دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر

عقّد الحياة السياسية بـ«لاءاته» وعارض النظام الرئاسي.. ثم أصبح أول مروّج له

دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر
TT
20

دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر

دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر

بعدما عُرف رئيس حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت بهشلي بـ«رجل اللاءات» الذي تسبّب في تعقيد المشهد السياسي في البلاد، وجعلها تعيش صيفًا مضطربًا بعد انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015، التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم للمرة الأولى فرصة تشكيل الحكومة منفردا، أطل بوجه «توافقي» مختلف تمامًا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وتحوّلت سياسات بهشلي إلى لغز محيّر عقب انتخابات يونيو 2015، فبدلاً من أن يبادر حزبه إلى تقديم الرؤى والمشاريع السياسية والحلول للمشكلات المستعصية، عمد إلى انتهاج سياسة سلبية تقوم على ردود الفعل، وتتمركز حول العداء الصريح المعلن لشخص رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، وتحميله مسؤولية كل شيء، وانتقاده بأسلوب يخلو من اللباقة والدبلوماسية، مما دفع إردوغان إلى الرد بالمثل.
رفع الزعيم القومي التركي دولت بهشلي «لاءاته» الشهيرة بعد انتخابات يونيو العامة التركية، وهي: لا للمشاركة في حكومة ائتلافية، سواء مع حزب العدالة والتنمية أو مع غيره من الأحزاب الأخرى؛ ولا لتشكيل حكومة أقلية مؤقتة تسير شؤون البلاد إلى حين إجراء الانتخابات المبكرة؛ ولا للمشاركة في أي تشكيل حكومي يكون حزب الشعوب الديمقراطي طرفًا فيه.
ثم أدهش بهشلي، السياسي العجوز المخضرم، الذي عاني خلال ما يقرب من عام من صراعات داخل حزبه تمكّن من التغلّب عليها في النهاية بالإطاحة بخصومه الذين نازعوه على رئاسة الحزب، وفي مقدمتهم نائبته ميرال أكشنار، الشارع التركي بمواقفه الإيجابية منذ محاولة الانقلاب. فمنذ ذلك الحين، ساير حزب العدالة والتنمية في خطواته لوقف التهديدات التي تتعرّض لها تركيا، وأيد فرض حالة الطوارئ ثم تمديدها، والأبعد من ذلك تأييده للنظام الرئاسي، ومطالبة نواب حزبه في البرلمان بالاستفتاء عليه.
وإذا كان هذا ليس بغريب على الحركة القومية، بوصفه حزبًا يدافع عن القومية التركية، إلا أن ما بدا غريبا حقا هو الدوران العكسي لزعيم الحزب بهشلي، الذي تسبب في عرقلة تشكيل حكومة ائتلافية عقب انتخابات يونيو 2015 بسبب رفضه فكرة النظام الرئاسي الذي طالب به رجب طيب إردوغان من أجل توسيع سلطاته.
وكان بهشلي قد دخل في معارك وتلاسن حاد مع إردوغان منذ بدأ الحديث عن النظام الرئاسي بشكل كثيف في عام 2013، وشكّل جبهة مع حزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري) وعدد آخر من الأحزاب للدفع بمرشح توافقي في انتخابات الرئاسة في أغسطس (آب) 2014، في محاولة لمنع إردوغان من الفوز بها، وقدّموا الرئيس السابق لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو مرشحًا منافسًا لإردوغان، فضلا عن رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح دين دميرتاش الذي دخل مرشحًا ثالثًا، ولكن فاز إردوغان في نهاية المطاف بنسبة 52 في المائة من أصوات الناخبين.
النظام الرئاسي كان سببًا رئيسيا لحالة من الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي في تركيا، لذلك سعى رئيس الوزراء السابق الدكتور أحمد داود أوغلو لإسقاطه من أجندة حزب العدالة والتنمية في حملة الدعاية للانتخابات المبكرة التي أجريت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي استعاد فيها الحزب الحاكم غالبية مكّنته من تشكيل الحكومة، لكنها لم تمكنه من الانفراد بالقرار في البرلمان.
