الجماعة الإسلامية الباكستانية: السعودية قلب العالم الإسلامي.. وندعو إيران لعدم التدخل

عبد الغفار عزيز قال لـ «الشرق الأوسط» إن الوضع في كشمير مأساوي ويزداد سوءًا كل يوم.. وبنغلاديش على سطح صفيح ساخن

عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية
عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية
TT

الجماعة الإسلامية الباكستانية: السعودية قلب العالم الإسلامي.. وندعو إيران لعدم التدخل

عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية
عبد الغفار عزيز مسؤول العلاقات الخارجية والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية» الباكستانية

قال الشيخ عبد الغفار عزيز، مسؤول العلاقات الخارجية والمتحدث الإعلامي والرجل الثاني في «الجماعة الإسلامية»، أكبر التيارات المعارضة في باكستان، إن «السعودية دولة محورية في المنطقة ومركز وقلب العالم الإسلامي.. وندعو إيران لعدم التدخل في شؤون المنطقة». عزيز، الذي يتحدث العربية الفصيحة بطلاقة، تواصلت معه «الشرق الأوسط» أثناء مشاركته في مؤتمر عن القدس في تركيا الأسبوع الماضي، ثم أرسلت له أسئلة عبر البريد الإلكتروني إلى مقر الجماعة الإسلامية في لاهور، أبرز في اجابته عنها مكانة السعودية في المنطقة كدولة محورية وقلب العالم الإسلامي، حيث يتوجه عشرات الملايين الباكستانيين يوميًا 5 مرات في صلواتهم إلى الكعبة المشرفة، ودعاء الباكستانيين حكومة وشعبًا أن يحفظ الله أرض المملكة، بالأمن الذي جعله الله للبلد الحرام. ويتحدث عزيز لـ«الشرق الأوسط»، كأنه كتاب مفتوح، عن المستقبل ولعبة الأحزاب السياسية في باكستان، والأزمة الطاحنة في إقليم كشمير، والحرب على الإرهاب، وتداعيات الأزمة السياسية في بنغلاديش، وقال: «بسبب الحرب على الإرهاب سلمنا 600 شخص إلى السلطات الأميركية، سواء كانوا من (القاعدة) أو من غيرها، سلمناهم إلى معتقلي غوانتانامو في كوبا وباغرام في أفغانستان، وخسرنا سمعتنا، ومع هذا ما زلنا تحت التهديد الأميركي الذي لا نأمن شره». وأوضح أن أميركا تتعامل مع باكستان بسياسة العصا والجزرة، وكلما لبت باكستان وحكومتها المطالب الأميركية جفت الجزرة وغلظت العصا. وهذه العصا الآن تغلظ يومًا فيومًا، وكلما قدمت باكستان وحكومتها واعتقلت أكثر فأكثر تأتي قوائم أخرى وتأتي مطالب أخرى. وجاء الحوار مع عبد الغفار عزيز على النحو التالي:
* ما تقييمكم لمستوى العلاقات المتبادلة بين السعودية وباكستان؟
- العلاقات الباكستانية - السعودية علاقات متميزة عبر التاريخ، ونرجو الله أن تتقوى وتتوسع هذه العلاقات الشاملة. فإن المملكة العربية السعودية هي أرض الحرمين الشريفين مهبط الوحي ومأوى القلوب، وهي دولة محورية في المنطقة، إننا ندرك في باكستان المخاطر التي تحيط بنا جميعًا. جميع قوى الشر تسعى لإثارة الفتن وتقسيم المقسم. والخرائط القديمة للشرق الأوسط الجديد سر مكشوف. فما يحصل من إراقة الدماء ونشر الدمار على يد جزار سوريا أو على يد الطائفيين الجناة في شمال المملكة، وما يرتكبه الحوثيون المتمردون من الجرائم في جنوب المملكة وما يروج من النعرات المقيتة هنا وهناك، ليس بمعزل عن ذلك المخطط الخبيث الذي تروج له إيران. ونأمل أن تصبح أرض الحرمين نقطة لقاء ووحدة بين جميع الشعوب المسلمة، وأن يرد الله كيد الكائدين ضد المملكة الشقيقة وضد الأقطار الإسلامية المختلفة إلى نحورهم وإلى ثغورهم، وندعو الله في صلواتنا أن يحفظ المملكة من أهل الخبث والخبائث ويرد نياتهم السيئة إلى نحورهم.
