التوتر السياسي مع موسكو ينتقل إلى المياه الدولية

خبراء يحذرون من تكرار تحركات «استفزازية قد تفسر بصورة خاطئة»

حاملة الطائرات اليتيمة في الأسطول الروسي «الأدميرال كوزنيتسوف» خلال مرورها في المانش (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات اليتيمة في الأسطول الروسي «الأدميرال كوزنيتسوف» خلال مرورها في المانش (إ.ب.أ)
TT

التوتر السياسي مع موسكو ينتقل إلى المياه الدولية

حاملة الطائرات اليتيمة في الأسطول الروسي «الأدميرال كوزنيتسوف» خلال مرورها في المانش (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات اليتيمة في الأسطول الروسي «الأدميرال كوزنيتسوف» خلال مرورها في المانش (إ.ب.أ)

أثار ظهور مجموعة من أهم وأقوى القطع الحربية في الأسطول الروسي في منطقة بحر المانش، بالقرب من الساحل الجنوبي لبريطانيا، قلقًا في الأوساط العسكرية الأوروبية ومنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ذلك أن مثل تلك التحركات للأسطول الروسي تجري في وقت لا يمكن فيه وصف العلاقات بين الطرفين بأنها عادية أو خالية من التوتر، ولهذا أرسلت وزارة الدفاع البريطانية المدمرة «دنكان» والفرقاطة «ريتشموند»، لمرافقة مجموعة السفن الروسية خلال تحركاتها في تلك المنطقة.
وحسب وكالة «إنتر فاكس» الروسية، أبحرت إلى جانب قطع الأسطول الروسي الحربية مجموعة سفن أخرى تابعة لدول الناتو، وهي الفرقاطة الصاروخية الهولندية «إيفرتسين»، والفرقاطة البلجيكية «ليوبولد - 1»، كما تم رصد مقاتلات (إف - 15) أميركية تحلق في أجواء المنطقة، في الوقت الذي تقف فيه مقاتلات «تايفون» البريطانية على أهبة الاستعداد للتحليق في دوريات لمراقبة مجموعة السفن الروسية.
وتجدر الإشارة إلى أن سفن الأساطيل الروسية كانت قد انطلقت يوم الخامس عشر من أكتوبر (تشرين الأول) في جولة بحرية تجوب خلالها مناطق شمال شرق المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، حيث ينتظر وصولها بصورة خاصة إلى منطقة شرق المتوسط قرب الساحل السوري. وتضم المجموعة الروسية حاملة الطائرات اليتيمة في الأسطول الروسي «الأدميرال كوزنيتسوف»، وعلى متنها مجموعة من أحدث الطائرات المقاتلة والمروحيات القتالية، بما في ذلك مروحية «التمساح» الشهيرة. ويرافق حاملة الطائرات «الأدميرال كوزنيتسوف» الطراد الصاروخي النووي «بيوتر العظيم»، والسفينتان «سيفيرمورسك» و«نائب الأدميرال كولاكوف» المضادتان للغواصات.
وكانت قد نشرت النرويج صورًا لحاملة الطائرات الروسية «الأدميرال كوزنيتسوف»، التي تتخذ من سيفيرومورسك في بحر بارنتس مقرًا لها، كما أعلنت الثلاثاء الكومندان إليزابيث ايكلاند، المتحدثة باسم مركز عمليات الجيش النرويجي. وصرحت لوكالة الصحافة الفرنسية: «أبلغنا أنها في طريقها إلى المتوسط».
وقالت: «من غير المعهود أن نرى هذا العدد الكبير من السفن تبحر معًا قبالة النرويج». وأضافت: «لكن هذا هو نشاط قوات الدفاع النرويجية كل يوم على مدار السنة: نتابع الأنشطة قبالة سواحلنا، خصوصًا السفن والطائرات الروسية».
وأضافت أنه خلال إبحار مجموعة السفن الروسية قبالة سواحل النرويج ستتبعها فرقاطة من البحرية النرويجية عن مسافة بعيدة تتولى بعدها سفينة من بلد آخر من حلف شمال الأطلسي هذه المهمة. وأوضحت أن «التواصل جيد» مع السفن الروسية.
وأعلن الأسطول الروسي أن حاملة الطائرات تبحر إلى سوريا، وعلى متنها عدة طائرات ومروحيات قتالية لتعزيز الوجود العسكري الروسي في هذه المنطقة.
والثلاثاء أعلنت موسكو وقفًا فوريًا للغارات الجوية الروسية والسورية على حلب في بادرة «حسن نية»، وكذلك للسماح بإجلاء المدنيين من أحياء المدينة الواقعة تحت سيطرة قوات المعارضة التي تتعرض لقصف مكثف منذ شهر.