في هذه الانتخابات التي طالب بها بهشلي منذ البداية، خسر حزبه نسبة كبيرة من أصواته، ولم يحصل إلا على 40 مقعدًا من مقاعد البرلمان، وأصبح ترتيبه الرابع بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، خلف أحزاب العدالة والتنمية والشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، وذلك بسبب التعنّت وسياسة الـ«لاءات» التي اعتمدها بهشلي في هذه الفترة.
جديد بهشلي
الجديد الذي أذهل الرأي العام والوسط السياسي والمتابعين للشأن التركي، كان تصريح دولت بهشلي، الأسبوع قبل الماضي، حول إمكانية الذهاب إلى استفتاء شعبي فيما يخصّ النظام الرئاسي والدستور الجديد. وجاء ذلك في لقاء صحافي عقده بهشلي في مركز حزب الحركة القومية، وأجاب فيه عن الأسئلة المتعلقة بآخر المستجدات المحلية. وبعدها، أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم أن حكومته ستتقدم قريبا إلى البرلمان بمشروع دستور جديد يتضمن النظام الرئاسي، وأن ذلك لا يسبب أية مشكلة بينه بوصفه رئيسًا للحكومة والرئيس رجب طيب إردوغان بوصفه رئيسًا للجمهورية، وأنه أوضح منذ البداية أن حكومته ستعمل على تطبيق النظام الرئاسي، وستسير على منهج الزعيم التاريخي للحزب رجب طيب إردوغان. ومن ثم، قدم يلدريم الشكر إلى بهشلي لدعمه.
ويوم الاثنين الماضي، التقى يلدريم وبهشلي لإجراء مزيد من النقاش حول النظام الرئاسي والدستور الجديد، وعاد بهشلي ليدعم من جديد الاستمرار في النقاشات حول النظام الرئاسي والدستور الجديد، قائلا: «علينا أن نرى أولا النص الذي سيُقدم إلى البرلمان من قبل اللجان التي كلفت بهذا الأمر؛ منذ زمن والمباحثات جارية في هذا الصدد.. تركيا بحاجة ماسة إلى صيغة جديدة متفق عليها في ظل التطورات العالمية الحالية».
وأكد بهشلي ضرورة إنهاء المباحثات والجدل الدائر حول النظام الرئاسي والدستور الجديد، من خلال الصيغ الجديدة التي من الممكن الاتفاق حولها، موضحا أن «رؤية حزب الحركة القومية تتلخص في إيجاد صيغة من شأنها أن تعطي الأولوية للوطن، وكذلك من شأنها أن تسهم في حل المشكلات التي تعترض تركيا». واعتبرت الأوساط السياسية في تركيا أن بهشلي أعطى بهذه التصريحات الضوء الأخضر لإمكانية الذهاب إلى استفتاء شعبي على الدستور الجديد الذي سيتضمن النظام الرئاسي.
خلافات المعارضة
الموقف الجديد لبهشلي فتح زاوية للخلاف في أوساط المعارضة التركية، بعدما انتقد بشكل غير مباشر موقف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الذي انضوى بعد فشل محاولة الانقلاب تحت مظلة التوافق وروح التضامن التي حدثت في تركيا، لكنه أراد ألا يتخلى عن دوره بوصفه حزبا معارضا وظيفته توجيه النقد للسياسات والقرارات التي يرى أنها لا تنسجم مع رؤيته. إذ قال بهشلي: «نحن عبرنا عن موقفنا. وفي النهاية، كلّ يتبنى الروح التي يريدها، ومن لا يريد أن يتبنى تلك الروح أسأل الله أن يسهل طريقه».
وهذا الموقف من جانب بهشلي عرضه لانتقادات حادة من جانب حزب الشعب الجمهوري، إذ ردّت المتحدثة باسم الحزب سيلين ساياك بوكيه على انتقادات الزعيم القومي العجوز لرئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو، واصفة التحول الكبير لحزب الحركة القومية، ورئيسه بهشلي، من التعنت في رفض النظام الرئاسي والتوافق بين الأحزاب عقب انتخابات يونيو 2015 إلى الترويج للنظام الرئاسي حتى قبل أن تفتح الحكومة هذا الموضوع، وفتحه الباب أمامها لعرضه على البرلمان، بأن «الحركة القومية بات مثل إطار السيارة البديل (الاستبن) لحزب العدالة والتنمية الحاكم، يستعان به في وقت الأزمات». وعندما سئل بهشلي عن تعليقه على هذا الوصف، قال: «كان على زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو الردّ على هذا التصريح».