* كيف تقيم الوضع في كشمير اليوم؟ وما توقعاتك أمام التصعيد الهندي واتهام باكستان بالإرهاب وفرض حظر التجول على السكان المدنيين؟
- الوضع في كشمير مأساوي ويزداد سوءًا في كل يوم. يسود الولاية حظر التجوال منذ أكثر من مائة يوم، لم تهدأ الثورة الشعبية خلالها يومًا واحدًا. استخدمت الهند معظم أنواع الأسلحة الفتاكة واستشهد من جرائها أكثر من مائتي شهيد وجرح الآلاف. رشاشات «باليت» (Pallet Gun) أخطر، هذا السلاح الجديد تطلق منه رصاصات تنفجر وتصيب جسد الضحية بالكامل بالقروح وتفقأ الأعين. فقد مئات الكشميريين من جراء ذلك أبصارهم أو بترت أطرافهم.
أهم ما يميز هذه المرحلة من نضال الشعب الكشميري هو أنه نضال شعبي وعارم وسلمي مستمر. عندما عجزت القوات الهندية أمام هذه الحشود الشعبية الثائرة ألقت باللوم على باكستان وبدأت تنفخ في أبواق الإعلام ثم في أبواق الحرب. أثناء ذلك حدثت عملية عسكرية غريبة في منطقة أري، قتل فيها 18 جنديًا من الهنود. الغريب في العلمية أن أيًا من المنظمات الكشميرية الشعبية أو الثورية أو المسلحة لم تتبنها، خلافًا للمعهود. والأغرب من ذلك أن العملية كانت متزامنة مع قمة الأمم المتحدة، فكانت سلاحًا إعلاميًا ودبلوماسيًا خطيرًا في يد الهند، لإطلاق محاولتها اليائسة لاستصدار قرار يعتبر باكستان دولة إرهابية ترعى الإرهاب.
هذا الوضع المتفاقم في كشمير ينذر بانفلات الأوضاع في المنطقة. المؤسف أن المجتمع الدولي لا يوليه أي اهتمام يذكر، كأن أمن المنطقة وحياة الأبرياء في كشمير لا تعنيه. أو كأن هناك قوى عالمية شريرة معروفة تريد أن تدفع بالدولتين النوويتين إلى أتون الحرب، حتى تكتمل خارطة الفوضى الخلاقة، فتفتيت الدول، لا سمح الله.
* ما الموقف الآن مع الهند؟ وإلى أين ستقود الاتهامات المتبادلة بين البلدين بخصوص كشمير المتنازع عليها؟
- لو استطاعت الهند لطورت النزاع والاتهامات إلى حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس، اليوم قبل الغد، لكن لأنها تدرك خطورة ذلك، ولأن الإمكانيات النووية الموازية تردعها، تظل تستمر في تنفيذ مخططاتها الرخيصة وتبقى مطية لقوى الشر. هذا رئيس وزرائها يهدد باكستان قبل أيام بفصل ولاية بلوشستان الباكستانية. وهنا لا بد من تذكير العالم بالجاسوس الهندي المعتقل لدى باكستان، وهو كلبوشن سنغ ياديو، وهو أول ضابط عسكري رفيع يعتقل وهو لم يزل في الخدمة في الجيش الهندي.. ألقي القبض عليه في بلوشستان قادمًا من مقره في مدينة تشابهار الإيرانية بجواز وتأشيرة مزورة. اعترف هذا الضابط الجاسوس في بيان الفيديو أنه كوّن شبكة التجسس في بلوشستان وكراتشي ووزع أموالاً طائلة لإراقة الدماء في المنطقة، وأن هناك مخططًا كبيرًا ينفذ لبتر مناطق استراتيجية شاسعة من باكستان. ليس هذا فحسب، بل تسعى الهند لأن تحاصر باكستان من جميع أطرافها، والمؤسف أن قوى عالمية وبعض الأطراف الإقليمية تعينها على ذلك بقصد أو من دون قصد. فالقواعد التجسسية في أفغانستان ومخيمات التدريب لبعض سكان الأقاليم الباكستانية المجاورة بغية تشجيعهم على الانفصال، ومواقع إلكترونية تدار من بعض الدول الشقيقة لم تعد سرًا.
