معدل الديون الأميركية يقلق العالم.. و«رقبة» اقتصاد واشنطن «في يد» بكين

«الشرق الأوسط» تستطلع سيناريو فقدان الثقة العالمية بالدولار

معدل الديون الأميركية يقلق العالم.. و«رقبة» اقتصاد واشنطن «في يد» بكين
TT

معدل الديون الأميركية يقلق العالم.. و«رقبة» اقتصاد واشنطن «في يد» بكين

معدل الديون الأميركية يقلق العالم.. و«رقبة» اقتصاد واشنطن «في يد» بكين

يوما بعد يوم، ومع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في الولايات المتحدة الأميركية، تتزايد المخاوف من غموض المستقبل الاقتصادي للعالم، خصوصا أنه ليس في حاجة إلى مزيد من الضغوط المربكة.. ووسط التوترات الجيوسياسية التي تحوم حول العالم، يعاني الاقتصاد العالمي من ضغوط لا تهدأ، سواء من ركود لا يبدو له أفق، أو هبوط حاد بمستوى أسعار النفط، إضافة إلى ما تسبب فيه قرار الناخبين البريطانيين الذي فاجأ العالم أجمع بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي في منتصف العام الحالي.
وبينما تتجه أغلب الأنظار نحو شرق الكرة الأرضية خصوصا الصين، لمحاولة استشفاف مستقبل الاقتصاد، خصوصا أن بكين تعد متهما رئيسيا دائما من قبل القوى الكبرى في الركود العالمي ومحاولات الإغراق والتنافسية؛ تبرز بين الحين والآخر آراء وصرخات مكتومة لخبراء ورجال اقتصاد وكذلك سياسيين، تحذر من أن الخطر الأكبر يقع على الجانب الآخر من المحيط؛ وهو الديون الأميركية، وسياسيات القوة الأكبر عالميا، التي ربما تسفر عن انهيار الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، تسعى «الشرق الأوسط» لفك لغز الديون الأميركية، سواء من حيث حجمها، أو شرائحها، أو وضعه بالنسبة لباقي دول العالم.. كما نستطلع أغلب الفرضيات حول آثار السياسات الأميركية الاقتصادية والنقدية على مستقبل الاقتصاد، وكذلك ردود الأفعال الاقتصادية المحتملة على قضايا ساخنة، على غرار قانون «جاستا» أو حتى آثار الخطاب العدائي لـ«الرئيس المحتمل» دونالد ترامب.
* تفاصيل الدين الأميركي:
الدين الأميركي هو مجموع الديون المستحقة كافة من قبل الحكومة الاتحادية (الفيدرالية)، وتعد ديون الولايات المتحدة هي الأكبر في العالم لـ«دولة واحدة»، بما يتخطى 19 تريليون دولار، أي ما يعادل 114 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وتدير وزارة الخزانة الأميركية ديون الولايات المتحدة من خلال مكتب الدين العام.
وينقسم الدين الأميركي إلى فئتين، الدين البيني الحكومي (intergovernmental debt) ويبلغ نحو 5.5 تريليون دولار، والدين «المملوك من العامة» ويبلغ نحو 14.2 تريليون دولار، وفقا لأحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وتمتلك 230 «وكالة فدرالية» نسبة 30 في المائة من الدين البيني الحكومي الاتحادي، وتدين الحكومة الأموال لـ«نفسها» كنوع من الاستثمار، على غرار أموال صندوق الضمان الاجتماعي الذي يستثمر في سندات الخزانة الأميركية.
ويستثمر الصندوق المذكور ما يقرب من 2.8 تريليون دولار، فيما يستثمر «مكتب شؤون الموظفين الحكومي - إدارة التقاعد» مبلغ 873 مليار دولار، و«صندوق التقاعد العسكري» 601 مليار دولار، و«صناديق الرعاية الطبية» 267 مليار دولار، إضافة إلى صناديق تقاعد أخرى يبلغ مجموعها 187 مليار دولار، وكذلك سيولة نقدية لدى الحكومة الاتحادية تبلغ 508 مليارات دولار، وذلك وفقا لبيان وزارة الخزانة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
