باكستان وأفغانستان وحرب المعابر التجارية

مع إبطال مفعول اتفاقية التجارة البينية لعام 1950

شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)
شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)
TT

باكستان وأفغانستان وحرب المعابر التجارية

شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)
شاحنة على معبر تورخام.. زادت حدة التوتر في المعبر عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين (أ.ف.ب)

طفت في الفترة الماضية كثير من الخلافات إلى السطح بين باكستان وأفغانستان بسبب مشكلات الطريق التجاري بين الدولتين. إذ استخدمت باكستان نفوذها وسيطرتها على المعابر التجارية الأفغانية عندما أغلقت «بوابة الصداقة» بمنطقة شامان بوست لأكثر من أسبوعين، مما أصاب صادرات كابل بالشلل التام. ونتيجة لذلك، زادت حدة التوتر في معبر ترخام بداية شهر يوليو (تموز) الماضي عندما قررت باكستان بناء بوابة لرصد حركة البضائع والمسافرين عبر المنفذ.
الرئيس الأفغاني أشرف غني هدد الشهر الماضي بإغلاق طريق التجارة الذي يربط باكستان بدول وسط آسيا حال رفضت باكستان السماح للتجار الأفغان باستخدام معبر «وجاه» التجاري مع الهند. وقال غني إن باكستان بمقدورها إرسال السلع عبر الحدود مباشرة إلى أوزبكستان وطاجاكستان وتركمانستان من خلال أفغانستان، فلماذا لا نستطيع نحن ذلك؟ «فمن حقنا المعاملة بالمثل، لكننا لا ننظر لهذا الأمر باعتباره يصب في مصلحة شعبنا وبلدنا، ولن يكون مفيدا للتجارة الباكستانية».
وأضاف الرئيس الأفغاني قائلا: «إن زرت معبر تورخم على الحدود الباكستانية الأفغانية فسوف ترى أن نحو 70 إلى 80 في المائة من الشاحنات التي تدخل وتخرج من أفغانستان هي ملكية مسجلة لباكستانيين، وإن تفحصت الشاحنات بمنطقة باليتشركي بكابل فسوف ترى شاحنات باكستانية تتحرك في كلا الاتجاهين». والآن يتحتم على الشاحنات الأفغانية إفراغ حمولتها من البضائع في معبر «وجاه» بلاهور كي تنقل على عربات اليد إلى معبر «أتاري» على الحدود الهندية، ثم يعاد تحميلها على شاحنات هندية كي تستكمل رحلتها، ثم تعود الشاحنات الهندية فارغة. وطالبت كابل إسلام آباد مرارًا بالسماح بدخول شاحناتها إلى الهند لنقل بضائعها المتجهة إلى أفغانستان عن طريقها.
كما تقدمت الهند بطلبات مماثلة إلى باكستان لكن إسلام آباد رفضت بشكل قاطع لأسباب أمنية، مما أجبر الهند على استخدام طريق طويل ومكلف من خلال دبي لنقل بضائعها إلى أفغانستان.
وكثيرًا ما اعترضت أفغانستان على ذلك لما تسببه من ارتفاع في أسعار السلع.
كذلك يدرك رجال الأعمال والقادة الهنود أن المرور عبر باكستان يوفر كثيرًا من الوقت والمال، وهو ما اعترف به أيضًا رئيس الوزراء الهندي مودي نفسه خلال زيارته إلى أفغانستان في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وفي الكلمة التي ألقاها أمام البرلمان في كابل، عبر مودي عن أمله في أن تصبح باكستان جسرا يربط بين جنوب آسيا وما وراءها. وكانت القوات الأفغانية قد قتلت ضابطا باكستانيا برتبة رائد وأصابت آخرين على الحدود، مما زاد من حدة التوتر بين البلدين.
ومن الجدير بالذكر أن بناء البوابة الحدودية استكمل في أغسطس (آب) الماضي، ونتيجة لذلك تراجعت الصادرات الأفغانية التي تمر من خلال كراتشي بواقع 40 في المائة. وقد اشتملت اتفاقية التجارة العابرة بين أفغانستان وباكستان على قيود صارمة في هذا الخصوص.
وجرى التفاوض بين الدولتين بشأن اتفاقية التجارة البينية بين إسلام آباد وكابل عدة مرات، فقد وقعت الاتفاقية عام 1950، مما أعطى أفغانستان الحق في استيراد بضائع معفاة من الجمارك من خلال كراتشي. ونتيجة لرفض باكستان، أوقفت الحكومة الأفغانية اعتماد اتفاقيات التجارة البينية مع إسلام آباد، مثل اتفاقيات تخفيض التعريفة الجمركية، ومنعت أي مزايا تجارية للشركاء التجاريين في باكستان. ونتيجة لرفض باكستان المتواصل السماح بمرور التجارة العابرة من أفغانستان إلى أسواق الهند، هدد الرئيس أشرف غني بمنع عبور البضائع الباكستانية إلى وسط آسيا.
وكان الرئيس الأفغاني أشرف غني قد استخدم بعض العبارات القاسية في حديثه عن باكستان خلال كلمة ألقاها أثناء زيارة قام بها لمعهد دلهي لدراسات وتحليل الدفاع سبتمبر (أيلول) الماضي.
