ضبابية في النظرة المستقبلية للاستثمار الأوروبي بعد «البريكست»

زيادة المخاطر على حجم الأعمال وقيمها

ضبابية في النظرة المستقبلية للاستثمار الأوروبي بعد «البريكست»
TT

ضبابية في النظرة المستقبلية للاستثمار الأوروبي بعد «البريكست»

ضبابية في النظرة المستقبلية للاستثمار الأوروبي بعد «البريكست»

كان تصويت بريطانيا في الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، بمثابة سحاب يخيم على النظرة المستقبلية السياسية في المنطقة؛ وهو ما زاد من ضبابية النظرة المستقبلية فيما يتعلق بالاقتصاد والاستثمار. ولا يزال من السابق لأوانه، حتى بعد مرور ثلاثة أشهر على التصويت، إدراك حجم تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد على الظروف الاقتصادية وقطاع الأعمال، كما أوضح مستشارون في الاستثمار، حيث أقرّوا باستعادة الهدوء، لكنهم في الوقت ذاته حذروا من استمرار وجود مخاطر على الأعمال في أوروبا، وبريطانيا بوجه خاص، على المدى الطويل، يجعل المستثمرين يواجهون مخاطر أيضًا.
وقال آلان مودي، رئيس استراتيجية الاستثمار في «سوسيتيه جنرال برايفت بانكينغ هامبرز»، إن النظرة المستقبلية للاستثمار باتت «إيجابية بدرجة أقل كثيرًا». وإلى أن تصبح الأمور واضحة أمام الشركات بشأن العلاقة طويلة الأمد مع الاتحاد الأوروبي، سوف يرجئون القيام باستثمارات، على حد قوله. وأضاف «من غير المنطقي القيام بأمر غير ذلك إلى أن يعلموا شكل السوق الذي سيتعاملون معها».
وترى سارة كيتيرير، مديرة صندوق «كوزواي إنترناشونال فاليو» أنه «من جهة الاستثمار، كل شيء بات مؤجلا». وأوضحت أنه نتيجة لذلك، كانت «توقعاتها وافتراضاتها متحفظة للغاية» بشأن الأحوال في بريطانيا، وتوقعت حدوث ركود بسيط خلال عام 2017.
وليست سارة فقط من ترى ذلك، كما أن الأمر لا يقتصر على بريطانيا، حين يتعلق بعواقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وحذر مصرف «باركليز البريطاني» من احتمال أن يتسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في هبوب رياح عكسية على الاقتصاد في بريطانيا وأوروبا خلال الأشهر المقبلة. ومع تسليط مصرف «باركليز» الضوء على استطلاعات توضح تراجع ملحوظ لخطط الشركات الخاصة بالاستثمار، وتآكل كذا تراجع ثقة المستهلك، يتوقع أن يشهد الاقتصاد البريطاني ركودًا وتراجعًا قريبًا.
أما بالنسبة إلى أوروبا بوجه عام، فصرح المصرف في تقرير عن الاقتصاد خلال شهر أغسطس (آب) «نتوقع المزيد من التباطؤ في النمو حتى نهاية العام، حيث يؤثر الخروج من الاتحاد الأوروبي في الثقة، والاستهلاك الخاص، والاستثمار». وأوضح التقرير، أنه تم التكتم على رد الفعل تجاه التصويت في البيانات الاقتصادية الخاصة بالمنطقة، وكذلك على البيانات الخاصة بالثقة، لكن جاء في التقرير أن «أكثر العناصر المستقبلية توضح استمرار التراجع، وتوقع تأثر الثقة بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة. من المرجح أن تؤثر حالة الغموض في الاستثمار، وتؤدي إلى تكون حلقة سلبية من رد الفعل في سوق العمل والاستهلاك الخاص».
كان رد الفعل الأولي للتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي أكثر وضوحًا، حيث توقع الكثيرون أن يكون تأثير الخروج من الاتحاد الأوروبي على البلاد، والمنطقة، وخارجها، مروعًا. وكانت النتيجة هي تراجع في أسواق الأوراق المالية، والعملات، في كل مكان تقريبًا.