* كنتم في أنقرة وشاركتم في مؤتمر القدس، بماذا تحدثتم في المؤتمر وأهم أعمال المؤتمر؟
- حضرت إلى تركيا للمشاركة في مؤتمر حول فلسطين بعنوان «الأقصى في خطر». شاركت في الجلسات الخاصة بدور العلماء ودور المنابر الإعلامية والتعليمية والاجتماعية في التعريف بقضية فلسطين. من ضمن ما قلته أثناء مداخلاتي إن «الأقصى» وحي يتلى وقبلة نبينا الأولى، لذلك يأتي دومًا على رأس قضايا الأمة، ولكن المؤلم أن جسد الأمة كله ينزف ولا يمكن أن نتبنى قضية دون أخرى، بل لا بد أن نلفظ ونرفض الظلم كله.
عندما تحترق كشمير وتدمَر سوريا ويستنزَف اليمن ويمزَق العراق، ويُشنق الأبرياء في بنغلاديش ويُسحق المظلومون ويُقتل الآلاف ويُسجن عشرات الآلاف من الأبرياء، فكل هذه القضايا هي قضايانا. إذا كان العدو يطمح ويخطط لأن يشغل الأمة بالتمزيق والتقتيل، فأولى الخطوات التي يجب أن نقوم بها إحياء روح الوحدة وتوحيد الجهود لحل جميع قضايانا العادلة.
* الوضع في بنغلاديش الدولة المسلمة يبدو أنه على صفيح ساخن ويتفاقم بمزيد من الإعدامات ضد قيادات المعارضة؟
- ما يحدث في بنغلاديش ليس بمعزل عن التطورات الشرق أوسطية الواسعة وعن الأطماع الهندية التوسعية. فحكومة حسينة واجد هناك ليست إلا واجهة لا تختلف عن الحكومات الأفغانية أو العراقية المتعاقبة. هناك الآن مقولة شائعة في بنغلاديش بأن جميع القرارات الرسمية. تصدر من نيو دلهي وتوقع وتذيل في دكا. لقد استطاعت الهند أن تحصل من بنغلاديش على امتيازات لم تكن تحلم بها على مر التاريخ. فالمصانع والقوافل التجارية البرية والبحرية الهندية تحصل على التراخيص وعلى الرسوم المخففة ما لم يحصل عليه البنغلاديشيون أنفسهم. والأنكى من ذلك تلك الهجمة الثقافية التي تستهدف تحريف العقول والقلوب للأجيال القادمة. لقد أوصت لجنة رسمية بتعديل المناهج التعليمية وصلت إلى حد حذف أبواب من السيرة النبوية وسير الصحابة وإضافة مواضيع عن الآلهة والأصنام والتقاليد الهندوسية. ولم تمنع الحكومة من تسريع الخطى نحو التنفيذ إلا خوفها من رد الفعل الشعبي.
* من وجهة نظركم، هل سلطات بنغلاديش تعمل على تصفية كل من يعارضها ويقف ضد مخططاتها، حيث تقول إنها ترى أن «الجماعة الإسلامية» تهدد سلطتها وتهدد النفوذ الهندي في بنغلاديش؟
- إعدام أبرز رموز المعارضة في بنغلاديش أمر محزن وأثيم. لقد أعدم إلى الآن 6 من خيرة العلماء وأخلص الزعماء الوطنيين. ذنبهم الوحيد أنهم عارضوا تفتيت وطنهم عام 1971، ووقفوا مع الجيش في حرب شنتها عليهم الهند لتبتر الشطر الشرقي من باكستان وتعلنها دولة مستقلة سميت بنغلاديش. لقد ارتكبت القوات الهندية الغازية وميليشياتها المسلحة جرائم تقشعر لهولها الأبدان. اليوم وبعد مرور 45 سنة على ذلك الفصل الدامي من تقسيم البلاد، تريد حكومة بنغلاديش أن تجعلها ذريعة للتخلص من جميع الأصوات المعارضة. كما تسعى الهند إلى إسكات جميع الأطراف الوطنية التي تعترض على تغلغلها في بنغلاديش. والجانب الأخطر هو جانب المخطط الهندوسي الصهيوني المشترك لفرض مشروع «سايكس - بيكو» جديد على الدول الإسلامية، من خلال إثارة الفتن الداخلية في جميع البلاد الإسلامية.