أما الديون المملوكة من العامة، فيمتلك نصفها حكومات أجنبية ومستثمرون من الأفراد والمؤسسات، بينما تمتلك حكومات الولايات المحلية متمثلة في مجلس الاحتياطي الاتحادي نحو ربع حجم تلك الديون، إلى جانب 15 في المائة مملوكة لصناديق الاستثمار وصناديق المعاشات التقاعدية الخاصة، فيما يمتلك البقية بنوك وشركات تأمين.
وعن حجم تلك الديون، فإن الحكومات الأجنبية تمتلك منها 6.175 تريليون دولار، والاحتياطي الفيدرالي يمتلك 2.461 تريليون دولار، وصناديق الاستثمار 1.056 تريليون دولار، وصناديق المعاشات التقاعدية الخاصة 803 مليارات دولار، وصناديق التقاعد الخاصة 403 مليارات دولار، والبنوك 515 مليار دولار، وشركات التأمين 293 مليارا، وسندات الادخار داخل الولايات المتحدة 174 مليار دولار، والمستثمرون الآخرون 1.198 تريليون دولار، وذلك وفقا لبيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي، ووزارة الخزانة الأميركية، والنشرة الاتحادية لملكية الأوراق الاتحادية.
ومن القراءة التفصيلية للبيانات السابقة، نستنتج أن صناديق المعاشات التقاعدية وصناديق التقاعد تمتلك ما يقرب من نصف المديونية الكلية الأميركية متمثلة في سندات الخزانة الأميركية.. ولو تخلفت الولايات المتحدة عن سداد ديونها «الداخلية»، فإن المستثمرين، الحالين أو المتقاعدين، سيكونون في مأزق حقيقي في المستقبل.
* الدول الدائنة:
تعد الصين أكبر حائز أجنبي للمديونية الأميركية بنحو 1.241 تريليون دولار حتى أحدث نتائج في يونيو (حزيران) 2016، تليها اليابان بنحو 1.148 تريليون دولار. وحقيقة الأمر، فإن كلا من الصين واليابان تحاولان المحافظة على قيمة عالية للدولار مقابل عملتيهما، اليوان والين على التوالي، وذلك لدعم زيادة صادراتهما حول العالم على وجه العموم، وإلى داخل الولايات المتحدة على وجه الخصوص، بأسعار معقولة، الأمر الذي يساعد اقتصاديهما على النمو.
وتهدد الصين بين الحين والآخر ببيع المديونيات الأميركية، لكنها تظل سعيدة كونها حائزة الشريحة الأكبر في الدين الأميركي.
وخلال الألفية الجديدة، حلت الصين في بادئ الأمر محل المملكة المتحدة كثاني أكبر حائز أجنبي في 31 مايو (أيار) 2007 عندما زادت حصتها إلى 699 مليار دولار، متجاوزة المملكة المتحدة بنحو 640 مليار دولار آنذاك.
أما عن باقي الدول الدائنة في الوقت الحالي، فتحتل آيرلندا المركز الثالث بنحو 270.6 مليار دولار، والمستعمرة البريطانية جزر كايمان في البحر الكاريبي في المركز الرابع بنحو 258.5 مليار دولار، والبرازيل في المركز الخامس بنحو 251.6 مليار دولار، ثم تأتي بعد ذلك كل من سويسرا والمملكة المتحدة وهونغ كونغ وتايوان والهند والمملكة العربية السعودية ولوكسمبورغ وبلجيكا، حيث يمتلك كل منها ما بين 113 إلى 237 مليار دولار.
ويعتقد مكتب التسويات الدولية أن كلا من آيرلندا وجزر كايمان ولوكسمبورغ وبلجيكا «واجهات» لصناديق ثروة سيادية أو صناديق تحوط، ولا تريد الكشف عن مواقفهم.
* كيف ازداد الدين الأميركي؟
يتفاقم الدين بشكل عام في أي دولة عند اتساع فجوة العجز، وفي الولايات المتحدة اتسعت الميزانية الاتحادية، خصوصا في فترتي ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث أضاف حزمة من الحوافز الاقتصادية في الميزانية، فضلا عن تخفيضات ضريبية وزيادة بلغت نحو 800 مليار دولار سنويا في الإنفاق العسكري.
وارتفع الدين العام الأميركي بشكل متسارع حتى قبل الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008، فوصل من 6 تريليونات دولار إلى 9 تريليونات دولار في الفترة ما بين أعوام 2000 إلى 2007. واتسعت خطة الإنقاذ التي قدرت بنحو 700 مليار دولار إلى 10.5 تريليون دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2008، وضاعف الأمر سوء إضافة الرئيس الأسبق جورج بوش «الابن»، لتخفيضات ضريبية كبيرة، إضافة إلى تكلفة ما قال إنها «الحرب على الإرهاب» في العراق.