وأوضح بهشلي أن لحزبه مبادئ وأهدافا وغايات خاصة به، وليس بحاجة لأن يكون «استبنًا» لحزب آخر يستعين به وقت الأزمات، ولفت إلى أن أي فهم مختلف لموقف حزبه هو فهم خاطئ، موضحًا: «عندما يخرج أحدهم ويتحدث بصفته الناطق لحزب الشعب الجمهوري، وينعتنا بهذه النعوت، على زعيم الحزب كمال كليتشدار أوغلو أن يعطي الرد اللازم».
غالبية الثلثين
جدير بالذكر أن الموافقة على أي تعديل دستوري في البرلمان مباشرة تحتاج إلى غالبية ثلثي أعضاء البرلمان (367 صوتا من بين 550 هو عدد مقاعد البرلمان)، ومن أجل طرح تعديل الدستور في استفتاء شعبي هناك حاجة لموافقة ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان (330 صوتا)، يملك حزب العدالة والتنمية 317 مقعدا (بما فيها مقعد رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان). ولذلك، فهو يحتاج إلى دعم أحزاب أخرى لإجراء أي تعديل للدستور أو طرح التعديل في استفتاء شعبي.
ولهذا السبب، تحمّس إردوغان وحزب العدالة والتنمية بعدما طرح بهشلي - الذي يرأس حزبا يملك 40 مقعدا في البرلمان - هذه الفكرة.
في المقابل، قوبل تصريح بهشلي بانتقادات من حزبي المعارضة الكبيرين الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، واعتبر كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أن حزب الحركة القومية «عقد صفقة سرية مع حزب العدالة والتنمية في خطوة معادية للديمقراطية»، بينما قال إدريس بالوكين، نائب رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الذي يركّز على مشكلة الأكراد، إن حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية «يحاولان جرّ تركيا إلى الديكتاتورية».
ونتيجة لردود الأفعال هذه، قال المتحدث باسم حزب الحركة القومية إرجان أكتشاي، إن تصريحات بهتشلي أسيء فهمها، مشددا على أن بهشلي لم يقل إن حزب الحركة القومية يدعم النظام الرئاسي، وأن الحزب في الواقع يدعم تعزيز النظام البرلماني في تركيا. لكن التصريح المفاجئ لبهشلي أشعل فتيل الأزمة من جديد، بعد أن قال مصطفى شينتوب، رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان العضو البارز في حزب العدالة والتنمية، إن إجراء الاستفتاء قد يكون ممكنا في ربيع عام 2017، كما قال وزير العدل بكير بوزداغ: «إذا وافق حزب الحركة القومية، يمكننا تغيير النظام في تركيا في مطلع عام 2017». والآن، في حين يسري في كواليس حزب الشعب الجمهوري أن رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو طلب من نوابه التأهب لإجراء انتخابات مبكرة في شهر أبريل (نيسان) 2017، يرى مراقبون أن بهشلي يرمي من وراء خطوته إلى تعزيز مكانة حزب الحركة القومية مرة أخرى على الساحة السياسية بعد الخسائر التي لحقت به في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر من العام الماضي. ومن ثم، تقديم وجه مختلف للناخب التركي الذي اعتبر بهشلي وحزبه عقبه في طريق الاستقرار السياسي في البلاد.
كذلك يسعى الزعيم القومي إلى إعادة تأكيد قوته، واستعادة موقع الحزب على الخريطة السياسية في تركيا، بعد ما لحق به من أزمات، وبعدما استطاع أن يتخلص ممن كانوا ينازعونه سلطته، ويريدون اعتلاء منصب الرئيس عبر الدعوة إلى مؤتمر عام استثنائي للحزب، وإجراء انتخابات جديدة على منصب الرئيس، لكنه تمكن من التغلب عليهم، وأحالهم إلى مجلس التأديب بالحزب الذي قرر فصلهم.
وللعلم، كانت أبرز عقبة أمام بهشلي في إحكام قبضته على الحزب نائبته ميرال أكشنار التي كانت تتمتع بشعبية واسعة في صفوف الحزب، والتي قادت جناحًا معارضًا، إلا أن الأمر انتهى بطردها من الحزب بقرار من المجلس التأديبي في أعقاب نجاح بهشلي بتفكيك هذا الجناح المعارض، لتقود المعركة منفردة.
واعتبرت أكشنار أن قرار طردها من الحزب لا أصل قانونيًا له «لأنه اتخذ من قبل إدارة ذات مشروعية مثيرة للجدل لا وجود لها في ضمير الشعب التركي»، من وجهة نظرها، ملوّحة إلى أنها ستلجأ للقضاء.

