع، حتى لا تنماع الأشياء، وتصبح كل كلمات امتلأت بها واجهات النشر كتابة، وكل هذيان نصا، تقام لأجله منصات النقد، ومهرجانات الدعاية والجوائز».
* صالح: سخرية من الأدب
القاص المصري المقيم في الكويت شريف صالح، يقول «ربما نعتبر فوز سفيتلانا أليكسيفيتش توسيعًا لمفهوم الأدب بالالتفات إلى القيمة الأدبية في الكتابة الصحفية. لكن قياس (تفويز) ديلان عليها في غير محله؛ فالآداب تظل دائمًا مرتبطة بالكلمة وحدها، مهما تنوعت ما بين شعر ورواية ومسرحية وقصة.. أو نصوص عابرة للنوع.. أما الفنون التي تعتمد على (الكلمة) مضافًا إليها إبداعيات أدائية مختلفة مثل السينما والعروض المسرحية والغناء والكوميكس.. فهي تأخذنا إلى حقول أخرى خارج الأدب». ويضيف «لو رجعنا إلى تقاليد الجائزة نجدها ظلت مرتبطة بإبداع الكلمة فقط.. فما الذي سيتوسع تحديدًا في (الأدب) بمنحها لموسيقي؟ بالطبع هو فنان عظيم وله تأثير في الثقافة الشعبية ومتوج بالأوسكار و11 جائزة غرامي.. فلن تضيف (نوبل) أي شيء إليه.. وهو ما يفسر استخفافه وعدم الرد على إدارة الجائزة ولو بتصريح مقتضب.. ومنذ أن ظهر اسمه في الترشيحات قبل سنوات سئل عن ذلك فقال بأنه ليس أديبًا مثل هيمنغواي».
ويضيف صالح: «وكما علق أحد أصدقائه بالقول: أحب ديلان، ولكنه بلا أعمال أدبية، وأعتقد أن الأكاديمية السويدية وضعت نفسها محط سخرية العالم، وهذا الأمر مهين للكتاب.. فما حدث بالفعل ليس توسيعًا للأدب، بل إهانة لعشرات المشروعات الإبداعية الكبيرة.. في ظل ظروف مقعدة يعاني فيه الأدب في معظم دول العالم ويحتاج إلى جائزة مثل نوبل لا يحتاج إليها ديلان. إلا إذا أعادت الجائزة توصيف نفسها لتصبح جائزة نوبل في الآداب والفنون والثقافة الشعبية.. ساعتها يصبح جديرًا بها».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».