والمفارقة الكبرى، أنه عندما تقدم أوباما لترشيح نفسه للرئاسة في 2008، أطلق على سلفه بوش مسمى «غير وطني وغير مسؤول»، وذلك انطلاقا لدور بوش في تفاقم الدين العام المتنامي الذي وصل إلى 9 تريليونات دولار.. لكن أزمة الديون تفاقمت في عهد أوباما أيضا، مثله كالباقين من الرؤساء السابقين، الذين أضافوا مزيدا من الديون على كاهل أميركا.
وفي حقبة الرئيس أوباما، ارتفع الدين العام بنحو 56 في المائة مضيفا 6.494 تريليون دولار في سبع سنوات، حيث تضمنت الميزانيات حزما من الحوافز الاقتصادية، وأضاف نحو 787 مليار دولار عن طريق خفض الضرائب وتوسيع نطاق إعانات البطالة وخلق فرص عمل وتمويل مشروعات الأشغال العامة، وأضافت التخفيضات الضريبية نحو 858 مليار دولار إلى الديون في غضون آخر عامين.
وشملت ميزانيات أوباما زيادة الإنفاق الدفاعي إلى ما بين 700 مليار دولار و800 مليار دولار بالعام، في حين كان الدخل الاتحادي يتراجع بسبب انخفاض العائدات الضريبية منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.
ويذكر أن جورج دبليو بوش أضاف أكبر ثاني مبلغ للدين العام (بعد الرئيس الأسبق رونالد ريغان) بنحو 5.849 تريليون، أي بنحو 101 في المائة من إجمالي الدين في 30 سبتمبر (أيلول) 2001. وارتفعت المديونية بسبب رد بوش على هجمات الحادي عشر من سبتمبر بإطلاق الحرب على الإرهاب، ودفعت الحرب الإنفاق العسكري إلى مستويات قياسية تتراوح بين 600 و800 مليار دولار بالعام.
وتكلفت الحرب على العراق 807.5 مليار دولار، لكن كان رد بوش على ركود عام 2001 هو تمرير قانوني التخفيض الضريبي «جغترا» و«إيغترا» ومزيد من الخفض في العائدات، وذلك حتى عام 2007 حين وافق على حزمة إنقاذ مالية بقيمة 700 مليار دولار لمكافحة الأزمة المالية العالمية.
* مخاوف «التراكم»:
وشجعت سنوات انخفاض أسعار الفائدة خلال العقد الماضي الحكومات والشركات والأفراد على زيادة ديونهم. وحاليا وصل الدين العالمي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 152 تريليون دولار، ما يوازي نحو 225 في المائة من الناتج المحلي العالمي، ليثقل النمو الاقتصادي إضافة إلى مخاطر التحول إلى مزيد من الركود.
ويخشى صندوق النقد الدولي من سيناريو أسوأ، وهو موجة «السياسة الشعبوية» في الولايات المتحدة وأوروبا خصوصا مع الصعود اليميني، والتي يمكن أن ترسل «العولمة» في الاتجاه المعاكس مع السياسات الحمائية التي تضرب التجارة الدولية والاستثمار. وجاءت تحذيرات صندوق النقد الدولي بعد خفض توقعاته لمجموعة من بلدان العالم، فضلا عن حث الحكومات على مساعدة البنوك المتعثرة في الأجزاء الأكثر تضررا في أوروبا، وإنفاق مزيد من الأموال على تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
وقال صندوق النقد إن القطاع الخاص قد يتحمل مخاطر كبيرة عند وصول الدين إلى مستويات مفرطة، مضيفا أن «الحجم الهائل من الديون قد يمهد الطريق لعملية غير مسبوقة في خفض الدين، الأمر الذي قد يحبط الانتعاش الاقتصادي الهش».
ويزيد عبء الديون في ظل تباطؤ النمو وانخفاض أسعار الفائدة ومعدلات التضخم، مما يجعل من الصعب على الشركات والأفراد والحكومات إيجاد سبيل للخروج من دائرة الديون.
