الديمقراطيون يتفوقون في اجتذاب التمويل الخارجي

عشرات المنظمات قدمت تبرعات تعدت 200 مليون دولار

المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لدى وصولها كليفلاند الجمعة الماضي (نيويورك تايمز)
المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لدى وصولها كليفلاند الجمعة الماضي (نيويورك تايمز)
TT

الديمقراطيون يتفوقون في اجتذاب التمويل الخارجي

المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لدى وصولها كليفلاند الجمعة الماضي (نيويورك تايمز)
المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لدى وصولها كليفلاند الجمعة الماضي (نيويورك تايمز)

بعد ست سنوات من سماح المحكمة العليا لأجانب بضخ مبالغ مالية كبيرة لتمويل الحملات الانتخابية الوطنية، تمكن الديمقراطيون من بناء منظومة كبيرة تعتمد على التنسيق بين الجماعات الخارجية لدعم حملتهم للانتخابات الرئاسية 2016، عكس التوقعات بأن مال المحافظين والمؤسسات سيهيمن على سباق التمويل الخارجي.
قدمت العشرات من المنظمات المختلفة تبرعات تعدت 200 مليون دولار منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، ومنذ الأول من مايو (أيار)، جرى إنفاق 110 ملايين دولار في الإعلانات عبر التلفزيون والإنترنت والإذاعة لدعم هيلاري كلينتون، وفق سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية حتى الخميس الماضي.
في المقابل، قدم عدد ضئيل من المنظمات الداعمة لدونالد ترامب أقل من نصف هذا الرقم؛ ليعكس التراجع الكبير في الدعم المقدم لحزبه مقارنة بالوضع منذ أربع سنوات عندما أغدق الأثرياء في الحزب الجمهوري على مرشحهم ميت رومني بمئات الملايين من الدولارات.
ويعكس نجاح الديمقراطيين العام الحالي علاقات كلينتون الوثيقة بكبار ممولي حملة حزبها ومن أنصارها الذين يسعون إلى الاستفادة بدرجة أكبر مما فعل الرئيس باراك أوباما من الحكم الصادر عام 2010 في قضية «سيتيزنز يونايتد»، وتعني «مواطنون متحدون»، الخاص بتمويل المنظمات للحملات الانتخابية.
لكن الديمقراطيين مدينون بالكثير أيضا لرجل معين؛ وهو ترامب الذي تسبب فعليا بتحريضه وخطبه المسهبة، وحملاته العنيفة ضد ممولي حزبه في توقف دعم خارجي سخي يقدر بنصف مليار دولار كان قد تلقى حزبه وعدا به.
بهذا الصدد، قال غاي سيسيل، مساعد سابق لكلينتون يرأس جمعية «الأولويات الأميركية» التي تعتبر أكبر جهة تمويلية للحزب الديمقراطي: «أعتقد الجميع أننا سنتجاوز حد الإنفاق، وأنه سيكون هناك دعم سخي يتناسب مع المرشح الآخر، وهو ما لم يحدث».
وقد غابت الكيانات التمويلية الكبرى التي شكلها أو وسعها المحافظون بعد تأسيس منظمة «سيتيزينز يونايتد»، مثل منظمة «أميريكان كروسرودز» التي يمولها كارل روف، والشبكة التي يشرف عليها تشارلز جي وديفين كوتش، ولم تشارك في تمويل حملات الانتخابات الرئاسية الحالية، وبدلا من ذلك ركزت دعمها على حماية الجمهوريين في الكونغرس.
وصرح ستيفين لو، رئيس منظمة «أميريكان كروسرودز» والمنظمات التابعة لها، بأنه «على النقيض من أوباما منذ أربع سنوات، تقبلت كلينتون لعبة المال الخارجي، ومكّنت بدهاء جماعة محددة لنقل رسالتها؛ وهو ما يتناقض أيضا مع الطريق الذي سلكته مجموعة المنظمات الداعمة لترامب».
