باكستان وأفغانستان وحرب المعابر التجارية

مع إبطال مفعول اتفاقية التجارة البينية لعام 1950

شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)
شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)
TT

باكستان وأفغانستان وحرب المعابر التجارية

شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)
شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)

طفت في الفترة الماضية كثير من الخلافات إلى السطح بين باكستان وأفغانستان بسبب مشكلات الطريق التجاري بين الدولتين. إذ استخدمت باكستان نفوذها وسيطرتها على المعابر التجارية الأفغانية عندما أغلقت «بوابة الصداقة» بمنطقة شامان بوست لأكثر من أسبوعين، مما أصاب صادرات كابل بالشلل التام. ونتيجة لذلك، زادت حدة التوتر في معبر ترخام بداية شهر يوليو (تموز) الماضي عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين عبر المنفذ.
الرئيس الأفغاني أشرف غني هدد الشهر الماضي بإغلاق طريق التجارة الذي يربط باكستان بدول وسط آسيا حال رفضت باكستان السماح للتجار الأفغان باستخدام معبر «وجاه» التجاري مع الهند. وقال غني إن باكستان بمقدورها إرسال السلع عبر الحدود مباشرة إلى أوزبكستان وطاجاكستان وتركمانستان من خلال أفغانستان، فلماذا لا نستطيع نحن ذلك؟ «فمن حقنا المعاملة بالمثل، لكننا لا ننظر لهذا الأمر باعتباره يصب في مصلحة شعبنا وبلدنا، ولن يكون مفيدا للتجارة الباكستانية».
وأضاف الرئيس الأفغاني قائلا: «إن زرت معبر تورخم على الحدود الباكستانية الأفغانية فسوف ترى أن نحو 70 إلى 80 في المائة من الشاحنات التي تدخل وتخرج من أفغانستان هي ملكية مسجلة لباكستانيين، وإن تفحصت الشاحنات بمنطقة باليتشركي بكابل فسوف ترى شاحنات باكستانية تتحرك في كلا الاتجاهين». والآن يتحتم على الشاحنات الأفغانية إفراغ حمولتها من البضائع في معبر «وجاه» بلاهور كي تنقل على عربات اليد إلى معبر «أتاري» على الحدود الهندية، ثم يعاد تحميلها على شاحنات هندية كي تستكمل رحلتها، ثم تعود الشاحنات الهندية فارغة. وطالبت كابل إسلام آباد مرارًا بالسماح بدخول شاحناتها إلى الهند لنقل بضائعها المتجهة إلى أفغانستان عن طريقها.
كما تقدمت الهند بطلبات مماثلة إلى باكستان لكن إسلام آباد رفضت بشكل قاطع لأسباب أمنية، مما أجبر الهند على استخدام طريق طويل ومكلف من خلال دبي لنقل بضائعها إلى أفغانستان.
وكثيرًا ما اعترضت أفغانستان على ذلك لما تسببه من ارتفاع في أسعار السلع.
كذلك يدرك رجال الأعمال والقادة الهنود أن المرور عبر باكستان يوفر كثيرًا من الوقت والمال، وهو ما اعترف به أيضًا رئيس الوزراء الهندي مودي نفسه خلال زيارته إلى أفغانستان في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وفي الكلمة التي ألقاها أمام البرلمان في كابل، عبر مودي عن أمله في أن تصبح باكستان جسرا يربط بين جنوب آسيا وما وراءها. وكانت القوات الأفغانية قد قتلت ضابطا باكستانيا برتبة رائد وأصابت آخرين على الحدود، مما زاد من حدة التوتر بين البلدين.
ومن الجدير بالذكر أن بناء البوابة الحدودية استكمل في أغسطس (آب) الماضي، ونتيجة لذلك تراجعت الصادرات الأفغانية التي تمر من خلال كراتشي بواقع 40 في المائة. وقد اشتملت اتفاقية التجارة العابرة بين أفغانستان وباكستان على قيود صارمة في هذا الخصوص.
وجرى التفاوض بين الدولتين بشأن اتفاقية التجارة البينية بين إسلام آباد وكابل عدة مرات، فقد وقعت الاتفاقية عام 1950، مما أعطى أفغانستان الحق في استيراد بضائع معفاة من الجمارك من خلال كراتشي. ونتيجة لرفض باكستان، أوقفت الحكومة الأفغانية اعتماد اتفاقيات التجارة البينية مع إسلام آباد، مثل اتفاقيات تخفيض التعريفة الجمركية، ومنعت أي مزايا تجارية للشركاء التجاريين في باكستان. ونتيجة لرفض باكستان المتواصل السماح بمرور التجارة العابرة من أفغانستان إلى أسواق الهند، هدد الرئيس أشرف غني بمنع عبور البضائع الباكستانية إلى وسط آسيا.
وكان الرئيس الأفغاني أشرف غني قد استخدم بعض العبارات القاسية في حديثه عن باكستان خلال كلمة ألقاها أثناء زيارة قام بها لمعهد دلهي لدراسات وتحليل الدفاع سبتمبر (أيلول) الماضي.