وقالت وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق هذا الشهر، إن مستويات الديون العالمية القياسية تشكل خطرا واضحا على الطلب على النفط، مستشهدة ببيانات أصدرها صندوق النقد. وتوقعت الوكالة في تقديراتها نمو الطلب العالمي على النفط بواقع 1.2 مليون برميل يوميا في 2017 دون تغيير يذكر عن 2016. وانخفاضا من أعلى مستوى في خمس سنوات الذي سجله في 2015 عند 1.79 مليون برميل يوميا.
وأظهرت أسواق المال بصفة عامة أن المستثمرين يتوقعون فترة طويلة من تدني معدلات التضخم وأسعار الفائدة. لكن الزيادة البالغة 45 في المائة في سعر النفط هذا العام تعني أن الطاقة لم تعد العامل المؤثر بقوة في انكماش الأسعار كما كانت قبل عام.
وقالت الوكالة في تقرير شهري عن سوق النفط إنه «عند النظر إلى أسعار العقود الآجلة، يتبين أن النفط قد يواصل ممارسة دوره باعتباره عامل ضغط تضخمي. وبافتراض أن غالبية الضغوط السعرية العالمية الأخرى تظل انكماشية فإن المناخ الحالي الذي يتسم بتدني التضخم وأسعار الفائدة سيستمر على الأرجح».
وكان صندوق النقد قال في تقرير الراصد المالي المنشور مطلع الشهر الحالي، إنه في ظل تباين أوضاع الدين من دولة لأخرى، فإن مجرد حجم الدين قد يهيئ الساحة لعملية «خفض غير مسبوقة» لنسب الرفع المالي في القطاع الخاص، بما قد يحبط التعافي الاقتصادي الهش.
وقالت وكالة الطاقة: «لذا فإن تحقيق النمو الاقتصادي العالمي المتوقع في التقديرات الأساسية لصندوق النقد الدولي والبالغ 3.4 في المائة لعام 2017 - الذي يعزز توقعات الطلب التي يشملها هذا التقرير - لن يخلو من المصاعب».
* تحذيرات عابرة للحدود:
وبالعودة إلى الدين الأميركي تحديدا، يحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، جراء ارتفاع معدلات اقتراض الولايات المتحدة، وذلك على هامش انعقاد قمة دول «البريكس» في منتصف أكتوبر الحالي، ولكنها ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها الرئيس الروسي الديون الأميركية.. فخلال السنوات الخمس الماضية تحدث بوتين خلال أكثر من مناسبة عن الديون الأميركية وتأثيرها على النمو العالمي.
وتهتم روسيا بشكل واسع بالدين الأميركي، وأشارت «فيستي الاقتصادية» الروسية الأسبوع الماضي إلى أن المشكلة الرئيسة التي سيورثها الرئيس أوباما لخلفه في البيت الأبيض هي الديون. موضحة أن وسائل الإعلام الأميركية «تتجاهل» التطرق إلى هذا الموضوع، رغم أنه في ظل الحملة الانتخابية الرئاسية سيصل مستوى الدين الحكومي للولايات المتحدة إلى نحو 19.648 تريليون دولار.
* الانتخابات على الأبواب:
وكان الأمر الصادم خلال المناظرات الرئاسية الدائرة بين مرشحي الرئاسة الأميركية، الديمقراطية هيلاري كلينتون والجمهوري دونالد ترامب، أن كلا منهما لم يقدم أي حلول لأزمة الديون الأميركية، فقدت نالت رسائل البريد المفقودة والمسربة «أولوية أكبر» على قائمة المرشحين من أزمة الديون الآخذة في النمو.
ويتحدث عدد قليل من الناخبين الأميركيين عن الديون باعتبارها «أزمة» أو «مصدر القلق» الرئيسي، بينما أثارت أحاديث ترامب حول خططه المستقبلية كثيرا من المخاوف حول زيادة الديون الأميركية في حال نجاحه.
ويطلق على «الرئيس المحتمل» ترامب لقب «ملك الديون»، فقد اقترض بكثافة من البنوك على مر السنوات الكثيرة الماضية في تاريخه كرجل أعمال في كثير من الصفقات العقارية، البعض منها انتهى بكوارث أدت إلى الإفلاس.
لكنه على النقيض من ذلك، وفي الأيام الأولى من حملته الانتخابية، تعهد بأنه سيمحو الديون الأميركية في ثماني سنوات.. وهو الوعد الذي تراجع عنه في وقت لاحق. لكن جماعات مستقلة غير حزبية أكدت أن التخفيضات الضريبية التي وعد بها ترامب في برنامجه ستضيف تريليونات الدولارات على الرقم الحالي.