بهشلي في سطور
- ولد دولت بهشلي في الأول من يناير (كانون الثاني) 1948، في بلدة بهشة بمحافظة عثمانية، في جنوب تركيا، لعائلة غنية تنتمي أساسًا إلى حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك وعصمت إينونو.
- اختار في شبابه الانضمام إلى الحركة القومية التي تزعمها إلب أرسلان توركيش.
- تخرج في أكاديمية العلوم الاقتصادية والتجارية بجامعة أنقرة، عام 1971، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد من معهد العلوم الاجتماعية بجامعة غازي (أو الغازي).
- عمل في الجامعة نفسها أستاذا محاضرًا حتى عام 1987.
- لم يتزوج حتى اليوم، وهو يتمتع بشخصية جادة قوية بعيدة عن الفساد.
- كان أستاذًا جامعيًا عندما دعاه إلب أرسلان توركيش، زعيم حزب العمل القومي (الحركة القومية، الآن)، ليكون أحد قيادات الحزب. وبعد وفاة توركيش عام 1997، تسلّم قيادة الحزب.
- لمع نجمه في انتخابات 1999، عندما أحرز الحزب نجاحًا كبيرًا، وفاز بنسبة 18 في المائة من الأصوات، ودخل البرلمان في المركز الثاني، حاصلا على 129 مقعدا.
- شارك الحزب في الائتلاف الحاكم، مع حزب اليسار الديمقراطي وحزب «الوطن الأم»، وعيّن بهشلي وزيرًا ونائبًا لرئيس الوزراء
- يحسب ضده مشاركته في الائتلاف الحاكم الذي عاشت البلاد في عهده أزمة اقتصادية طاحنة، ومعارضته لمنح الأكراد الحريات الثقافية، وموقفه المناهض لعضوية الاتحاد الأوروبي.



