السعودية: الخطوات التصحيحية جنّبت البلد الإفلاس

العساف: القطاع الخاص هو الذي سيقود النمو الاقتصادي

أحد مكاتب الصرافة في العاصمة الرياض، وتعتبر السعودية سوقا مفتوحه للتعاملات الماليه (رويترز)
أحد مكاتب الصرافة في العاصمة الرياض، وتعتبر السعودية سوقا مفتوحه للتعاملات الماليه (رويترز)
TT

السعودية: الخطوات التصحيحية جنّبت البلد الإفلاس

أحد مكاتب الصرافة في العاصمة الرياض، وتعتبر السعودية سوقا مفتوحه للتعاملات الماليه (رويترز)
أحد مكاتب الصرافة في العاصمة الرياض، وتعتبر السعودية سوقا مفتوحه للتعاملات الماليه (رويترز)

أكد وزير المالية السعودي إبراهيم العساف، أن أسعار النفط لن تعود كسابق عهدها، مؤكدا أن مصادر الطاقة تغيرت، وأنه يجب اتخاذ إجراءات جديدة خلافا للماضي أكثر حزما، مشيرا إلى أن القطاع الخاص هو من سيقود النمو الاقتصادي للبلاد، وإلى جانبه أكد وزير الخدمة المدنية، خالد العرج، أنه لا توجد نية لمس رواتب الموظفين.
حديث الوزيرين، العساف والعرج، وأمين اللجنة المالية، محمد التويجري، الذي يشغل منصب نائب وزير الاقتصاد والتخطيط، جاء بعد قرارات حكومية بخفض وإلغاء بعض البدلات، وإيقاف مؤقت للعلاوة السنوية للعام الهجري الحالي، في ضوء حديث مجتمعي شامل بعد تلك القرارات.
وجاء حديث الوزراء عبر برنامج «الثامنة» على شاشة mbc بعد اتخاذ الحكومة السعودية «قرارات تصحيحية» عدة في مسار السياسة المالية السعودية، التي تتلاءم مع خطط تنفيذ «رؤية السعودية 2030» التي تحفز على النمو وضبط الإنفاق وترشيد الاستهلاك.
وكشف العساف، عن أن كل تلك الإجراءات كانت مطلوبة، لكن انخفاض أسعار النفط الكبير والسريع، ساهم في التعجيل بإعادة النظر في المكافآت والبدلات التي تم إلغاء بعضها وتخفيض بعضها. وفي رده على سؤال محاور الحلقة، الإعلامي داود الشريان، حول تأخر تفكير وزارة المالية في إنشاء صندوق سيادي قبل وقوع الأزمة، قال العساف: لدينا صندوق سيادي ممثل في صندوق الاستثمارات العامة، ورأس ماله حينها 200 مليار دولار، وصناديق أخرى تخدم الاقتصاد السعودي، وما تم خلال الفترة الماضية هو توازن بين وضع الاحتياطيات وتخفيض الدين العام والاستثمار في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، والخطة كانت في خطة متوازنة تحسبا لهذه الفترة.
وردا على سؤال حول دور صندوق الاستثمارات العامة، قال العساف، هو داخلي لكن «لدينا الاحتياطات التي تدار من مؤسسة النقد، وعوائدها مماثلة للصناديق الأخرى وعوائدها لن تكون كافية، حتى وإن ضربت الأمثلة بأي صندوق سيادي في دول أخرى مثل الكويت أو النرويج، فهناك حاجة لأي اقتصاد متقدم أن يتم اتخاذ الإجراءات الصحيحة.