ولكن في حقيقية الأمر، يعرف المصوتون لطرفي المبارزة الانتخابية أن كلا المرشحين يبذل الوعود «السخيفة» للنجاح وجذب المصوتين، ومن المتوقع أن تتفاقم أزمة الديون بعد فوز أي منهما حتى عام 2025، خصوصا مع زيادة أعداد المنتفعين من الضمان الاجتماعي ونظم الرعاية الصحية. وفي الوقت الذي يؤكد في خبراء الاقتصاد على ضرورة تعديل النظام الاجتماعي، لم يتطرق أحد المرشحين إلى تغيير نظم الاستفادة من البرامج الاجتماعية بالولايات المتحدة.
لكن جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة «نوبل» في الاقتصاد، يقول إنه ليس هناك ما يدعو للقلق حول حجم ديون الولايات المتحدة، وإنه من المستحيل المقارنة بين اقتصاد دولة كبيرة مثل الولايات المتحدة مع نموذج أو نمط اقتصاد «شركة ضخمة» على سبيل المثال، لأنه من الضروري إيلاء اهتمام لعدد من العوامل المؤثرة؛ مثل الأصول والإيرادات ومعدلات النمو، قبل اتخاذ أي استنتاج بشأن الوضع المالي للدول.
* مصدر قوة الدولار:
والغريب في الأمر أن الأميركيين أنفسهم لم يعتادوا على سماع حلول أو أخبار طيبة عن الأزمة، لدرجة أنه الغالبية منهم لم تعد تشعر بأن هناك «أزمة» على الإطلاق، في الوقت الذي ترتبط فيه الديون الأميركية بـ«قيمة الدولار»، بمعنى أن الدولار الأميركي له قيمة لأن «الحكومة تقول كذلك»، ولأن حائزي العملة في الداخل والخارج يعتقدون أنهم يحملون ما يمكن أن يستخدم في الحاضر والمستقبل لشراء السلع والخدمات والأراضي والأصول المهمة.. وما إلى ذلك.
ويذكر أنه منذ عام 1971، فكت الحكومة الأميركية ارتباط عملتها مع الذهب، حيث كانت قيمة الدولار مرتبطة بالاحتياطي الذي تمتلكه الحكومة الفيدرالية في خزانتها من سبائك ذهبية منذ الحرب العالمية الثانية، ولذلك كان للدولار قيمة حقيقية كونه يمثل سندا لملكية ذهبية. إلا أن ذلك الارتباط انتهى لتتحول العلاقة إلى «علاقة سلعية» خاضعة للعرض والطلب.
* فقدان الثقة بالدولار:
ويبقى السؤال الأهم، ماذا لو استيقظنا غدا ووجدنا أن قيمة الدولارات التي نمتلكها لا تكفي لشراء الاحتياجات المعتادة؟ وبالحسابات التقليدية الأميركية، فإن المواطن صار يحتاج إلى 1386 دولارا اليوم ليحصل على سلع كان يحصل عليها في مقابل 1000 دولار فقط في عام 2000.. أي أن القدرة الشرائية للدولار تناقصت، الأمر الذي يفسره الاقتصاديون بـ«معدلات التضخم» التي تؤثر بشكل مباشر على النظام الاقتصادي.
هذا أمر داخلي.. ولكن ما الحل إذا فقدت دولة مثل الصين، القوة الاقتصادية الثانية على مستوى العالم، وأكبر حائز خارجي للديون الأميركية الثقة في الدولار؟
بين عشية وضحاها سيترتب على مثل تلك الخطوة مخاطر كبيرة قد تسفر عن انهيار ثقة المستثمرين في العملة الأميركية أكثر من أي وقت مضى، وسيعاني ذوو الدخل المتوسط حول العالم وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص أكثر من غيرهم.
وهناك أيضا المشكلات التي قد تترتب على تطبيق قانون العدالة ضد الدول الراعية للإرهاب «جاستا»، والذي أقره الكونغرس مؤخرا.. إذ إن سحب الدول المهددة بالقانون لاستثماراتها في الولايات المتحدة، أو بيعها للديون الأميركية التي تمتلكها، سيسفر عن اضطراب مالي كبير للولايات المتحدة.
وعلى الرغم من المخاطر المسردة سابقا، يتحدث مرشحا الرئاسة الأميركية عن أزمة الديون كونها شيئا «قابلا للتمرير» خلال مناقشتهما الأخيرة، فبات من المؤكد أن الولايات المتحدة لم تستطع وضع مشكلة إنفاقها تحت السيطرة، وهو أمر لا يمكن أن يحدث من دون قيادة الرئيس المقبل.. ومن ذلك يتضح أن العالم ربما يكون على مشارف أزمة اقتصادية هائلة على عكس كل ما رأيناه في تاريخنا.



