قوات مصالحها مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان تخوض معركة الموصل

تضم الجيش والشرطة و{الحشد} المدعوم من إيران والبيشمركة وتركيا والتحالف الدولي بقيادة أميركا

عناصر من القوات العراقية يلوحون بشارة النصر أثناء بدء معركة تحرير الموصل في جنوب المدينة أمس (أ.ف.ب)
عناصر من القوات العراقية يلوحون بشارة النصر أثناء بدء معركة تحرير الموصل في جنوب المدينة أمس (أ.ف.ب)
TT

قوات مصالحها مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان تخوض معركة الموصل

عناصر من القوات العراقية يلوحون بشارة النصر أثناء بدء معركة تحرير الموصل في جنوب المدينة أمس (أ.ف.ب)
عناصر من القوات العراقية يلوحون بشارة النصر أثناء بدء معركة تحرير الموصل في جنوب المدينة أمس (أ.ف.ب)

الهجوم على الموصل المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في العراق، عملية معقدة جدا تشارك فيها بدرجات متفاوتة قوات الجيش العراقي وقوات أجنبية وفصائل محلية مصالحها مختلفة إن لم تكن متناقضة في بعض الأحيان. ومع بدء المعركة، يصعب توقع المدة التي سيحتاج إليها الجيش والشرطة العراقيان لدخول المدينة وطرد المتشددين منها الذين سيندسون بين السكان على الأرجح. وأكد التحالف الدولي أن العملية قد تستغرق أسابيع «وربما أكثر».
وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، أعلن عن قرب بدء العملية مرات عدة، لكن العملية كانت ترجأ في كل مرة، منذ أن دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي في مارس (آذار) 2016 قواته إلى «تحرير» محافظة نينوى وعاصمتها الموصل. وجاء التأجيل بسبب خلافات بين القوى المختلفة على الأرض وبين القوى السياسية في بغداد في الحكومة والبرلمان.
وبدعم جوي خصوصا من قوات التحالف الدولي الواسع الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش»، ومن إيران التي تنشر قوات خاصة على الأرض، ومن مجموعات مسلحة شيعية مؤيدة للحكومة، تقدمت القوات الحكومية على الأرض خطوة خطوة منذ مارس لتقترب من الموصل، انطلاقا من قاعدة مخمور التي تبعد عشرين كيلومترا عن خطوط «داعش». لكن العبادي أعلن الليلة قبل الماضية أن القوات التي ستدخل الموصل ستكون الجيش والشرطة العراقيين فقط.
وبعد أن شغلها لفترة قصيرة استعادة السيطرة من تنظيم داعش في يونيو (حزيران) على الفلوجة، ثاني معاقل «داعش» بالقرب من بغداد، حققت القوات العراقية مجددا اختراقا في يوليو (تموز) عبر سيطرتها على قاعدة القيارة الجوية على بعد نحو 60 كلم عن الموصل. تعد هذه النقطة موقعا استراتيجيا للقوات العراقية التي تستخدمه قاعدة لوجستية حيوية في الهجوم الذي بدأ فجر أمس.
ويشارك عدد هائل من الأطراف في معركة الموصل، من الجيش العراقي إلى جهاز مكافحة الإرهاب القوي والشرطة الاتحادية والمحلية والمجموعات الشيعية المسلحة المدعومة من طهران، والمقاتلين الأكراد (البيشمركة) وتركيا والولايات المتحدة ودول التحالف الدولي.
وتستطيع القوات العراقية الاعتماد على دعم طائرات التحالف الدولي و600 جندي أميركي إضافيين سيتم إرسالهم إلى العراق، ما يرفع إلى 4600 عدد العسكريين الذين تنشرهم واشنطن في العراق.
ويتمركز جنود أتراك أيضا في قاعدة بعشيقة قريبة من الموصل وفي كردستان. ويشكل وجودهم عاملا أساسيا يذكره الخبراء لتفسير التأخر في إطلاق الهجوم. وتطالب بغداد بانسحاب الجنود الأتراك، بينما تصر تركيا على المشاركة في الهجوم بدرجات متفاوتة، بهدف الحد من قوة الأكراد واستعادة بعض التأثير الذي كانت تتمتع به في منطقة الموصل الغنية. وتنظر تركيا إلى هذه الأراضي على أنها منطقة نفوذ لها.
تقدم المقاتلون الأكراد إلى ما وراء حدود منطقة كردستان التي تتمتع بحكم ذاتي، وتشعر أنقرة بالقلق أيضا من أن تتقدم القوات الشيعية الموالية للعبادي وتحت تأثير إيران، باتجاه الموصل ذات الغالبية السنية.