وتراجع مؤشر مورغان ستانلي الأوروبي للأسواق الناشئة بنسبة 13 في المائة خلال يومي التداول التاليين لاستفتاء 23 يونيو (حزيران)، وكذلك تراجع مؤشر مورغان ستانلي للأسواق الناشئة لأسواق الأوراق المالية البريطانية، بنسبة 15.7 في المائة. ويتم احتساب المؤشرين بالدولار؛ لذا تشمل هذه الأرقام انخفاض الأسهم، وكذلك انخفاض قيمة اليورو، والجنيه الإسترليني مقابل الدولار.
مع ذلك في غضون أسبوع، استعاد المؤشران أكثر من نصف الخسائر، رغم عدم وضوح الرؤية. وتولت رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة المسؤولية، وتعهدت باحترام قرار مغادرة التكتل المكون من 28 دولة، لكن لا يزال كل شيء يتعلق بمغادرة بريطانيا معلقًا في الهواء. لم تتغير النظرة المستقبلية، وتغيرت فقط مشاعر الناس تجاهها.
واستقرت الأسواق في المنطقة، مما يساعد المستثمرين الذين يغامرون بالاستمرار، وارتفعت الصناديق المالية المتخصصة في الأسهم الأوروبية بنسبة 5.3 في المائة خلال الربع الثالث، وذلك بحسب شركة «مورنينغ ستار» للأبحاث. مع ذلك لا يزال توجه المستثمرين والأعمال من هذه النقطة غامضًا.
والذي يجعل من الصعب قياس النظرة المستقبلية للوضع بعد الاستفتاء بالنسبة للأعمال، هو عدم توضيح بريطانيا بعد لكيفية احترامها نتيجة الاستفتاء. وأشار تقرير صادر عن شركة «بروين دولفين» البريطانية لإدارة الثروة، إلى أن الحكومة الجديدة برئاسة تيريزا ماي سيتعين عليها أن تكون في غاية الحرص عند محاولتها الإبقاء على البلاد في السوق الأوروبية المفردة للسلع والخدمات، مع فرض قيود على الهجرة. قد يتضح كيفية تحقيق بذلك خلال الربيع المققبل، وقالت ماي في وقت سابق من الشهر الحالي، إن بريطانيا ستستعين بالمادة 50 خلال شهر مارس (آذار)، وهي مادة في معاهدة الاتحاد الأوروبي تحكم عملية مغادرة أي بلد للاتحاد.
ويتضح أثر وجود قلق بين رجال الأعمال في استطلاع الرأي، الذي أجراه المصرف المركزي البريطاني عقب الاستفتاء، حيث أوضح أن الشركات ترى أن للاستفتاء أثرًا سلبيًا بوجه عام في إنفاق رأس المال، والتوظيف، والدوران خلال العام المقبل. وأضاف التقرير «تراجعت نوايا التوظيف والاستثمار بشكل مطلق؛ مما يشير إلى توقعات بحدوث تغييرات طفيفة في أعداد العاملين، وإنفاق رأس المال خلال الفترة التي تتراوح بين ستة أشهر و12 شهرًا».
ويعتزم جيمس هانت، مدير صندوق «توكفيل إنترناشونال فاليو»، منح الثقة للاقتصاد، والأسهم في بريطانيا، وباقي أنحاء أوروبا رغم الشكوك فيما يتعلق بأمر مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، عندما يحدث أو إذا حدث. وقال هانت «رد فعل السوق مبالغ فيه؛ فقد لا تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هناك طرق كثيرة يمكن أن تساعد حكومة المملكة المتحدة في الحيلولة دون حدوث ذلك» من خلال ما تطلبه، وتوقيته، في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي. وفي حال الاتجاه نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي قال «سيكون في البداية هناك تأثير متوسط على المملكة المتحدة، ثم ستتحسن الأمور بعد ذلك كما أعتقد». وأضاف «سيكون هناك تأثير محدود في الاقتصاد الأوروبي، وآمل أن يكون ذلك حافزا آخر لأوروبا للإسراع بإجراء إصلاحات هيكلية يرونها لازمة».