بداية «تاريخية» لـ2026... التدفقات إلى الأسواق الناشئة تكسر حاجز الـ98 مليار دولار

تاجر صيني ينظر إلى لوحة تداول إلكترونية في بورصة شنغهاي (رويترز)
تاجر صيني ينظر إلى لوحة تداول إلكترونية في بورصة شنغهاي (رويترز)
TT

بداية «تاريخية» لـ2026... التدفقات إلى الأسواق الناشئة تكسر حاجز الـ98 مليار دولار

تاجر صيني ينظر إلى لوحة تداول إلكترونية في بورصة شنغهاي (رويترز)
تاجر صيني ينظر إلى لوحة تداول إلكترونية في بورصة شنغهاي (رويترز)

سجلت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى محفظة الأسواق الناشئة انطلاقة استثنائية مع بداية عام 2026، حيث بلغت مستويات قياسية لم يشهدها شهر يناير (كانون الثاني) من قبل. ووفقاً لتقرير «تتبع تدفقات رأس المال» الصادر عن «معهد التمويل الدولي»، قفزت هذه التدفقات لتصل إلى 98.8 مليار دولار خلال الشهر الأول من العام، وهو ما يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف التدفقات المسجلة في ديسمبر (كانون الأول) السابق البالغة 32.6 مليار دولار.

ووصف التقرير هذا الصعود بأنه «خارج عن المألوف» مقارنة بالمعايير الموسمية وأنماط التدفق الأخيرة. وبخلاف الموجات السابقة التي كانت تتركز في منطقة أو فئة أصول واحدة، شهد يناير الحالي تدفقات «منسقة» شملت أدوات الدين والأسهم على حد سواء، وامتدت لتشمل الصين والأسواق الناشئة الأخرى بكافة مناطقها الجغرافية الرئيسية.

السندات تتصدر المشهد

حافظت أدوات الدين على مكانتها كركيزة أساسية لجذب الاستثمارات، حيث استحوذت على 71.4 مليار دولار من إجمالي التدفقات. وجاءت منطقة آسيا الناشئة في المقدمة بجذب 29.3 مليار دولار من تدفقات الديون، تلتها أميركا اللاتينية (18 مليار دولار)، ثم أوروبا الناشئة (13.4 مليار دولار)، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (10.7 مليار دولار).

وعلى صعيد الأسهم، نجحت الأسواق الناشئة في جذب 27.4 مليار دولار، في تحول حاسم مقارنة بالتدفقات المتواضعة في ديسمبر الماضي والنزوح الكبير لرؤوس الأموال الذي سُجل في يناير من العام السابق. وكان للصين النصيب الأكبر من هذا الانتعاش بجذبها نحو 19.7 مليار دولار من استثمارات الأسهم.