وقال الرئيس غني، إن «أفغانستان دولة حبيسة (بلا شواطئ) لكنها تفكر بشكل منفتح، في حين أن باكستان دولة مطلة على البحر لكنها تفكر كدولة حبيسة. الدول لا يجب أن تفكر بهذا الشكل المعيب تجاه بعضها». وأضاف أن «أفغانستان تقف على مفترق طرق ولم تعد دولة حبيسة. هؤلاء الذين يعملون على قطع الطريق أمامنا سوف نعاملهم بالمثل وسنقطع الطريق أمامهم. لماذا علينا أن نقلق من أن دولة مثل باكستان بمقدورها منع التجارة عن دولتين كبيرتين مثل الهند وأفغانستان؟ على أي حال، سوف ينتهي احتكار باكستان عندما يبدأ ميناء تشابهار في العمل».
وفي عام 2014، اتفقت باكستان وأفغانستان على الارتقاء بالتجارة البينية لتتخطى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2017 مقارنة بنحو 1.6 مليار دولار حاليًا، لكن هذا الوعد لم يتحقق بسبب عدم الثقة المتبادلة، وأيضًا بسبب استبعاد الهند من «اتفاقية التجارة العابرة».
وفي السياق ذاته، وفي كلمته أمام لجنة التكامل الإقليمي والرخاء بمؤتمر بروكسل عن أفغانستان، انتقد وزير الدولة للشؤون الخارجية الهندي، إم جي أكبر، باكستان بوصفها عقبة في سبيل العلاقات التجارية بين الهند وأفغانستان.
وأضاف أكبر: «يجب ألا تتحول الشعوب إلى أسوار تحجب التبادل التجاري والثقافي الذي تعود جذوره إلى التاريخ القديم. وسوف نستمر في العمل مع أفغانستان لنتمكن من إيصال منتجاتها لأسواق الهند من خلال البر والبحر والجو».
أكد أكبر أيضًا على أن أفغانستان باتت الآن عضوا في منظمة التجارة العالمية، وأصبحت تتمتع بحقوق منها حرية الانتقال، وأنه على غيرها من الدول الالتزام بتسهيل حرية عبور منتجاتها، مشيرا إلى أن «حق أفغانستان في نقل منتجاتها قد انتهك».
وبحسب تقرير صحيفة «هندوستان تايمز»: «استراتيجيًا، فقد وجه الرئيس غني ضربة سياسية قاسمة لأكثر الأماكن إيلامًا لباكستان. فما فعله هو أنه أرسل رسالة في غاية الوضوح قال فيها إنه إن لم تبدِ باكستان مرونة إزاء التجارة الأفغانية مع الهند، فإن جهود باكستان لتعزيز وجودها في وسط آسيا سوف تذهب سُدى إلى الأبد. أشار الرئيس غني أيضا، وفق الصحيفة، إلى أن لأفغانستان طرقًا بديلة يمكن الاعتماد عليها مثل ميناء شابهار.
على سبيل المثال، فإن انفتاح إيران على العالم العام قد مهد الطريق أمام أفغانستان لزيادة تجارتها العالمية. وبدلاً من استخدام باكستان معبرًا، بمقدور أفغانستان الآن تحويل قوافلها التجارية شمالا تجاه ميناء تشابهار. وبالإضافة إلى الميزات السياسية، فإن خيار ميناء تشابهار سوف يمكن أفغانستان من الوصول إلى طرق أوسع لتصدير منتجاتها.
وبالنظر لتلك الظروف، يبقى أن ننتظر لنرى خيارات باكستان في حال نفذ الرئيس أشرف غني تهديداته. فمن المهم هنا الإشارة إلى أن الاستمرار في العناد في قضية التجارة العابرة سوف يكون له تبعات خطيرة وستضر بمصالح باكستان في وسط آسيا، وستتسبب في تعطيل كثير من مشروعات الطاقة التي شرعت باكستان في تنفيذها منذ عدة سنوات.
ففي مقال للكاتب الباكستاني المعروف زفار بهاتا نشر أخيرا في صحيفة «ذا إكسبريس تريبيون» في عددها الصادر في 11 سبتمبر الماضي، اعترف الكاتب بأن أول ضحايا هذا المأزق سيكون مشروع خط أنابيب تركمانستان - أفغانستان - باكستان الذي سيتأثر بدرجة كبيرة.
ومع ما أبدته تركمانستان من انفتاح تدريجي للأفكار الجديدة أخيرا، بات بمقدور الهند وأفغانستان العمل معًا على إقناع تركمانستان بالتفكير في مقترح رئيس الوزراء ناريندرا مودي بإنشاء ميناء بحري لنقل الغاز من تركمانستان.
وعلى الرغم من كل الأضرار التي قد تلحق بالمصالح الباكستانية، فقد سارع كثير من المحللين الباكستانيين إلى الدفاع عن إسلام آباد، أو بالأحرى موقف راولبندي المتشدد بخصوص قضية التجارة العابرة.
وفي المقال نفسه بالصحيفة، يرى زافار أن تهديد أفغانستان لن يؤثر على باكستان بأي حال نظرا لوجود ممرات اقتصادية بديلة متاحة أمامها مثل ممر الصين - باكستان الاقتصادي، مضيفا أن الجميع يعلم أن الفاكهة الطازجة المفترض نقلها للأسواق سريعًا تمثل غالبية الصادرات الأفغانية. فنقل مثل هذه السلع سريعة التلف من خلال ميناء شابهار يعنى رحلة بحرية مكلفة ووقت طويل، مما يعرض صادرات الفاكهة للتلف.
وعلى صعيد متصل، دعا غني خلال رحلته للهند في سبتمبر الماضي رجال الأعمال الهنود إلى استخدام النقل الجوي في التجارة لمساعدة بلاده على التغلب على الحصار الذي فرضه عليها جيرانها ممن لا يتمنون الخير لها.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.