وانتظرت بعض مؤسسات الأعمال، والمستثمرون في أوروبا، لسنوات كثيرة مبادرات حكومية تحد من العقبات التنظيمية، وتجعل العمالة أرخص، وتزيد مرونة التوظيف، وهو ما من شأنه تحسين القدرة التنافسية، وزيادة النمو الاقتصادي.
كان احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قادرًا على جعل القادة السياسيين يفكرون بوضوح أكبر في الأمور المهمة، لكن قالت سارة كيتيرير إن الكثير من الشركات الكبرى قد سأمت الانتظار، وتتجه نحو القيام بتغييرات خاصة بها. وتضيع هذه الحقيقة في خضم حالة الخوف من عوامل مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ مما يعد بفرص استثمار كبيرة راسخة خاصة في كبرى الشركات الأوروبية، والشركات متعددة الجنسيات في قطاعات هشة اقتصاديا بحسب ما ترى.
وأضافت «ربما سيكون علينا الانتظار قليلا ريثما تقوم الحكومات بإعادة الهيكلة، لكن هذه الشركات لن تنتظر. نحن نحب حقًا تلك الشركات الدورية التي تتمتع بتنافسية عالمية، حيث تتم إدارتها بطريقة جيدة، وأقل تكلفة» من أسهم نظرائها من الشركات الأميركية.
انتشر تفضيل الشركات البريطانية الكبرى، التي تحقق أرباحا في الخارج، حيث يحب هانت شركة «دياغو» الموردة للمشروبات على سبيل المثال. وقال «التدفق النقدي بها عالمي، والتصور الخاص بعلاقتها بالمملكة المتحدة أكبر من العلاقة الفعلية».
ومن شأن تحقيق عائد متنوع عالمي أن يحصن تلك الشركات من ضعف الجنيه الإسترليني، وهو تطور يمنح المستوردين البريطانيين ميزة تنافسية كبيرة في مواجهة أقرانهم في الأماكن الأخرى نظرًا لانخفاض سعر السلع والخدمات البريطانية المقدمة للعملاء الأجانب، على حد قول مودي من «سوسيتيه جنرال». ويمثل هذا سببا رئيسيًا لتفضيل الشركات البريطانية الكبرى.
ويوصي بقطاع الرعاية الصحية، والقطاع الاستهلاكي، في دائرة الاتحاد الأوروبي. ينبغي أن تستفيد الأسهم الاستهلاكية من استمرار التراجع في التوظيف، وتحسن فرص الحصول على قروض مصرفية على حد قوله. وبالنظر في وضع السوق بشكل أكثر شمولا، يتوقع أن يتفوق أداء الأسهم الأميركية على الأسهم الأوروبية، في حين يكون وضع الأسهم البريطانية أفضل من غيرها في أوروبا.
وقالت سارة كيتيرير، إنها تأمل كثيرًا في الشركات المالية البريطانية. وأثر خفض المصرف البريطانية المركزي لسعر الفائدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على أسهمها، وتعتمد أرباح المصارف على الفرق بين سعر فائدة الاقتراض وسعر فائدة الإقراض، الذي تراجع مع انخفاضهما، وتعتمد أرباح شركات التأمين على الدخل المدفوع على السندات التي تستثمر فيها أقساط التأمين التي يدفعها أصحاب بوالص التأمين. مع ذلك، ترى أن أسهم المصارف، وشركات التأمين تراجعت بشدة إلى حد المخاطرة. وتحب سارة شركتي التأمين البريطانيتين «برودينتشال» و«أفيفا». وقالت إنه من بين الشركات البريطانية متعددة الجنسيات شركة الطاقة «شيل» هي الأفضل بالنسبة إليها نظرًا لثبات العائد المرتفع على سهمها الذي يقترب من 7 في المائة.
مع ذلك، لا يمكن أن تتضح قيمة وجودة أي سهم أوروبي إلا إذا انقشع الضباب المحيط بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتذكّر سارة المستثمرين بأن هذا الأمر قد يستغرق بعض الوقت. وأضافت «لقد زال أثر الصدمة الأولى» منذ الاستفتاء، لكن «لم يستقر الوضع في المملكة المتحدة بعد؛ فلا يزال الطريق طويلا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