وأشار نائب وزير الاقتصاد والتخطيط محمد التويجري، إلى أنه في 2008 حين حدث الانهيار في الأسواق العالمية، كانت هناك فرص في جميع الأسواق للاستثمار، وفي بعض الشركات التي تنفع الاقتصاد السعودي في تلك الفترة. وأضاف التويجري، أن دور استثمارات مؤسسة النقد هو ليس استثماريا بحتا، حيث إن لديهم إدارة احتياطية لحماية الريال السعودي واحتياطيا لرأس مال البنوك، وضمان الاستثمار في السنة، ودور مؤسسة النقد مختلف عن دور الصناديق الاستثمارية التي تخدم في الأزمات.
وقال الوزير العساف، إنه من الصعب الحكم على أن المشروعات في الماضي غير مجدية، لكن كانت هناك حاجة إلى التوسع فيها للحاجة، خصوصا قطاع التعليم؛ كون خطة التنمية حددت لها ذلك في الاستمرار. مشيرا العساف إلى أنه كان هناك إنفاق خارج الميزانية بحيث لم يتجاوز 10 في المائة.
وحول خلفيات قرارات خفض البدلات، قال وزير الخدمة المدنية العرج، إن إنجاز الأعمال تطور وظل القطاع الحكومي مترهلا، وأضاف أن البدلات لم تراجع البدلات منذ أكثر من ثلاثين عاما، وأوضح أن عدد موظفي القطاع الحكومي قبل عشرة أعوام بحدود 750 ألف موظف، ولم يكن للعدد أن ينخفض، وتجاوز عدد موظفي الخدمة المدنية اليوم أكثر من مليون ومائتي ألف موظف، وهو لا يشمل موظفي البنود والعسكريين.
وأوضح العرج، أن ترشيد الإنفاق حتمي لتوفير وظائف للسعوديين، والجهات الرقابية سجلت الكثير من المخالفات في البدلات والكثير كان يتحدث عن ترشيد الإنفاق في ذلك، وكانت هناك قرارات منذ أكثر من خمسة عشر عاما لمراجعة البدلات، إضافة إلى مطالبات صندوق النقد الدولي والشركات الائتمانية بضرورة مراجعتها.
وأوضح، أن مرتكزات اللجنة المعنية بمراجعة ذلك رأت أن التطور أصبح سائدا، ومنها تطور وسائل التقنية، والسلامة، مشيرا إلى أن بعض الموظفين يعتبرون أن خارج الدوام والانتداب وكأنه مستحق وهو غالبا في غير الحاجة، إضافة إلى ازدواجية في الصرف للغرض الواحد، وتصرف لغير مستحقيها وأحيانا انتفاء الغرض مثل بدل الآلة الكاتبة، وكشف العرج عن أنه بدل الحاسب الآلي الذي تم إقراره في عام 1997 صرف لأجله العام الماضي 900 مليون ريال، كاشفا عن التباين في التعويضات والتقارب مع القطاع الخاص من حيث التشريع.
وقال وزير الخدمة المدنية، خالد العرج، إن إنتاجية الموظف الحكومي لا تجاوز ساعة واحدة؛ بناء على دراسات من وزارة الاقتصاد والتخطيط، لدنيا في جدارة الباحثين في العمل قرابة المليون شخص، وهناك من يرغب في القطاع الخاص بالإلحاق بالعمل وبراتب أقل نظرا للأمان الوظيفي الحكومي.
مراجعة اللجنة الوزارية بخصوص البدلات والمكافآت للمدنيين والعسكريين، نتج معها مراجعة 156 بدلا ومكافأة، وما تم إلغاؤه هو 21 بدلا ومكافأة، ضاربا الأمثلة ببدل الحاسب الآلي الذي ظل أكثر من 40 عاما، و25 بدلا تم تخفيضها أو أضيفت لها ضوابط تنفيذية، وخمسة بدلات أو مكافآت أوقفت لحين إعادة ضوابط دراسة صرفها، ومنها بدلات (التميز، ومكافحة الإرهاب للعسكريين، والندرة)، وستعود، وفق حديثه، لمن يستحقها. وأشار العرج، خلال حديثه بحكم تكليف وزارته بدراسة البدلات والمكافآت للمدنيين والعسكريين، أن المرصود لبدل مكافحة الإرهاب مخصص لها العام الماضي 2 مليار ريال، لكن ما تم صرفه على بدل «مكافحة الإرهاب» للعسكريين، كان أكثر من ذلك.