* ما خيارات الجماعة الإسلامية للتعامل مع وضع باكستان؟ وهل هناك طموحات سياسية تسعون لتحقيقها قبل الانتخابات المقبلة 2018؟ وكم نائبًا تطمحون أن يكون لكم في البرلمان؟ وكم أعضاء الجماعة في باكستان؟
- إن التعبير عن الرأي والتجمع والتظاهر حق لكل مواطن باكستاني يكفله الدستور. فعندما يرى المواطن أن الفساد قد طغى في البلاد. وأن حفظ المليارات من الاختلاس كفيل لتنمية البلاد، وإنقاذها من الابتزاز وضغوط المؤسسات العالمية، يرى من واجبه الاحتجاج على ذلك. إن تسريبات ويكيليكس ثم نشر وثائق بنما وضعت حكومة نواز شريف وعددًا من قادة المعارضة في قفص الاتهام. كان يجب على الحكومة أن تقوم بتحقيقات شفافة وتضع قانونًا وآلية تعاقب الجاني وتبرئ ساحة الأبرياء. لكن الحكومة ماطلت وأصدرت تصريحات متضاربة ومضطربة. إن هذا الوضع أعطى لبعض الأحزاب فرصة للخروج إلى الشارع، وهو أمر طبيعي إلى هذا الحد. لكن التطورات اللاحقة، ومنها إعلان أحد الزعماء السياسيين الاعتصام وإغلاق جميع مداخل العاصمة إسلام آباد بتاريخ 2 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا تخلو من الريبة وعلامات الاستفهام الكبيرة. وموقف الجماعة الإسلامية من هذه التطورات هو أنه لا بد من القضاء على الفساد المستشري في جميع أركان البلاد، ولا بد من فرض مبدأ «من أين لك هذا؟» دون استثناء. الجماعة هي أول من قام بهذه المطالب وقمنا بمسيرات واجتماعات حاشدة في جميع المدن لتوعية الرأي العام بذلك، ولكن أن يتطور الأمر إلى فوضى أو إلى انفلات الأمور فهذا لا يجوز. وأخوف ما يخاف المرء منه هو استغلال أي طرف ثالث الأوضاع للقضاء على إرادة الشعب وعلى الشرعية، ومن ثم دفع البلاد مرة أخرى إلى نفق الحكم العرفي المظلم، لا سمح الله. إن دور الجماعة الإسلامية في مثل هذه الظروف هو دور الحفاظ على حقوق الطرفين المتصارعين وإخماد النار قبل أن يستفحل الخطر. تذكرون أن إسلام آباد شهدت اعتصامات طويلة قبل نحو عامين، ثم رضي الطرفان في النهاية بتحكيم أمير الجماعة الإسلامية السيناتور سراج الحق مع باقي أحزاب المعارضة، والحمد لله أن البلاد خرجت من عنق الزجاجة بعد 126 يومًا من الاعتصام في العاصمة.
* هل هناك عضوات في الجماعة الإسلامية.. أو كانت لكم نائبات من قبل؟
- نعم للجماعة أعضاء في البرلمان المركزي وفى البرلمانات الإقليمية. نحن جزء من حكومة الائتلاف في إقليم خيبر (عاصمته بيشاور) ولنا 3 وزارات (المالية والبلديات وشؤون الزكاة)، والحمد لله أن الجميع يعترف بالأداء المتميز لوزرائنا. الانتخابات المقبلة تكون عام 2018، وإذا صارت الأمور بانسيابية ودستورية، ستكون الجماعة أحد أهم الأطراف فيها. أملنا كبير في أن تكون الانتخابات المقبلة أهم محطات الجماعة مع نتائج متميزة بإذن الله، وباكستان والحمد لله دولة حرة لا مكان فيها لأي بشار أو قذافي أو مبارك أو صالح أو من على شاكلتهم.
* وعود عمران خان بالمسيرات لإغلاق العاصمة إسلام آباد هل ستغير من الأمر شيء؟
- تأتي الجماعة الإسلامية على قمة جميع الأحزاب الباكستانية من حيث الالتزام بمبدأ الشورى وإجراء الانتخابات الداخلية الحقيقية بانتظام، لكون جميع نظمها وبرامجها شفافة ونزيهة ليس فيها أي سر أو غموض. كما أن الجماعة تلتزم التزامًا صارمًا بالمنهج الدعوي والتربوي المبني على القناعة والإقناع. لقد أوضح مؤسس الجماعة الشيخ أبو الأعلى المودودي منذ البداية أنه لا مكان لأي أنشطة سرية أو مسلحة في البلاد الآمنة. أما الجهاد المسلح لمواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي فله شروطه وميادينه، ويجب أن يكون بصورة قانونية ومعلنة تتولى الدولة المسلمة أمرها.