إسرائيل تتوسع في عدوانها... «الحل العسكري لكل المشاكل»

إحدى الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا (رويترز)
إحدى الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا (رويترز)
TT
20

إسرائيل تتوسع في عدوانها... «الحل العسكري لكل المشاكل»

إحدى الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا (رويترز)
إحدى الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا (رويترز)

«في الجبهة الشمالية، على الرغم من أن التهديد قلّ، يجب أن نستعد للتطورات المحتملة: تقوية الجيش السوري مجدداً، إنشاء (محور مقاومة) سني أو إعادة إحياء المحور الإيراني. لذا؛ على إسرائيل إنشاء ممرّ في جنوب سوريا من هضبة الجولان إلى المناطق الكردية. إلى الشرق من هضبة الجولان، على طول حدود سوريا - الأردن، توجد نقطة استراتيجية حرجة – التنف. rnهذه الكلمات الواضحة والصريحة،نُشرت أخيراً في موقع «ميدا» الإسرائيلي اليميني، الذي يُعدّ واحداً من مواقع وقنوات عدة أنشأها أنصار بنيامين نتنياهو لمواجهة الإعلام العبري الليبرالي... الذي يعدّونه «يسارياً».nيضيف الموقع: «التنف» وموقعها الفريد عند تقاطع الطرق بين سوريا والأردن والعراق، وعلى الطريق من بغداد إلى دمشق، يجعلها جزءاً أساسياً من أي استراتيجية إقليمية. لهذا السبب أسست الولايات المتحدة قاعدة عسكرية هناك، وأنشأت منطقة منزوعة السلاح في دائرة نصف قطرها 55 كم بدعم من المتمردين المحليين الذين يخضعون لسلطتها. ومع تغير النظام في سوريا، والتهديد المتناقص من (داعش)، وعزوف إدارة ترمب عن التدخل العالمي، ثمة احتمال كبير للانسحاب الأميركي من التنف. في هذه الحالة، ستحتلها الميليشيات الموالية لإيران، أو قوات (داعش) أو قوات المتشدّدين التابعة للنظام السوري الجديد. وهذا سيعرّض خطط إنشاء الممر البرّي من الجولان إلى الأكراد للخطر، ويتيح إعادة بناء الممر البري بين إيران ولبنان أو ممر سني مشابه.

ويتابع الموقع: «من ناحية أخرى، سيسمح الوجود الإسرائيلي في المنطقة، سواء بشكل منفرد أو بالتعاون مع الولايات المتحدة، بربط جبل الدروز بالأكراد، وتوفير قدرة استجابة سريعة ضد التهديدات تجاه الحلفاء – حتى من شرق جبل الدروز – والسيطرة على المحور بين بغداد ودمشق. علاوة على ذلك، فإن نشر سرب طائرات إسرائيلي هناك سيكون عامل ردع فعالاً ضد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، ويقصّر المسافات اللازمة للهجوم ضد إيران» حتى لو كان كلّ ما كتب في الموقع يعبر عن رأيه الشخصي، إلا أنه يثبت أنه «بوق» لحزب الليكود الحاكم ولنتنياهو شخصياً. النغمة التي تصدر من بين السطور، هي الأنغام التي يردّدها قادة اليمين باستمرار، وبينهم عدد من الجنرالات السابقين.

بالطبع، لا أحد يصدّق أن إسرائيل مستعدة لخوض حرب في سوريا لأجل الأكراد أو الموحّدين الدروز. فهذه مجرد تقوّلات جاءت لتغطي على الأهداف التوسّعية، وفي بعض الأحيان تُطلَق لغرض التهديد والوعيد. بيد أنها تعكس صورة لمرض الغرور المتغطرس الذي يتحكّم في العقيدة الإسرائيلية منذ عام 1967. فالقيادات الإسرائيلية التي تعيش عقدة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لا تريد أن تتعلم الدرس، بل تصرّ على المضي قدماً في عقلية «الحل العسكري لكل المشاكل».

أزمة خالدة

يوم 7 أكتوبر تلقت عقلية الحل العسكري هذه ضربة قاصمة. فإسرائيل، بكل جبروتها العسكري فشلت في رصد هجوم «حماس»، التي تُعدّ تنظيماً مسلحاً صغيراً ومحدوداً، واحتاجت إلى ساعات طويلة حتى تمكّنت من وقفه. ثم دخلت حرباً شرسة، غير مسبوقة للانتقام.