وأوضح الوزير العساف، أن ردود الفعل الدولية حول الخطوات التصحيحية السعودية وخطط التنمية المقبلة كانت إيجابية، وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وسيكون للإجراءات السعودي تأثير على المدى المتوسط، وأشار إلى أن صرف الرواتب سيكون على أساس الأبراج الشمسية، ابتداء من الشهر الحالي، وفقا للسنة المالية والميزانيات السعودية.
وفي سؤال، حال لم تتم الإجراءات الأخيرة، ماذا سيكون تأثيرها في التقاعد، قال العرج: إن التقاعد المشكلة كبيرة في المملكة لأسباب عدة، منها أن العمر التقاعدي للمدنيين 59 سنة، والعسكري أقل، يصل بعضها إلى 45 سنة، ويصرف الراتب التقاعدي لآخر مربوط في الجدول، المستقطع من الموظف ومساهمة الحكومة غير مرتفع، وصندوق التقاعد العسكري خلال سنوات سيكون مفلسا، وخلال هذا العام سيكون هناك عجز في تقاعد المدنيين، وهذا يعطي دلالة على أن عجز المدنيين سيكون بالتريليونات.
بدوره، أوضح، محمد التويجري، نائب وزير الاقتصاد والتخطيط، أمين عام اللجنة المالية، عدم ملاءمة التخطيط للواقع، وأضاف أن الاعتماد على النفط اعتماد بحت، والتنوع الاقتصادي غير موجود، وقال التويجري، إن السعودية منذ 2009 بدأت في الاستثمار الرأسمالي حتى 2015، والعجز جاء بناء على أسعار النفط، والإنفاق بناء عليه أيضا، والحالة العالمية للاقتصاد بدأت في الانخفاض، حيث إن النمو في الأسواق الناشئة كان أقل، وهو أيضا في الاقتصاد الأميركي والأوروبي بفعل عوامل عدة.
وأضاف التويجري: استثمرنا سابقا في مشروعات غير ملائمة، في النمو والاقتصاد؛ كونها كانت ترفا وبالإمكان الإحجام عنها، وهي تحتاج إلى كمية من الصيانة وليس لها عائد تنموي على المدى البعيد، لدينا 367 مليارا كمية العجز في الاقتصاد السعودي، واقترضنا أكثر من 200 مليار دولار من البنوك المحلية، وقدرتنا على الاستمرار في هذه الظروف غير مجدية.
العساف قال، وضعنا اليوم مختلف عن الماضي، في السابق كان النفط يمر بدورات مختلفة، وسوق البترول أصبحت اليوم في طور جديد، فكان لا بد من اتخاذ إجراءات حيث لا يمكن للبترول العودة للسابق، والمجلس الأعلى للاقتصاد كان تحذيره من نواحي الباب الأول، والتوجيهات جاءت بالتوظيف على مستويات أكبر، رغم الصعوبات والنداءات الدولية المختصة.
ورأى أمين اللجنة المالية محمد التويجري، «أنه لو كانت لدينا استثمارات متنوعة، لما لجأنا إلى إجراءات التقشف، وذلك إجراء عالمي تلجأ إلى ذلك كثير من دول العالم»، معتبرا أن الحل في «الرؤية» وبرامج «الرؤية» نحو 2030، لكن التحدي الكبير هو في التنفيذ الذي بدأ، وقال: «بدايتنا كانت جدية دون تدريج». وهو ما برره وزير الخدمة المدنية العرج، في إجابته على سؤال حول غياب التدريج في تنفيذ القرارات الحكومية الأخيرة، قال: إن الهدر كبير، والمهنية تحتم علينا البدء بمعالجته مرة واحدة، معقبا التويجري بأن العمليات قادمة، والخصخصة جزء من تلك الخطط.