فقد مهدت منظمة «ستيزنس يونايتد» الطريق للجماعات المستقلة التي تستطيع جمع مبالغ كبيرة من المال من النقابات والمؤسسات والأثرياء للإنفاق على الانتخابات، طالما أنهم لم يقوموا بالتنسيق مع المرشحين أنفسهم أو الأحزاب.
وتحرك الممولون الجمهوريون سريعا للاستيلاء على مئات الملايين من الدولارات التي تدفقت على الانتخابات الوطنية الثلاث الأخيرة، في حين عانى الديمقراطيون في إقناع مموليهم بالاستثمار فيما يعرف بـلجان العمل السياسي «سوبر باكس» بالمستوى نفسه.
وكان منافسو ترامب للترشح عن الحزب الجمهوري يتلقون الدعم من عدد من لجان العمل السياسي، وكذلك من الجماعات الخارجية التي شكلها أنصارهم ومساعدوهم السابقون؛ مما مهد الطريق لإنفاق أكبر عام 2016، لكن ترامب انتصر على غير المتوقع مستغلا شعبيته المجانية ومعتمدا على ثروته الخاصة وقاعدته الشعبية. وجزئيا، وبسبب هذا النجاح، تباطأ ترامب في الاعتماد على لجان العمل السياسي في استراتيجيته للانتخابات العامة.
وعلى النقيض، بدأت كلينتون في التودد إلى الممولين في الجماعات الخارجية بمجرد دخولها الحملة في ربيع 2015.
وتشكل منظمة «بيروريتيز يو إس أيه»، التي تعني «أولويات الولايات المتحدة الأميركية»، العمود الفقري لتمويل الديمقراطيين، وهي لجنة عمل سياسي تأسست منذ خمس سنوات، وباتت قادرة على الوصول إلى أكبر ممولي الحزب وتعتبر النعمة الخفية لكلينتون وباتت قريبة من جمع مبلغ 173 مليون دولار بحلول يوم الانتخابات. ويتجاوز هذا المبلغ أي رقم آخر حصل عليه الحزب الديمقراطي في تاريخه، بما في ذلك المال المثير للجدل الذي جمعه الليبراليون الأثرياء منذ عشر سنوات لحملة الرئيس جورج بوش. وتتولى لجنة العمل السياسي التنسيق مع نشطاء البيئة والعمال وغيرها من المنظمات لجمع الدعم من المحاربين القدماء والأميركيين ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية.
فأثناء اللقاءات نصف الشهرية بمؤسسة قانونية تابعة للحزب الديمقراطي بوسط مدينة واشنطن، اجتمع المسؤولين بمنظمة «بريوريتيز يو إس أيه» مع العشرات من لجان العمل السياسي لتحديد الولايات المتأرجحة والتي لم تستقر على مرشح بعينه، ولتبادل المعلومات بهذا الشأن مع المنظمات العاملة على الأرض. وقد جمع الكثيرون المال مع منظمة «بيروريتيز» لشراء إعلانات تلفزيونية ونشر الإعلانات عبر الإنترنت من خلال المؤسسات الإعلامية نفسها، لمساعدة الجماعات الصغيرة في الحصول على نسب أعلى. أما المنظمات الأخرى ذات الاتجاه اليساري، منها النقابات العمالية ولجان العمل السياسي التي أسسها الملياردير نصير البيئة توم ستير، فأنفقت هي الأخرى الكثير من المال على المنظمات العاملة على الأرض.
كذلك تقاسمت منظمة «بريوريتيز» نفقات بعض الحملات الكبرى مع منظمة «إيميلي ليست»، أكبر الجماعات التقدمية، بهدف انتخاب سيدة من الحزب الديمقراطي. وسمحت لجان العمل السياسي أيضا للجماعات الصغيرة بدخول استوديو التسجيل الإبداعي، وسمحت لغيرها من المنظمات مشاركتها في الإعلانات التلفزيونية والعمل تحت اسمها.