«حماس»، من جهتها، نفذت هجوماً عسكرياً فوجئت هي نفسها بنتائجه. إذ تمكنت في غضون ساعات قليلة من تحطيم الحواجز الحدودية «المحصّنة»، واحتلت 11 موقعاً عسكرياً و22 بلدة مدنية. كذلك خطفت 251 جندياً وضابطاً ومدنياً، وراحت تقاوم الهجوم الإسرائيلي بشبكة أنفاق ضخمة وعمليات عسكرية نوعية.

لكن «حماس» لم تجرِ حسابات صحيحة لهجومها. فقد ترافق أولاً بعمليات قتل وإبادة لعائلات يهودية بأكملها، وخُطف أطفال ونساء. ثم إنها لم تتوقع هجوماً إسرائيلياً بهذه الفظاعة، ولم تُحسن الدفاع عن مواطني قطاع غزة، ولم تأخذ في حسابها ما سيحصل للقضية الفلسطينية من جراء هجومها. بل لم تحسب ما سيجري لمصير معسكرها برمته، الذي يسمى «محور المقاومة».

لم تُحسن قراءة لا الخريطة الإسرائيلية ولا الإقليمية ولا العالمية.

لم تدرك أن في إسرائيل حكومة يمين متطرف تخوض حرباً وجودية، وتواجه أكبر عملية مواجهة لإسقاطها جماهيرياً. بل إن هذه الحكومة كانت تفتّش عن وسيلة تتيح لها إشعال حرب لكي تفلت من قبضة الجمهور المعارض لها. ولم تدرك «حماس» أن الجيش الإسرائيلي، وكل الأجهزة الأمنية، كانوا شركاء في المعركة ضد حكومة نتنياهو. ولذا؛ فإن توجيه ضربة قاسية لها كما حدث 7 أكتوبر، سيُخرج القيادات العسكرية عن طورها ويجعلها تتصرف بمنتهى الجنون والوحشية.

وحتى عندما خاضت «حماس» مفاوضات تبادل الأسرى، لم تقرأ الخريطة الإسرائيلية والعالمية جيداً، فرفضت التوصل إلى صفقة شاملة اقترحها الأميركيون والوسطاء المصريون والقطريون لإنهاء الحرب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وراهنت على محكمة لاهاي ومؤسسات الأمم المتحدة وغيرها من الإجراءات الدولية ضد حرب الإبادة والتدمير. وراهنت على مشاركة «حزب الله» في لبنان والعراق والحوثيين في اليمن، وبالطبع، على إيران. وبالنتيجة، استفاد القادة الإسرائيليون من هذا الأداء ليديروا حرباً عدُّوها «وجودية»، وعبَّر عن ذلك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عندما بشَّر شعبه بأنه «سيعيش على الحراب أبد الدهر».

خطط إسرائيل وأطماعها

كان أهم هدف للقيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية استعادة الهيبة أمام جيوش العالم. فالجيش الإسرائيلي يعدّ واحداً من أقوى عشرة جيوش في العالم، ويساهم بتدريب 34 جيشاً لمختلف دول العالم ويشارك جيوش الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) بتطوير الأسلحة والتكنولوجيا الحربية. وهؤلاء جميعاً لم يستوعبوا كيف يمكن لهذا الجيش أن يسقط في امتحان بسيط مثل هجوم «حماس».