في ساعاتها الأخيرة، ستتحول المعارك بالتأكيد إلى مواجهات عن قرب من شارع إلى شارع في المدينة التي يقدر التحالف الدولي عدد مقاتلي «داعش» فيها بما بين ثلاثة آلاف و4500، وفي حال اتبعت التكتيك نفسه الذي طبقته في تكريت والرمادي اللتين استعادتهما في مارس 2015 وفبراير (شباط) 2016، يفترض أن تطوق القوات العراقية المدينة قبل الهجوم النهائي. وقد تكون قوات مكافحة الإرهاب في الصف الأول من جديد.
وقبل أن تصل إلى مواقع المتشددين الأساسيين، يفترض أن تسيطر القوات العراقية على عشرات الكيلومترات من الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش». وستكون على هذه القوات مواجهة المتشددين الذين استعدوا على مدى سنتين للدفاع عن آخر معقل كبير لهم. وقد يلجأ هؤلاء إلى القناصة والسيارات المفخخة ويزرعون ألغاما في الأرض لإبطاء تقدم القوات العراقية. ومقابل ضربات التحالف الدولي، قد يستخدم التنظيم المتطرف السكان دروعا بشرية.
وتشارك قوات عراقية يدعمها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في عملية استعادة الموصل ثاني أكبر مدن العراق، من تنظيم داعش الذي يسيطر على المدينة منذ يونيو 2014.
وتمثل قوات جهاز مكافحة الإرهاب قوات النخبة الأكثر قدرة في العراق حاليا، ولعبت دورا رئيسيا في حسم أغلب المعارك ضد «داعش». لكن الاعتماد المتواصل على هذه القوات خلال العامين الماضيين يتطلب منها مجهودا كبيرا. واستعادت قوات الجيش العراقية قدراتها من خلال التدريب الذي تلقته خصوصا من دول التحالف الدولي بقيادة أميركية، ووجد مستشاري هذه الدول على الأرض، مما مكنها من لعب دور أكبر وتحقيق انتصارات ضد «داعش». وهناك قوات الشرطة ووحداتها الخاصة والشرطة الاتحادية والمحلية، ولعبت جميعها دورا مساندا لقوات الجيش خلال المعارك السابقة.
البيشمركة، وهي قوات مسلحة تابعة لإقليم كردستان، يفترض أنها ستنسق وتتبع قوات الحكومة المركزية، لكنها تنفذ عملياتها بشكل مستقل، وتخوض معارك ضد المتطرفين على امتداد خط مواجهات يمتد لمسافات طويلة في شمال العراق.
وهناك أيضا ميليشيات الحشد الشعبي التي شكلت عام 2014 وأصبحت الآن قوة كبيرة تعمل رسميا بإشراف حكومي. وتتألف غالبيتها العظمى من فصائل شيعية يتلقى البعض منها دعما من إيران وتعرضت إلى اتهامات بالتعرض إلى المدنيين وممتلكاتهم. وتقدم القوات الإيرانية المشورة والمساعدة والتمويل لبعض الفصائل الشيعية وقد التقطت صور لقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في عدد من المعارك في العراق.
دوليا، تقود الولايات تحالفا ينفذ ضربات جوية ضد «داعش» في العراق وسوريا. كما يتولى تدريب وتسليح وتأمين معدات للقوات التي تقاتل المتطرفين. ويوجد آلاف العسكريين في العراق أكثر من نصفهم من الأميركيين، يقدم أغلب هؤلاء التدريب والمشورة بشكل رئيسي. ويقدم التحالف الدولي بصورة رئيسية الدعم الجوي للعراق، تنفذ الولايات المتحدة 80 في المائة من الضربات. كما شاركت قوات خاصة في القتال ونفذت قوات التحالف الموجدة قرب الموصل ضربات مدفعية. وأعلنت واشنطن أخيرا أنها سترسل 615 عسكريا إضافيين إلى العراق، ما يرفع عدد قواتها إلى أكثر من خمسة آلاف عسكري في بلد قاتلت فيه قرابة تسع سنوات قبل انسحابها منه نهاية عام 2011، وأبرز القوات الأخرى المشاركة في التحالف مع عدد محدود من العسكريين على الأرض، تأتي من بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وإيطاليا.
وتنفذ الطائرات الأميركية عملياتها بصورة رئيسية انطلاقا من قواعد خارج العراق، أبرزها انجرليك في تركيا. كما تشارك طائرات أخرى من حاملة طائرات تمثل قاعدة ثابتة، في توجيه ضربات ضد «داعش». وتنتشر قوات تركية في قاعدة قرب الموصل انطلقت منها لتوجيه ضربات مدفعية ضد «داعش». كما تتمركز قوات برية تركية في إقليم كردستان رغم رفض الحكومة العراقية ذلك ومطالبتها بمغادرتها، من دون أن يتسم الموقف بالحزم اللازم لإجبار الأتراك على الانسحاب.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.