وقال الرئيس غني، إن «أفغانستان دولة حبيسة (بلا شواطئ) لكنها تفكر بشكل منفتح، في حين أن باكستان دولة مطلة على البحر لكنها تفكر كدولة حبيسة. الدول لا يجب أن تفكر بهذا الشكل المعيب تجاه بعضها». وأضاف أن «أفغانستان تقف على مفترق طرق ولم تعد دولة حبيسة. هؤلاء الذين يعملون على قطع الطريق أمامنا سوف نعاملهم بالمثل وسنقطع الطريق أمامهم. لماذا علينا أن نقلق من أن دولة مثل باكستان بمقدورها منع التجارة عن دولتين كبيرتين مثل الهند وأفغانستان؟ على أي حال، سوف ينتهي احتكار باكستان عندما يبدأ ميناء تشابهار في العمل».
وفي عام 2014، اتفقت باكستان وأفغانستان على الارتقاء بالتجارة البينية لتتخطى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2017 مقارنة بنحو 1.6 مليار دولار حاليًا، لكن هذا الوعد لم يتحقق بسبب عدم الثقة المتبادلة، وأيضًا بسبب استبعاد الهند من «اتفاقية التجارة العابرة».
وفي السياق ذاته، وفي كلمته أمام لجنة التكامل الإقليمي والرخاء بمؤتمر بروكسل عن أفغانستان، انتقد وزير الدولة للشؤون الخارجية الهندي، إم جي أكبر، باكستان بوصفها عقبة في سبيل العلاقات التجارية بين الهند وأفغانستان.
وأضاف أكبر: «يجب ألا تتحول الشعوب إلى أسوار تحجب التبادل التجاري والثقافي الذي تعود جذوره إلى التاريخ القديم. وسوف نستمر في العمل مع أفغانستان لنتمكن من إيصال منتجاتها لأسواق الهند من خلال البر والبحر والجو».
أكد أكبر أيضًا على أن أفغانستان باتت الآن عضوا في منظمة التجارة العالمية، وأصبحت تتمتع بحقوق منها حرية الانتقال، وأنه على غيرها من الدول الالتزام بتسهيل حرية عبور منتجاتها، مشيرا إلى أن «حق أفغانستان في نقل منتجاتها قد انتهك».
وبحسب تقرير صحيفة «هندوستان تايمز»: «استراتيجيًا، فقد وجه الرئيس غني ضربة سياسية قاسمة لأكثر الأماكن إيلامًا لباكستان. فما فعله هو أنه أرسل رسالة في غاية الوضوح قال فيها إنه إن لم تبدِ باكستان مرونة إزاء التجارة الأفغانية مع الهند، فإن جهود باكستان لتعزيز وجودها في وسط آسيا سوف تذهب سُدى إلى الأبد. أشار الرئيس غني أيضا، وفق الصحيفة، إلى أن لأفغانستان طرقًا بديلة يمكن الاعتماد عليها مثل ميناء شابهار.
على سبيل المثال، فإن انفتاح إيران على العالم العام قد مهد الطريق أمام أفغانستان لزيادة تجارتها العالمية. وبدلاً من استخدام باكستان معبرًا، بمقدور أفغانستان الآن تحويل قوافلها التجارية شمالا تجاه ميناء تشابهار. وبالإضافة إلى الميزات السياسية، فإن خيار ميناء تشابهار سوف يمكن أفغانستان من الوصول إلى طرق أوسع لتصدير منتجاتها.
وبالنظر لتلك الظروف، يبقى أن ننتظر لنرى خيارات باكستان في حال نفذ الرئيس أشرف غني تهديداته. فمن المهم هنا الإشارة إلى أن الاستمرار في العناد في قضية التجارة العابرة سوف يكون له تبعات خطيرة وستضر بمصالح باكستان في وسط آسيا، وستتسبب في تعطيل كثير من مشروعات الطاقة التي شرعت باكستان في تنفيذها منذ عدة سنوات.
ففي مقال للكاتب الباكستاني المعروف زفار بهاتا نشر أخيرا في صحيفة «ذا إكسبريس تريبيون» في عددها الصادر في 11 سبتمبر الماضي، اعترف الكاتب بأن أول ضحايا هذا المأزق سيكون مشروع خط أنابيب تركمانستان - أفغانستان - باكستان الذي سيتأثر بدرجة كبيرة.
ومع ما أبدته تركمانستان من انفتاح تدريجي للأفكار الجديدة أخيرا، بات بمقدور الهند وأفغانستان العمل معًا على إقناع تركمانستان بالتفكير في مقترح رئيس الوزراء ناريندرا مودي بإنشاء ميناء بحري لنقل الغاز من تركمانستان.
وعلى الرغم من كل الأضرار التي قد تلحق بالمصالح الباكستانية، فقد سارع كثير من المحللين الباكستانيين إلى الدفاع عن إسلام آباد، أو بالأحرى موقف راولبندي المتشدد بخصوص قضية التجارة العابرة.
وفي المقال نفسه بالصحيفة، يرى زافار أن تهديد أفغانستان لن يؤثر على باكستان بأي حال نظرا لوجود ممرات اقتصادية بديلة متاحة أمامها مثل ممر الصين - باكستان الاقتصادي، مضيفا أن الجميع يعلم أن الفاكهة الطازجة المفترض نقلها للأسواق سريعًا تمثل غالبية الصادرات الأفغانية. فنقل مثل هذه السلع سريعة التلف من خلال ميناء شابهار يعنى رحلة بحرية مكلفة ووقت طويل، مما يعرض صادرات الفاكهة للتلف.
وعلى صعيد متصل، دعا غني خلال رحلته للهند في سبتمبر الماضي رجال الأعمال الهنود إلى استخدام النقل الجوي في التجارة لمساعدة بلاده على التغلب على الحصار الذي فرضه عليها جيرانها ممن لا يتمنون الخير لها.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».