كيف يستعيد الهيبة؟

أولاً، عبر الانتقام بلا رحمة من غزة كلها، بقضها وقضيضها. وحقاً قتلت إسرائيل أكثر من 50 ألفاً، معظمهم أطفال ونساء ومرضى ومسنون. ودمّرت جميع الجامعات ونصف المدارس وثلث المساجد وألحقت أضراراً بالكنائس الثلاث وشلّت كل المستشفيات وهدمت أكثر من ثلثي البيوت والعمارات. وحطمت الاقتصاد، ومارست التجويع والتعطيش واستخدمت في ذلك أفتك أنواع الأسلحة... وأدت خدمات هائلة لشركات إنتاج السلاح في الولايات المتحدة وغيرها، عندما جرّبت أسلحتهم الحديثة على أهل غزة. أيضاً أظهرت إسرائيل قدرات خارقة في التجسّس على «حزب الله» اللبناني وعلى إيران وسوريا، فتمكنت من اغتيال أبرز القيادات على أراضي هذه الدول، ونفّذت عملية تفجير «البيجرز» بعد تمكّنها من بيعها لـ«حزب الله» وقبض ثمنها بالدولارات، ودمرت جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية لـ«محور المقاومة» برمته.

ثم إنها مع كل تقدّم في عملياتها، ازداد نهمها فراحت تحتل الأرض وتقيم المواقع العسكرية في الأراضي العربية. وحتى بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، احتلت الأرض ودكّت القدرات الهجومية والدفاعية للجيش السوري، كما نفذت غارات على الأراضي الإيرانية وفي اليمن.

وهي، بينما تحاول الآن إقناع واشنطن بأن الفرصة مواتية لتنفيذ هجوم على إيران يشلّ مشروعها النووي، بدأت تتكلّم عن «الإمبريالية التركية الجديدة» و«تهديد الجيش المصري».

المشكلة الكبرى في هذه الأطماع كونها نابعة من قناعات بأن قادة إسرائيل، يقولون صراحة إنهم يريدون أن يدفع العرب ثمن هجوم «حماس» بخسارة الأرض. وفعلاً، طرح بعضهم مشروع التهجير «الطوعي»، ووضعوا مخطّطات عملية، وشكّلوا لجنة حكومية لتنفيذ المشروع. وقسم جدّي منهم يتكلّم عن «الانتصار الكامل» و«تغيير وجه الشرق الأوسط» لصالح إسرائيل.

إنهم يفعلون ذلك بسياسة عربدة لا تعرف الحدود في جبهات عدة. ويقولون إنهم «استخلصوا العبر» من إخفاقات «حماس»، والآن لا يكتفون بسياسة الدفاع والردع والاحتواء، بل ينتقلون إلى المبادرة و«العمليات الاستباقية» والهجوم المباغت.

في كل هذا، هؤلاء القادة يوحون بأنهم لا يحسنون قراءة خريطة المنطقة ولا منطق التاريخ. بل إنهم يعودون لتكرار الأخطاء الجسيمة التي أدت بهم إلى إخفاقات أكتوبر، ليس فقط في 2023، بل أيضاً في 1973، وإلى ما حصل بينهما. وهذه الأخطاء تتمثل في ذلك الجهل البدائي في تلك القراءة. حتى الجنرالات، الذين تعلّموا في المدارس العسكرية الابتدائية بأنه لا بد للحرب من هدف سياسي، ومَن ينهِ الحرب بلا هدف سياسي يحوّل إنجازاته خسارة، نسوا الدرس... فبنوا حربهم على حفر أخاديد جارحة لا تُنسى وبنوا جيشاً من كارهيهم، ليس فقط بين الفلسطينيين والعرب، بل في العالم أجمع. والكراهية وقود حارق لإشعال الحروب القادمة.

هذه الحروب قد لا تنتهي بانتصار، فكيف عندما يكون هؤلاء القادة يفوّتون مرة أخرى الفرصة السانحة لإنهاء الحرب وفتح آفاق سياسية جديدة تغير الشرق الأوسط فعلاً.

آفاق باتجاه تسوية الصراع وتحقيق السلام مع كل الدول العربية والإسلامية، كما يقترح القادة العرب ومعهم عديد من قادة دول الغرب والمجتمع الدولي. بينما تحاول تل أبيب إقناع واشنطن بأن الفرصة مواتية للهجوم على إيران بدأت تتكلّم عن «الإمبريالية التركية» و«تهديد الجيش المصري» القدس: نظير مجلي