وأكد الوزير العرج على مراجعة لائحة الوظائف التعليمية، موضحا أن الغرض هو مراجعة اللائحة ورفع الأداء والإنفاق، وسيتم إنجازها خلال أقل من شهرين، وعن رصيد الإجازات قال: إنها لم تمس، لكن تم تنظيمها لتمكين التعاقب الوظيفي وللترشيد، موضحا أن الدولة تصرف سنويا 5 مليارات على مكافآت نهاية الخدمة على الإجازات، وأن إيقاف التعيين كان للأيام المتبقية من السنة المالية فقط.
وحول سوق السندات، قال الوزير العساف، إن «إصدار سندات دولية ليس بيع الاحتياطي النقدي، لكن هو تسهيل الاحتياطي النقدي، وهي أول مرة تلجأ الدولة إلى إصدار السندات الدولية والقادم هو إصدار الصكوك، وهي مرحلة تلجأ لها الدولة في حال العجز المالي، وهناك تعطش للسندات السعودية للثقة في الاقتصاد السعودي والتصنيف الائتماني المميز»، وأكد العساف، أنه لا توجد نية لتعديل سعر الصرف.
التويجري، قال عن قرار السعودية إصدار سندات دولية، إن ذلك يسد بعض أجزاء الميزانية والأهم هو التوقيت، موضحا أن التصنيف الائتماني أقوى من تصنيف الاستثمار، في إطار خطة استثمارية من قبل صندوق الاستثمارات العامة وطموحه أن يكون الأكبر في العالم، الذي بدأ فعليا في تنفيذ بعض تلك البرامج والخطط.
الوزير العساف، أكد على دور القطاع الخاص مشيرا إلى أن الفترة المقبلة سيكون هو قائد النمو الاقتصادي، و«الرؤية» جاءت بعدد من المبادرات لدعم القطاع الخاص للاستثمار والمساهمة في الاقتصاد، وحول تأخير صرف بعض الاعتمادات على المقاولين في عدد من المشروعات، أوضح العساف أن تأخير الصرف على المقاولين كان لأسباب فنية، وأصبح منتظما اليوم وسيرتفع خلال الفترة المقبلة.
وقال: إن مؤسسة النقد اتخذت عددا من الإجراءات المهمة خلال الأيام الماضية لدعم السيولة في السوق، ومنها طلب البنوك لإعادة جدولة القروض وإيداع مبالغ لتوفير السيولة، وسيكون ذلك خطوة لإقراض القطاع الخاص، ومنه استمرار النمو القطاع الخاص.
وقال التويجري، إن القطاع الخاص يريد أن يرى جاهزية النظام والسياسة المالية لتكون مشاركته أكثر فاعلية، ولم يكن للشريان أن ينهي الحلقة دون سؤال لأمين اللجنة المالية، عن أنه في حال لم تتخذ السعودية قراراتها الحكومية الماضية.. «لكان الإفلاس حتميا لثلاثة أعوام»، وفق حديث التويجري.
الملفات الساخنة في حديث الوزراء، كانت كاسرة للكثير من التساؤلات حول مدى صعوبة التقدم التنموي الذي تنتهجه السعودية منذ تأسيسها، وأصبح في إطار الشفافية التي لم تغب عنها الأرقام، خصوصا من قبل وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الخدمة المدنية، وكلتاهما كانت على درجة قياس البدائل والتحديات لقيادة الأيام المقبلة.