* من وجهة نظركم.. هل هناك حل لمأزق الإخوان في مصر؟
- حتمًا.. ليس هناك أزمة أو مأزق إلا وله مخرج. لو منح الشعب المصري حقوقه الأساسية والتزم الجميع بدوره ودائرة عمله واختصاصه، فلن تبقى هناك أزمة. يجب أن يخرج الآلاف من الأبرياء من السجون وأن يجلس الجميع على طاولة الحوار ويشترك الكل في إنقاذ البلاد والعباد، وإلا فالدائرة المفرغة تصبح دوامة تلتهم الكل لا سمح الله.
* الأسبوع الماضي.. مرت 15 عامًا على التدخل الأميركي في أفغانستان وشنت الولايات المتحدة «حربًا على الإرهاب» ضد حركة طالبان في أفغانستان. لكن لا تزال أعمال العنف تودي سنويًا بآلاف الضحايا المدنيين في هذا البلد.. ما تعليقكم؟
- يقال إن أفغانستان مقبرة الطغاة وللإمبراطوريات. لقد غرقت في المستنقع الأفغاني الإمبراطورية البريطانية، ثم تلاشى فيه الاتحاد السوفياتي، ولم تعتبر أميركا من مصيرهما، والآن تواجه خيارين أحلاهما مر. إما الانسحاب الذي ترى فيه الذل، أو التشبث ببعض القواعد العسكرية التي تبقي نار المقاومة مشتعلة. وما نطق به الرئيس السابق حميد كرزاي يوضح نظرة أقرب، حيث قال «إن أميركا تعاملنا بوجهين وبمعايير مزدوجة». على القوى العالمية أن تكف عما تفعله في الشرق الأوسط وفى العالم الإسلامي باسم مكافحة الإرهاب، فهي التي تفرخ وترعى وتدعم المنظمات الإرهابية المختلفة، ثم تقوم بذر الرماد في العيون لتبتز مزيدًا من إمكانيات الدول الإسلامية، يجب أن تعرف أميركا وغيرها من القوى العالمية بأن عصر الاحتلال قد تولى.
* ما تفسيركم للتدخل الأميركي العسكري في باكستان؟ هل هو نتيجة ضعف الحكومة الباكستانية؟ أم هو في إطار التعاون مع الحكومة للتخلص من بقايا القاعدة؟
- على باكستان وعلى الدول الإسلامية كذلك أن تعي فترفض الإملاءات الخارجية التي لا تستهدف في النهاية إلا الخداع والإيقاع إلى القاع. لم تجنِ باكستان من الحرب الأميركية في أفغانستان إلا الوعود المعسولة ثم مزيدًا من الإرهاب وطمس الهوية. لقد خسرنا أكثر من 60 ألفًا روحًا بريئة حسب التقارير الأميركية نفسها. أما الخسائر الاقتصادية فتجاوزت 100 مليار دولار، حسب المصرف الوطني المركزي، وصدق علينا المثل الشعبي المحلي: «دلال الفحم لا يجني سوى السواد».
* عمليات «الدرون» الطائرات الأميركية دون طيار زادت في عهد الرئيس الأميركي أوباما عن عهد سلفه بوش.. هل تضغطون على الحكومة لقطع تعاونها مع الأميركيين؟
- التدخل الأميركي في باكستان تجاوز كل الحدود، والسبب الرئيسي لذلك هو انبطاح الحكومات المتعاقبة في باكستان أمام الأوامر الأميركية. إن سياسة العصا والجزرة الأميركية معنا تتلخص في كلمتهم «Do More» أو «افعلوا المزيد». فالأوامر الأميركية عبارة عن جهنم تكرر: «هل من مزيد...؟»، آن الأوان لأن نقول لهم: «كفى.. لقد طفح الكيل، كل دعمكم لأعدائنا وكل أعبائكم علينا؟ لن يستقيم الأمر هكذا».
* بعض الخبراء يقولون إن صمت أميركا على البرنامج النووي الباكستاني وسيطرة أميركا على الحكومات الباكستانية المتعاقبة جعلها لا تقلق من هذا البرنامج وآثاره؟
- البرنامج النووي الباكستاني صمام أمان للمنطقة. لو لا هذا الرادع الكبير وقبل ذلك رحمة ربنا وفضله علينا لشهدت المنطقة حربًا ضروسًا.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.