ففي بداية شهر أكتوبر الماضي، على سبيل المثال، شرعت لجنة عمل سياسي مدعومة من الاتحاد العالمي للموظفين في حملة كلفت ثلاثة ملايين دولار باللغة الإسبانية تستهدف الجالية اللاتينية في جنوب فلوريدا بولاية نيفادا. وركزت إعلانات الحملة على العائلات ذات الأصول اللاتينية، موجهة النقد لترامب بوصفه محرضا على «الكراهية والانقسام وعدم الاحترام في بيتونا». وكان فريق تابع لمنظمة «بريوريتيز» هو من تولى الحملة في البداية.
وذكر مسؤولو الحزب الديمقراطي، أن الشراكة أثمرت عن دعاية أفضل ومقدرة أكبر على الوصول إلى الناخبين. ووجهت جماعة باسم «صندوق انتصار اللاتينيين» تدعمها منظمة «بريوريتيز»، بموازنة بلغت 400.000 دولار أنفقتها على الإعلانات، ووجهت النصح بأن تنوع الإعلانات وفق لهجة كل جالية، اعتمادا على الموقع الجغرافي للحملة الدعائية. فمثلا الجالية الكوبية التي تأثرت بالإسبانية ستكون إعلاناتها بولاية ميامي، والمكسيكيين الأميركيين ستكون إعلاناتهم بلكنتهم نفسها بولاية نيفادا.
من الملاحظ أيضا في تلك الحملة التركيز على الليبراليين الأثرياء، حيث إن أكثر من ثلثي إجمالي تبرعات أنصار كلينتون، 133 مليون دولار، قدمتها 30 عائلة فقط. على سبيل المثال، قدم دونالد سوسمان، مستثمر في صناديق التحوط، مبلغ 19 مليون دولار إلى منظمة «بيروريتيز»، ويعد من أكبر التبرعات التي تلقتها لجان العمل السياسي. فيما قدمت عائلة الملياردير بريتزكار، مؤسسة سلسلة فنادق حياة، مبلغ 14 مليون دولار لمنظمة «بريوريتيز» ولغيرها من الجماعات الداعمة لكلينتون. وقدم أيضا الملياردير الليبرالي وفاعل الخير جورج سوروس قدم 13.5 مليون دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير ما قدمه للرئيس أوباما منذ أربع سنوات.
فمع شرود غالبية جماعات الحزب الجمهوري بعيدا عن السباق الرئاسي، قامت كوكبة صغيرة من الجماعات يديرها أنصار ترامب بجمع تبرعات بلغت 46 مليون دولار منذ بداية الحملة. فيما قدمت مجموعة «ذا ناشيونال ريفل أسسوسيشن» الداعمة للاتجاه المحافظ التقليدي والداعمة لترامب مبلغ 20 مليون دولار من خلال لجنة عمل سياسي. في حين انضمت الكثير من الجماعات الداعمة لترامب للحملة متأخرا وبعدما ارتعت كلفة الإعلانات بشكل دراماتيكي وبعدما اشتعلت المنافسة والأسعار بين الوكالات على استقطاب الممولين.
قدمت جمعية أخرى باسم «فيتوتشر 45» مبلغ 13 مليون دولار خصصتها للإعلانات الناقدة لكلينتون، ناهيك عن جمعية أخرى قدمت ملايين عدة، ورفضت الإفصاح عن مموليها. غير إنفاق تلك الجمعيات يبدو مستهدفا الولايات تشتعل فيها المنافسة بمجلس الشيوخ، وذلك بهدف حماية الجمهوريين في صناديق الاقتراع من أي خسائر قد يتسبب فيها ترامب.
وطبقا لبيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية، فقد استطاع ترامب اجتذاب بعض الأفراد من الأثرياء بشكل فردي الأسبوع الماضي، حيث قدم الثري صاحب أندية وملاهٍ ليلية، شيلدون أندلسون، وزوجته مبلغ 10 ملايين دولار لجماعات تتولى نشر إعلانات ضد كلينتون، في حين قدم برنارد ماركوس، مؤسس شركة هوم ديبوت، مبلغ سبعة ملايين دولار للجنتي عمل سياسي داعمين لترامب.
*خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».