التضخم يحاصر اليابان ويدفع عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى 2.69 %

مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)
TT

التضخم يحاصر اليابان ويدفع عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى 2.69 %

مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)
مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)

تسارعت معدلات تضخم أسعار الجملة في اليابان خلال مايو (أيار) الماضي، بأسرع وتيرة لها منذ 3 سنوات، تحت ضغط صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب الخليج، ما أدى إلى موجة هبوط في سوق أدوات الدين السيادية دفعت عوائد السندات الحكومية للارتفاع بشكل جماعي، وسط ترقب الأسواق لقرار تشديد السياسة النقدية من قبل بنك اليابان (المصرف المركزي) في اجتماعه المرتقب الأسبوع المقبل.

وأظهرت البيانات الصادرة عن بنك اليابان يوم الأربعاء، أن مؤشر أسعار المنتجين (الذي يقيس أسعار الجملة لباب المصنع) قفز بنسبة 6.3 في المائة على أساس سنوي في مايو، متجاوزاً توقعات الأسواق البالغة 5.5 في المائة، ومسجلاً أسرع معدل نمو منذ مارس (آذار) 2023.

وجاء هذا التسارع الحاد مدفوعاً بالارتفاع القياسي لتكاليف النفط الخام و«النفتا» والكيميائيات والمعادن غير الحديدية، جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الاستراتيجي، مما أدى إلى صعود مؤشر أسعار الاستيراد المقوم بالين بنسبة قياسية بلغت 25.5 في المائة على أساس سنوي.

وفي المقابل، أسهم الطلب العالمي القوي على أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دفع مؤشر التصدير للصعود بـ20.6 في المائة، مما خفف جزئياً من تدهور الشروط التجارية للبلاد.

ضغوط على سوق السندات

وانعكست هذه الضغوط التضخمية بشكل فوري على سوق السندات الحكومية اليابانية؛ حيث ارتفعت عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس لتصل إلى 2.695 في المائة (حيث تتحرك العوائد عكسياً مع الأسعار)، مدفوعة بمخاوف المستثمرين من تآكل قيمة المدفوعات الثابتة جراء التضخم المستورد.

وفي دليل واضح على تراجع شهية المخاطرة، باعت وزارة المالية اليابانية سندات حكومية لأجل 30 عاماً بقيمة إجمالية بلغت نحو 600 مليار ين (3.74 مليار دولار)، إلا أن نسبة التغطية (العطاءات المقدمة إلى المقبولة)، التي تقيس حجم الطلب، هبطت إلى مستوى 2.94، وهو أدنى مستوى يسجل في مزاد علني منذ عام كامل. وامتدت قفزة العوائد لتشمل السندات لأجل عامين -الأكثر حساسية لأسعار الفائدة قصيرة الأجل- لترتفع إلى 1.42 في المائة، في حين استقر عائد السندات لأجل 30 عاماً عند 3.865 في المائة، وصعد عائد السندات لأجل 5 سنوات إلى 1.94 في المائة.

المركزي الياباني أمام خيار الـ1 %

ويرى المحللون في الأوساط المالية أن استمرار نمو أسعار المنتجين الذي يعد مؤشراً قيادياً لتضخم أسعار المستهلكين، يضع بنك اليابان تحت ضغوط قصوى لمواصلة تفكيك سياساته التحفيزية السابقة؛ حيث توقع أبهيجيت سوريا، كبير اقتصاديي منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «كابيتال إيكونوميكس»، أن يعمد البنك المركزي في اجتماعه الذي ينتهي في 16 يونيو (حزيران) الجاري إلى رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل من مستواها الحالي البالغ 0.75 في المائة إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى للفائدة اليابانية منذ أكثر من 3 عقود، مرجحاً تسارع وتيرة التشديد لتشمل زيادات متتالية بمعدل مرة كل 4 أشهر للوصول بالفائدة إلى 1.25 في المائة بحلول نهاية العام الحالي.