غروسي: الطاقة النووية قد تتضاعف 3 مرات بحلول 2060

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)
مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)
TT

غروسي: الطاقة النووية قد تتضاعف 3 مرات بحلول 2060

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)
مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، إنه يتوقع أن يزداد استخدام الطاقة النووية ثلاثة أضعاف بحلول عام 2060.

وقال رافائيل غروسي في التقرير السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن هذا سيكون مدفوعاً بالتحول إلى استخدام الكهرباء ومراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي و«شهية شركات التكنولوجيا للحصول على طاقة موثوقة وخالية من الكربون».

وأضاف أن عدداً متزايداً من الدول ينظر إلى الطاقة النووية على أنها أساسية لتحسين أمن الطاقة لديها، مؤكداً أنها تتساوى مع الطاقة الشمسية و«أكثر أماناً من أي خيار آخر».

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية: «في عام 2025، أنتج أكثر من 400 مفاعل عامل في أكثر من 30 دولة 10 في المائة من الكهرباء العالمية وربع الكهرباء منخفضة الكربون... هناك أكثر من 60 مفاعلاً جديداً قيد الإنشاء وقد ارتفعت توقعات القدرات النووية المستقبلية بشكل كبير».

وبالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للطاقة النووية للأغراض السلمية، تحدث غروسي عن البرامج النووية في إيران وكوريا الشمالية، و«التهديدات غير المسبوقة للسلامة النووية» الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، والتقارير المثيرة للقلق التي تفيد بأن دولاً أخرى لم يذكر اسمها تتحدث عن حيازة أسلحة نووية.

وفيما يتعلق بإيران، التي ضربت الولايات المتحدة مواقعها النووية العام الماضي قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 فبراير (شباط)، أخبر غروسي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أنه تم إنجاز العمل الفني اللازم للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي.

وقال: «أدعو الأطراف إلى مضاعفة جهودها نحو الاتفاق على حل دبلوماسي يتضمن دور التحقق الذي لا غنى عنه للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي من دونه لا يمكن لأي اتفاق أن يكون مستداماً. يجب أن يكون بإمكان مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية العودة إلى إيران بسرعة. وهذا يتطلب العودة إلى طاولة المفاوضات».


3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
TT

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)

قال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، إن ثلاث ناقلات محملة بالديزل الروسي في طريقها إلى أميركا الشمالية.

وقال نوفاك، في بيان نقلته وكالات الأنباء الروسية مساء الجمعة، إن الشحنات تأتي في إطار اتفاق لتزويد الأسواق الأميركية والعالمية. وأضاف: «الناقلات الثلاث الأولى للوقود في طريقها بالفعل إلى الساحل الشرقي للمحيط الأطلسي، بدعم كبير من صندوق الاستثمار المباشر الروسي».

وأوضح نوفاك أن الشركات الروسية يمكنها توريد 500 ألف طن في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وبموجب اتفاق أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الشهر، وافقت روسيا على تزويد الأسواق العالمية بالديزل في محاولة لخفض أسعار الوقود. ورفعت إدارة ترمب مؤقتاً العقوبات الأميركية على الوقود الروسي التي كانت تهدف إلى حرمان موسكو من الإيرادات اللازمة لتمويل حربها على أوكرانيا.

ونص الاتفاق الذي أعلن عنه ترمب على توريد 300 ألف طن في أكتوبر ومزيد من الكميات في وقت لاحق.

وذكر تقرير لـ«رويترز» نشر الجمعة مستشهداً ببيانات تتبع السفن، أن أول شحنة من الديزل الروسي كانت على متن ناقلة متجهة إلى نيويورك.


التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الخميس المقبل، وسط تصاعد المخاطر المحيطة بالتضخم، بفعل استمرار الحرب مع إيران وبقاء أسعار الطاقة فوق 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع اضطرابات سياسية ومالية في فرنسا تزيد الضغوط على أسواق السندات، وتفاقم المخاوف بشأن استدامة المالية العامة.

وفي ظل هذه التحديات، تتجه أنظار المستثمرين إلى تصريحات البنك بحثاً عن إشارات توضح ما إذا كان تثبيت الفائدة سيمهد لمزيد من التشديد النقدي، أم أن مخاطر تباطؤ النمو ستدفعه إلى التريث.

وقال ديفيد كومبس، رئيس استثمارات الأصول المتعددة لدى «راثبونز لإدارة الأصول»، إن تحديد أسعار الفائدة في ظل هذه الظروف يمثل مهمة بالغة الصعوبة. وبينما تتوقع الأسواق الإبقاء على الفائدة دون تغيير في أكتوبر (تشرين الأول)، تتركز التساؤلات على مسار السياسة النقدية في الأشهر المقبلة، واحتمالات رفع الفائدة مجدداً، إلى جانب تداعيات اضطرابات سوق السندات الفرنسية، ومستقبل رئاسة كريستين لاغارد للبنك.

تثبيت الفائدة في أكتوبر

تتوقع الأسواق أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي عند 2.5 في المائة، بعد رفعه في يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول)، لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب مع إيران.

لكن التثبيت المتوقع لا يعني بالضرورة انتهاء دورة التشديد النقدي؛ إذ يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم، أن يرفع البنك الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول). وقال هنري كوك، كبير الاقتصاديين لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه»، إن المخاوف بشأن التضخم لم تتراجع بصورة جوهرية.

وبذلك، لن يقتصر اهتمام الأسواق على القرار المرتقب؛ بل سيمتد إلى مدى استعداد البنك لمواصلة رفع الفائدة إذا استمرت الضغوط على أسعار الطاقة وابتعد التضخم عن المسار المستهدف.

طائر يحلق فوق مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

ترقب لرسائل البنك

من المرجح أن يتمسك البنك بنهجه القائم على تقييم البيانات الاقتصادية اجتماعاً بعد آخر، من دون الالتزام المسبق بمسار محدد لأسعار الفائدة. ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه التضخم 3.8 في المائة خلال سبتمبر، بينما تثير زيادة عوائد السندات الحكومية مخاوف من ارتفاع تكاليف الاقتراض وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وكانت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، قد دافعت عن نهج وصفته بأنه «استجابة متوازنة»، في إشارة إلى ضرورة الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد الأوضاع المالية بما يضر بالنشاط الاقتصادي.

وقال روهان خانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة باليورو لدى «باركليز»، إن البنك سيشير بوضوح إلى تشديد الأوضاع المالية، وما قد يترتب عليه من تباطؤ النمو والحد من الضغوط التضخمية. لكنه لفت إلى استمرار عدم اليقين بشأن مسار الصراع وتوقعات أسعار الطاقة، وهما عاملان سيظلان مؤثرين في قرارات السياسة النقدية المقبلة.

أسعار الطاقة

لا يبدو أن البنك المركزي الأوروبي يشعر بقلق مفرط، في الوقت الراهن، من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى والأجور، وفقاً لتصريحات مسؤولين فيه، من بينهم كبير الاقتصاديين فيليب لين.

وارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، إلى 2.5 في المائة الشهر الماضي، مقارنة بـ2.4 في المائة، في زيادة محدودة تشير إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة لم يؤدِّ حتى الآن، إلى موجة واسعة من التأثيرات الثانوية التي قد تغذي دوامة تضخمية يصعب احتواؤها.

ومع ذلك، يُرجح أن يؤكد البنك ضرورة مواصلة اليقظة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط بنحو 80 في المائة منذ بداية العام، واستمرار التضخم العام فوق مستهدفه البالغ 2 في المائة.