مجموعة السفن الروسية تشكل معًا قوة ضاربة هجومية ودفاعية، يمكنها التعامل مع الأهداف البرية والبحرية العائمة وتحت الماء والجوية في آن واحد، ولعل هذا سبب عسكري - تقني زاد من قلق البريطانيين، ناهيك بالأسباب التي تعود إلى التوتر السياسي بين بريطانيا وموسكو وبين الناتو وموسكو بشكل عام، على خلفية الخلافات بشأن الأزمة الأوكرانية والوضع في سوريا، فضلاً عن أن الخلافات القديمة استراتيجية الطابع بشأن توسع الناتو شرقًا، والدرع الصاروخية الأميركية وغيرها من خطوات تثير قلق موسكو.
وصرح متحدث باسم البحرية البريطانية، بأن حجم القوة البحرية الروسية «غير معتاد»، مضيفًا في تصريحات لـ«بي بي سي»، أن ما يقوم به الأسطول الروسي هو عرض عضلات. إلا أن السفن الروسية كانت «تتصرف بطريقة جيدة»، حيث كانت تحجز مناطق تحليق وتتصل بمحطات حرس السواحل باستمرار. وقال: «الجزء الأهم من هذه السفن هو بالتأكيد حاملة الطائرات». وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، إن عملية انتشار السفن «لا توحي بالثقة» بأن موسكو تسعى إلى حل سياسي للأزمة السورية. وأكد وجود «خطط بأن تراقب القوات البحرية لحلف شمال الأطلسي السفن الروسية أثناء توجهها إلى مياه المتوسط».
ويحذر الخبراء من خطورة تلك التحركات في الوقت الراهن، لا سيما أن أي طرف قد يفسر أي إجراء يقوم به الطرف الآخر بصورة خاطئة، مما قد يؤدي إلى نشوب مواجهة محدودة، مؤهلة للتوسع. هذا في الوقت الذي يكرر فيه المراقبون التحذيرات التي كانت تشكل أرضية تنطلق منها الدول الكبرى في تحركاتها العسكرية البرية أو الجوية أو البحرية، ومن أهم تلك التحذيرات محاولة تفادي أي تحركات قرب قوات الخصم، تفاديًا لأي حادث غير متوقع قد يشكل فتيلاً لمواجهة لا يريدها أحد ولن تفيد أحدًا.
إلا أن المشهد يبدو مختلفًا اليوم، ولا تظهر القوى الكبرى أي اهتمام بتلك التحذيرات، إذ كثيرًا ما تجري حوادث نشاط عسكري لطرف بالقرب من قوات للطرف الآخر. ومن تلك الحوادث على سبيل المثال لا الحصر، تحليق مقاتلات ومروحيات روسية على مقربة من المدمرة الأميركية «دونالد كوك» في مياه بحر البلطيق، وجرى ذلك في شهر أبريل (نيسان) الماضي، حينها كانت المدمرة الأميركية تستعد لمناورات في المنطقة، وحلقت بالقرب منها مقاتلة روسية من طراز «سو - 24» ومن ثم مروحية من طراز «كا - 27»، وفي الحادي عشر من أبريل اقتربت الطائرات الروسية من المدمرة الأميركية أكثر من عشرين مرة، في إحداها حلقت المقاتلة الروسية على ارتفاع لا يزيد على 30 مترًا فوق المدمرة، وعلى مسافة 900 متر. وحسب الرواية الأميركية، فقد قامت المقاتلة الروسية بحركات تحاكي شن هجمة جوية أثناء تحليقها فوق المدمرة، علمًا بأنها لم تكن محملة بأي ذخائر.
حينها رأت الولايات المتحدة في تلك الحادثة «انتهاكًا لاتفاقية عام 1970 حول تفادي الحوادث في المياه الدولية». وقال جوش آرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن «مثل تلك الحركات لا تتوافق مع المعايير المهنية لسلوك القوات المسلحة بالقرب من قوات أخرى في المياه والأجواء الدولية». بينما رأى «البنتاغون» أن مناورات الطيارين الروس كانت «خطيرة واستفزازية وكان من شأنها أن تؤدي إلى صدام».
وأخيرًا، مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي حلقت طائرات استطلاع أميركية أكثر من مرة فوق البحر الأسود واقتربت من الحدود الروسية، الأمر الذي أثار استياء وغضب موسكو. وكانت مقاتلة روسية قد حلقت على مسافة لا تزيد على ثلاثة أمتار بالقرب من طائرة استطلاع أميركية كانت تحاول الاقتراب من الحدود الروسية في منطقة البحر الأسود، وقد اعتبر الأميركيون أن اقتراب المقاتلة الروسية إلى هذه المسافة القريبة جدًا عمل خطير قد يؤدي بحال تكرر إلى تصادم الطائرتين. ويحذر المراقبون من أن ازدياد حوادث كهذه في ظل التوتر السياسي بين روسيا والناتو تهدد بزيادة احتمالات وقوع حادث بالخطأ، الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة بحال لم تتوفر إرادة سياسية كافية لدى الأطراف لاحتواء الموقف.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».