من جانبه، أوضح أتارو أوكومورا، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في مؤسسة «إس إم بي سي نيكو للأوراق المالية»، أن كبح جماح التراجع الحاد للين الأميركي، ومنع الارتفاعات المفرطة في عوائد السندات طويلة الأجل، يمثل أولوية مشتركة للحكومة وبنك اليابان على حد سواء في الوقت الراهن؛ ولذلك ستتركز أنظار المتعاملين في السوق على مدى قوة الإشارات والرسائل التي سيبعث بها المحافظ كازو أويدا حول وتيرة رفع الفائدة المستقبلية؛ خصوصاً بعد التقارير التي أشارت إلى إمكانية إبقاء البنك المركزي على وتيرة شراء السندات الحالية لتجنب إحداث صدمة عنيفة في أسواق الدين المحلية والتجارية.


توقعات بقفزة التضخم الأميركي إلى 4.2 % في أعلى مستوى بـ3 سنوات

زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)
زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)
TT

توقعات بقفزة التضخم الأميركي إلى 4.2 % في أعلى مستوى بـ3 سنوات

زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)
زبونة تشتري الخضراوات والفواكه من متجر للبقالة في تكساس (أ.ف.ب)

تتجه أنظار الأوساط المالية العالمية يوم الأربعاء نحو وزارة العمل الأميركية، ترقباً لإصدار بيانات مؤشر أسعار المستهلكين، وسط توقعات قوية بقفزة نوعية في معدلات التضخم خلال مايو (أيار) الماضي للمرة الثالثة على التوالي.

ويضع هذا الارتفاع المستمر لضغوط التكلفة صُناع السياسة النقدية في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أمام تحديات حرجية لكبح الأسعار، بالتزامن مع تنامي الضغوط السياسية على إدارة الرئيس دونالد ترمب مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.

وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد في مسح أجرته مؤسسة «فاكت ست» للبيانات، إلى احتمال وصول معدل التضخم السنوي إلى 4.2 في المائة في مايو، صعوداً من القراءة المسجلة في أبريل (نيسان) الماضي البالغة 3.8 في المائة، في حين يتوقع المحللون زيادة التضخم على أساس شهري بنسبة صلبة تصل إلى 0.5 في المائة. وكان التضخم قد بدأ رحلة الهبوط التدريجي قبل أن يفرض الرئيس دونالد ترمب رسوماً جمركية واسعة النطاق في أبريل 2025 تسببت في رفع أسعار كثير من السلع، تلتها الصدمة السعرية الناتجة عن اندلاع حرب الخليج التي قفزت بأسعار النفط والغاز، ليتحول ملف «القدرة المعيشية» إلى قضية سياسية واقتصادية محورية في البلاد.

التضخم الأساسي وعقدة الحرب

وينصب اهتمام الأسواق والمحللين على مراقبة «التضخم الأساسي» -الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتذبذبة- لاستشراف الاتجاه الحقيقي للأسعار؛ حيث تتوقع التقديرات ارتفاع المؤشر الأساسي بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، مما يدفع المعدل السنوي الأساسي للصعود إلى 2.9 في المائة مقارنة بـ2.8 في المائة في أبريل، وهي مستويات تبتعد كثيراً عن مستهدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

ويعزو الاقتصاديون هذا الثبات إلى تسرب ضغوط التكاليف لقطاعات غير مرتبطة بالوقود، مثل الرعاية الصحية وصيانة السيارات والخدمات، فضلاً عن امتداد أثر الديزل المرتفع إلى تكاليف الشحن عبر شركات عملاقة مثل «يو بي إس» و«فيديكس»، مما يهدد برفع أسعار البقالة والأغذية التي سجلت بالفعل نمواً سنوياً بـ2.9 في المائة.

وفي قطاع الطاقة، تسببت الخطوات الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز في خنق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، مما قفز بمتوسط أسعار البنزين في المحطات الأميركية من 4.04 دولار في منتصف أبريل إلى 4.49 دولار في منتصف مايو، رغم تراجعها النسبي اللاحق إلى 4.16 دولار للغالون وفقاً لبيانات الجمعية الأميركية للسيارات «إيه إيه إيه»، مما قد يمنح قراءة يونيو (حزيران) الحالي بعض الهدوء الهامشي.