محركات النمو وتحديات الجيوسياسة

أرجع الخبراء في «معهد التمويل الدولي» هذا النمو المتسارع إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها:

  • نشاط الأسواق الأولية: حيث استغل المصدرون السياديون تراجع فروق الأسعار وقوة طلب المستثمرين لإصدار سندات بمدد مبكرة في يناير.
  • قوة أسواق الدين المحلية: ساهم استقرار العملات المحلية والعوائد الحقيقية الجذابة في إبقاء الديون المحلية محط أنظار المستثمرين.
  • ديناميكيات الدولار: وفر تراجع قوة الدولار دعماً إضافياً لعوائد الاستثمارات المقومة بالعملات المحلية والأجنبية.
  • ورغم التوترات الجيوسياسية المرتفعة وحالة عدم اليقين التجاري، فإن الأسواق الناشئة أظهرت صموداً لافتاً وقدرة على إعادة جذب المستثمرين بشكل جماعي.

تفاؤل حذر وتمييز أدق

وبينما يضع يناير أساساً بناءً لتدفقات عام 2026، يشير التقرير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد «تمايزاً» أكبر بين الدول. وعلى الرغم من مرونة الاقتصاد الأميركي وحذر مجلس الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة، فإن الأسواق الناشئة تدخل العام من موقع قوة نسبية.

واختتم التقرير بالتأكيد على أن استمرار النظرة الإيجابية للأسواق الناشئة يظل رهناً باستقرار ظروف الدولار وعدم تصاعد مخاطر النمو العالمي بشكل حاد.


لوتنيك: على «إنفيديا» الالتزام بضوابط بيع رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين

شعار «إنفيديا» خلال مؤتمر صحافي بمناسبة افتتاح مصنع ذكاء اصطناعي تابع لشركتي «تيليكوم» و«إنفيديا» (د.ب.أ)
شعار «إنفيديا» خلال مؤتمر صحافي بمناسبة افتتاح مصنع ذكاء اصطناعي تابع لشركتي «تيليكوم» و«إنفيديا» (د.ب.أ)
TT

لوتنيك: على «إنفيديا» الالتزام بضوابط بيع رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين

شعار «إنفيديا» خلال مؤتمر صحافي بمناسبة افتتاح مصنع ذكاء اصطناعي تابع لشركتي «تيليكوم» و«إنفيديا» (د.ب.أ)
شعار «إنفيديا» خلال مؤتمر صحافي بمناسبة افتتاح مصنع ذكاء اصطناعي تابع لشركتي «تيليكوم» و«إنفيديا» (د.ب.أ)

قال وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، خلال جلسة استماع عُقدت يوم الثلاثاء، إن شركة «إنفيديا»، عملاقة رقائق الذكاء الاصطناعي، مُلزمة بالالتزام بشروط ترخيص بيع ثاني أكثر رقائقها تطوراً في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الصين.

وأضاف: «شروط الترخيص مُفصّلة للغاية، وقد وُضعت بالتعاون مع وزارة الخارجية، ويجب على (إنفيديا) الالتزام بها».

وعند سؤاله عما إذا كان يثق في التزام الصينيين بالقيود المفروضة على استخدام الرقائق، المعروفة باسم «إتش 200»، أحال لوتنيك الأمر إلى الرئيس دونالد ترمب.


«وول ستريت» تتأرجح بين المكاسب والخسائر مع نتائج أرباح متباينة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتأرجح بين المكاسب والخسائر مع نتائج أرباح متباينة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

شهدت الأسهم الأميركية تذبذباً في «وول ستريت»، يوم الثلاثاء، في أعقاب صدور تقارير أرباح متباينة من كبرى الشركات، حيث ارتفع سهم «هاسبرو»، بينما انخفض سهم «كوكاكولا».

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة، في بداية التداولات مقترباً من أعلى مستوى له على الإطلاق، الذي سجله قبل أسبوعين، في حين صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي 189 نقطة أو 0.4 مسجلاً رقماً قياسياً جديداً حتى الساعة 9:35 صباحاً، بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما ظل مؤشر «ناسداك» المركب دون تغيير يُذكر، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وفي سوق السندات، سجلت عوائد سندات الخزانة الأميركية تراجعاً طفيفاً بعد أن أظهر تقرير أن أرباح تجار التجزئة الأميركيين، في نهاية العام الماضي، جاءت أقل من توقعات الاقتصاديين، في حين بقي إنفاق المستهلكين في ديسمبر (كانون الأول) قريباً من مستوى نوفمبر (تشرين الثاني) دون تحقيق النمو المتواضع المتوقع.