وقال باس فان خيفن، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى «رابوبنك»، إن تصعيد الحرب مع إيران أو استمرار الضغوط على أسعار الطاقة، قد يعزز احتمالات رفع الفائدة خلال عام 2027>

وتسعّر الأسواق احتمال تنفيذ زيادتين على الأقل في أسعار الفائدة بحلول منتصف 2027، ما يعكس استمرار المخاوف من بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.

أزمة السندات الفرنسية

تضع الاضطرابات السياسية والمالية في فرنسا البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة معقدة؛ إذ يراقب تطورات سوق السندات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية صعوبات سياسية واحتجاجات قد تعرقل جهودها لتحسين أوضاع المالية العامة.

وتجاوز عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 24 عاماً. كما ارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية، الذي يعكس العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية، إلى 170 نقطة أساس، مقارنة بـ92 نقطة أساس خلال اجتماع البنك الشهر الماضي.

ورغم هذه الضغوط، لا يُتوقع أن يلجأ البنك قريباً إلى أدوات استثنائية، مثل «أداة حماية انتقال السياسة النقدية»، التي تتيح له شراء سندات دولة عضو إذا واجهت تشديداً غير مبرر وغير منظم في أوضاع التمويل.

وتؤكد لاغارد أن معالجة مشكلات الديون الفرنسية تتطلب ضبط أوضاع المالية العامة. وفي هذا السياق، قال هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين لدى «بيرينبيرغ»، إن البنك قد يتريث في رفع الفائدة إذا رأى أن أزمة محتملة في فرنسا يمكن أن تلحق ضرراً ملموساً بالنمو الاقتصادي.

وأضاف أن انتقال تداعيات أزمة فرنسية افتراضية إلى دول أخرى تتمتع بأوضاع مالية أكثر استدامة، قد يدفع البنك إلى استخدام أداة حماية انتقال السياسة النقدية لحماية تلك الدول، لا فرنسا.

وتكشف هذه المعادلة عن تحدٍّ إضافي أمام صناع السياسة النقدية؛ فالتشديد النقدي قد يساعد في احتواء التضخم، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه أعباء التمويل، ويعمق الضغوط على الاقتصادات الأكثر هشاشة مالياً.

لاغارد تتحدث خلال الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - رويترز)

خلافة لاغارد

لا تقتصر التساؤلات المحيطة باجتماع البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة والتضخم؛ بل تمتد إلى مستقبل قيادته، في ظل تقارير عن احتمال تعيين كريستين لاغارد رئيسة لمجلس إدارة المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت مبكر من نوفمبر (تشرين الثاني).

ويُعدّ كلاوس كنوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، من أبرز المرشحين المطروحين لخلافتها.

ومن شأن رحيل لاغارد أن يفتح الباب أمام شغور منصب ثانٍ في المجلس التنفيذي للبنك، المؤلف من 6 أعضاء، بعد الاستقالة الأخيرة لإيزابيل شنابل. كما تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار).

ومن المقرر أن تنتهي ولاية لاغارد في أكتوبر من العام المقبل، لكن مغادرتها قبل الموعد قد تتيح وقتاً أوسع لاختيار رئيس جديد للبنك قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع.

وأشار محللون إلى أن احتمال إجراء انتخابات مبكرة في إسبانيا قد يؤثر أيضاً في الحسابات السياسية المرتبطة باختيار خليفتها، ما يضيف بُعداً سياسياً إلى مرحلة تشهد أصلاً تحديات اقتصادية ونقدية معقدة.

وفي المحصلة، يدخل البنك المركزي الأوروبي اجتماعه المقبل وسط توازن دقيق بين مخاطر التضخم المدفوعة بالطاقة، وضغوط أسواق السندات، واحتمالات تباطؤ النمو. وبينما يبدو تثبيت الفائدة الخيار الأرجح في أكتوبر، ستظل نبرة البنك بشأن الخطوات التالية العامل الأهم في تحديد توقعات المستثمرين، لا سيما إذا كانت الضغوط التضخمية ستدفعه إلى استئناف رفع الفائدة في الأشهر المقبلة.