عرض خضراوات في متجر بولاية تكساس (أ.ف.ب)

«الفيدرالي» ومأزق رئيسه الجديد

وأسهم استمرار التضخم المرتفع في إحداث تحول جذري في مناقشات أروقة «الاحتياطي الفيدرالي»؛ فبعد أن لمح المسؤولون في مطلع العام إلى نيتهم خفض أسعار الفائدة المرجعية مرتين هذا العام، تزداد الأصوات الحالية داخل البنك المركزي للتأكيد على أن الخطوة المقبلة ستكون «رفعاً للفائدة» وليست خفضاً، وهو توجه عززته بيانات سوق العمل القوية الصادرة يوم الجمعة الماضي، والتي أظهرت تسارع وتيرة التوظيف وصمود النمو الاقتصادي، مما يمنح الفيدرالي مبرراً لتشديد السياسة دون خوف من ركود فوري.

وأظهرت أسعار العقود الآجلة عبر أداة «فيد ووتش» أن المستثمرين في «وول ستريت» باتوا يحتسبون احتمالية تتجاوز 70 في المائة لقيام «الاحتياطي الفيدرالي» برفع الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مما سيزيد من تكاليف الاقتراض للرهون العقارية وقروض السيارات برياً وعالمياً.

ويضع هذا المشهد المعقد الرئيس الجديد لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، في موقف حرج بالغ الصعوبة؛ حيث كان وارش من أشد الداعمين لخفض الفائدة العام الماضي، وتم اختياره من قبل ترمب ليحل محل جيروم باول عقب انتقادات حادة من البيت الأبيض لباول بسبب بطء وتيرة خفض التكاليف الرأسمالية.

ورغم المأزق الحالي، تحرص الإدارة الأميركية ومسؤولو البيت الأبيض في الوقت الراهن على المطالبة بالاستقرار وتجنب رفع الفائدة بدلاً من الإصرار على خفضها، في وقت لا تزال فيه الرسوم الجمركية تضغط على أسعار الملابس التي قفزت بـ4.2 في المائة سنوياً، بالتزامن مع مخاوف من أن يتسبب وقود الطائرات المرتفع في زيادة تذاكر الطيران ودفع التضخم الأساسي نحو مستويات قياسية جديدة.


تضخم المنتجين في الصين يقفز بـ 3.9% في أعلى مستوياته منذ 4 سنوات

يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)
يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

تضخم المنتجين في الصين يقفز بـ 3.9% في أعلى مستوياته منذ 4 سنوات

يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)
يشتري الناس الخضراوات في سوق بمدينة شنيانغ، بمقاطعة لياونينغ شمال شرق الصين (أ.ف.ب)

قفزت أسعار باب المصنع في الصين لترتفع للشهر الثالث على التوالي خلال مايو (أيار) الماضي، مسجلة أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات، في حين استقرت أسعار المستهلكين عند مستويات مرتفعة.

وجاء هذا الصعود الحاد في وقت ألقت فيه أسعار الطاقة العالمية وضغوط التكاليف المتصاعدة جراء الحرب في الخليج بظلالها على الشركات المصنعة، بينما وفر الطلب العالمي المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي صمام أمان لقطاعات التقنية المتقدمة.

وأظهرت البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في بكين، يوم الأربعاء، أن مؤشر أسعار المنتجين (PPI) ارتفع بنسبة 3.9 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً توقعات الأسواق في استطلاع «رويترز» البالغة 3.8 في المائة، ومقارنة بزيادة سجلت 2.8 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي. وأسهمت الصدمة السعرية الناجمة عن الحرب المستعرة منذ أواخر فبراير (شباط) الماضي، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في إخراج أسعار المنتجين في الصين من دائرة الانكماش التي استمرت لسنوات؛ حيث تحول المؤشر السنوي إلى النطاق الإيجابي في مارس (آذار) للمرة الأولى منذ سبتمبر (أيلول) 2022.