ويشير هذا إلى احتمال تراجع زخم الإنفاق الأُسري، المحرِّك الرئيس للاقتصاد الأميركي، في وقتٍ يترقب فيه المستثمرون صدور تقريرين مهمين، خلال هذا الأسبوع، هما: تحديث معدل البطالة الشهري يوم الأربعاء، وتقرير التضخم للمستهلكين يوم الجمعة.

وقد تساعد هذه البيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تحديد موقفه من أسعار الفائدة، ولا سيما بعد أن أوقف المجلس مؤخراً تخفيضاته. وقد يستمر في تجميد أسعار الفائدة إذا ظل التضخم مرتفعاً، أو يستأنف التخفيضات بوتيرة أسرع إذا ضعفت سوق العمل.

وتظل السوق الأميركية قريبة من مستويات قياسية، مدعومة بتوقعات خفض أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، ما قد يعزز النشاط الاقتصادي، لكنه قد يزيد الضغوط التضخمية.

وانخفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.15 في المائة، مقارنة بـ4.22 في المائة، في وقت متأخر من يوم الاثنين.

وفي «وول ستريت»، حدّت ردود الفعل المتباينة تجاه أحدث تقارير أرباح الشركات الأميركية الكبرى، زخم السوق.

وتراجع سهم «كوكاكولا» بنسبة 1.3 في المائة، بعد أن سجل نمو إيراداتها، في الربع الأخير، أقل من توقعات المحللين، كما قدمت الشركة نطاقاً متوقعاً للنمو للعام المقبل، لمؤشر أساسي كان متوسطه أقل من تقديرات السوق.

وانخفض سهم «ستاندرد آند بورز غلوبال» بنسبة 8.5 في المائة، بعد أن أعلنت الشركة توقعات أرباح للعام المقبل دون توقعات المحللين. وتواجه الشركة، المعروفة بمؤشراتها للأسهم، مخاوف من أن منافسين يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يستحوذون على عملاء خدمات البيانات الخاصة بها. ويُظهر السهم خسارة قدرها 15 في المائة منذ بداية العام.

في المقابل، قفز سهم «هاسبرو» بنسبة 6.6 في المائة، بعد أن تجاوزت أرباحها وإيراداتها في الربع الأخير توقعات المحللين. كما ارتفع سهم «دوبونت» بنسبة 1 في المائة، بعد أن أعلنت عملاقة الكيماويات نتائج أفضل من توقعات المحللين للربع الأخير، مع تقديم توقعات أرباح لعام 2026 فاقت تقديرات السوق.

وبعيداً عن تقارير الأرباح، سجل سهم «وارنر بروس ديسكفري» ارتفاعاً بنسبة 1.3 في المائة بعد إعلان «باراماونت» زيادة عرضها لشراء شركة الترفيه. وأوضحت «باراماونت» أنها ستضيف 25 سنتاً لكل سهم عن كل ربع سنة لم يجرِ فيها إتمام الصفقة بعد نهاية العام؛ في إشارة إلى ثقتها بالحصول على موافقة الجهات التنظيمية. كما أعلنت دفع 2.8 مليار دولار لمساعدة «وارنر بروس ديسكفري» على الانسحاب من صفقة الاستحواذ مع «نتفليكس».

كما ارتفع سهم «باراماونت سكاي دانس» بنسبة 0.9 في المائة، بينما سجل سهم «نتفليكس» مكاسب بلغت 2.2 في المائة.

وعلى صعيد الأسواق العالمية، ارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني، لليوم الثاني على التوالي، مدعوماً بتوقعات بأن البرلمان المنتخَب حديثاً سيدعم رئيس الوزراء في تمرير تخفيضات ضريبية وإجراءات تهدف إلى تحفيز الاقتصاد والأسواق، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2.3 في المائة، ووصوله إلى مستوى قياسي جديد.

أما مكاسب الأسواق الآسيوية الأخرى فكانت أقل حدة، بينما شهدت المؤشرات الأوروبية أداء متبايناً.