التباين التنظيمي بين الذكاء الاصطناعي والقطاعات التقليدية

وفي القراءة التحليلية للمشهد، أشار شو تيانتشن، كبير اقتصاديي وحدة «إيكونوميست إنتليجنس»، إلى وجود تباين واضح في القدرة على مواجهة ضغوط تكاليف المدخلات؛ حيث تملك الشركات العاملة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة، التي تشهد طلباً صلباً، القدرة على تمرير زيادة التكاليف إلى المستهلك النهائي بل وفرض هوامش أرباح إضافية، وهو ما لا ينطبق على الصناعات التقليدية مثل قطاع السيارات. وعزا مكتب الإحصاء هذا الصعود إلى تنامي الطلب على قدرات الحوسبة الفائقة، مما رفع أسعار صهر وتشكيل المعادن غير الحديدية ومعدات الإلكترونيات، برغم تباطؤ النمو الشهري للمؤشر إلى 0.5 في المائة مقارنة بـ1.7 في المائة في أبريل.

وحذر الخبراء من أن استمرار حرب الخليج قد يضغط على أرباح الشركات غير التقنية ويكبح الاستهلاك المحلي، خاصة مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب؛ حيث يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى إضعاف رغبة الأسر في الإنفاق غير الضروري، مما يضع صانعي السياسة الصينيين أمام تحديات حرجية لدعم سوق العمل وتحفيز الطلب المحلي اللين.

أسعار المستهلكين ومخاوف الأجور

وعلى صعيد تضخم المستهلكين، سجل مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ارتفاعاً بنسبة 1.2 في المائة على أساس سنوي في مايو، بدفع رئيسي من قفزة أسعار البنزين والمجوهرات الذهبية وقطاع الخدمات، ليطابق قراءة أبريل، وإن جاء دون توقعات المحللين البالغة 1.3 في المائة. وفي حين تراجعت أسعار الأغذية بنسبة 1.7 في المائة مع هبوط أسعار لحوم الخنزير بـ 16.1 في المائة، سجلت أسعار البنزين المحلية قفزة نوعية بنسبة 23.5 في المائة على أساس سنوي برغم تراجعها الطفيف على أساس شهري بنسبة 0.1 في المائة.

من جانبه، أوضح لين سونغ، كبير اقتصاديي الصين الكبرى في بنك «إي إن جي»، أن تراجع أسعار الغذاء والعقارات يمنع التضخم الرئيسي من تسجيل قفزات غير منضبطة في الوقت الحالي، مؤكداً أن الاقتصاد الصيني يتحرك تدريجياً من بيئة الانكماش نحو بيئة تضخم منخفض. واستبعد سونغ أن تؤدي قوة الأسعار الحالية إلى زيادة الأجور، نظراً لارتفاع معدلات البطالة بين الشباب ومخاوف العمال بشأن الأمان الوظيفي في ظل الطفرة المتسارعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ودفعت هذه التطورات محللي مؤسسة «إيه إن زد» إلى رفع توقعاتهم لمؤشر أسعار المنتجين للعام الحالي بأكمله إلى 2 في المائة بدلاً من 0.8 في المائة، مع الإبقاء على تقديرات أسعار المستهلكين عند 1.2 في المائة. وأظهرت بيانات «أويل كيم» تراجع استهلاك البنزين والديزل في الصين بنسبة 13 في المائة في مايو إثر قرار بكين رفع أسعار التجزئة لـ«الديزل»، بالتزامن مع تراجع حاد في مبيعات السيارات المحلية بنسبة 22.3 في المائة. وأكد أبحيجيت سوريا، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «كابيتال إيكونوميكس»، أن اتجاه التضخم يظل رهناً بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأسواق الطاقة، مرجحاً تراجع ضغوط أسعار المستهلكين بمجرد الانحسار التدريجي للاضطرابات في الإمدادات.