انعقاد قمة «بريكس» وسط تنافسات وأبعاد إقليمية متغيرة

تطمح المجموعة إلى أن تتفوق على السبع العظام بحلول عام 2027

تعقد القمة وسط إجرءات أمن مشددة في ولاية غوا الهندية (أ.ب)
تعقد القمة وسط إجرءات أمن مشددة في ولاية غوا الهندية (أ.ب)
TT

انعقاد قمة «بريكس» وسط تنافسات وأبعاد إقليمية متغيرة

تعقد القمة وسط إجرءات أمن مشددة في ولاية غوا الهندية (أ.ب)
تعقد القمة وسط إجرءات أمن مشددة في ولاية غوا الهندية (أ.ب)

تحولت ولاية غوا السياحية الهندية إلى قلعة آمنة في فرصة تعد نادرة لاستضافة كوكبة من زعماء العالم، ومن بينهم الرئيس البرازيلي ميشيل تامر، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما، على مدى يومين متتاليين لحضور الدورة الثامنة لقمة دول البريكس.
ولقد دعت الهند، على وجه الخصوص، قادة الدول الأعضاء في «مبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي متعدد القطاعات (بنغلاديش، وبوتان، ونيبال، وسريلانكا، وميانمار، وتايلاند)، الذين سوف يشاركون في فعاليات القمة، التي بدأت اليوم، لهذا التكتل الاقتصادي الموازي للسبع العظام. لكن رئيس وزراء تايلاند ألغى زيارته بسبب وفاة ملك البلاد. بالإضافة إلى ذلك، دعت الهند كلا من المالديف وأفغانستان، الذين ليسوا أعضاء في مبادرة خليج البنغال، تحت صفة الضيف الخاص في القمة.
تأسست مجموعة دول «البريك»، كما كان يُطلق عليها في أول الأمر، في عام 2009، وكانت تتألف من دول البرازيل، وروسيا، والهند، والصين. ومع دخول جنوب أفريقيا إلى المجموعة في دورتها الثانية، صار الاسم المعروف حاليا «بريكس». والدول الأعضاء في المجموعة هي دول نامية رائدة أو من الدول الصناعية الحديثة، ولكنها جميعها تتميز بالاقتصاد الكبير وسريع النمو في بعض الأحيان، إلى جانب التأثير الكبير على الشؤون الإقليمية في محيطها الجيو - سياسي. ودول البريكس كلها من الدول الأعضاء في مجموعة العشرين الدولية. ومنذ عام 2009، كانت دول مجموعة البريكس تتقابل بصفة سنوية في اجتماعات قمة رسمية. وسوف تكون القمة المنعقدة في ولاية غوا الهندية هي القمة الثانية التي تنظمها الهند بعد استضافتها القمة السابقة في عام 2012 في العاصمة نيودلهي.
ومجموعة دول البريكس تعتبر قوة اقتصادية وسياسية هائلة يحسب لها حساب، وهي تمثل 53.4 في المائة من تعداد سكان العالم وربع قوته الاقتصادية، بقيمة إجمالية تبلغ 16.92 تريليون دولار، وهي القيمة المساوية لنسبة 23.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وخلال العام الماضي، شكلت مجموعة دول البريكس نسبة 19.1 في المائة من الصادرات العالمية، وفي الفترة بين عام 2006 و2015، زادت نسبة التجارة البينية بين مجموعة دول البريكس بنسبة 16.3 في المائة من 93 مليار دولار إلى 244 مليار دولار.
والهدف الأساسي لدول المجموعة هو دمج النفوذ السياسي والاقتصادي الذي تتمتع به الدول الأعضاء في المجموعة، بغية تشكيل قوة عالمية هائلة تملك القدرة على مواجهة هيمنة الغرب. ويبدو أن المجموعة تتحرك بخطى ثابتة، بالنظر إلى أنها حازت على كثير من الاهتمام العالمي بأكثر مما تتمتع به مجموعة الدول الصناعية السبع العظام، وهي المجموعة المقابلة لمجموعة البريكس في الغرب.
وأكبر إنجازات مجموعة دول البريكس هو بنك التنمية الجديد، وهو الموازي لصندوق النقد الدولي ومقره في واشنطن والبنك الدولي، والمنافس الجيد لمنتدى الدول السبع الكبرى من حيث الأداء. ولقد وافق البنك الجديد على قروض بقيمة 900 مليون دولار خلال العام الحالي، وهي مخصصة بالأساس لتمويل مشروعات الطاقة، ولكنها في حاجة إلى ضخ قوي من رؤوس الأموال لما بين 3 إلى 4 مليارات دولار لتنفيذ الخطة الطموحة لتمويل مشاريع البنية التحتية داخل وخارج مجموعة دول البريكس. ومع ذلك، يطغى على جدول أعمال القمة الحقيقة الواقعة والعسيرة وهي تباطؤ النمو في جميع أنحاء العالم. فلقد تراجع التوسع الصيني إلى أدنى وتيرة يسجلها في 25 عاما، على الرغم من أنه لا يزال مقتربا من الوتيرة السنوية القوية بنسبة 7 في المائة على أساس سنوي. ولقد تضررت روسيا كثيرا بسبب انخفاض أسعار النفط. وتحاول البرازيل الخروج من أسوأ ركود تواجهه منذ ثلاثينات القرن الماضي. والاضطرابات الاقتصادية في جنوب أفريقيا قد تؤدي إلى تخفيض تصنيفها الائتماني إلى الحد الأدنى بحلول نهاية العام الحالي. أما الهند، مع الاقتصاد الذي ينمو بواقع 7.5 في المائة سنويا، فلا تزال عاجزة عن خلق مليون فرصة عمل، التي تحتاج إليها في كل شهر مع دخول أعداد هائلة من الشباب إلى سوق العمل. تختلف التوقعات حيال القوة المستقبلية لاقتصادات مجموعة دول البريكس بصورة كبيرة. وتشير بعض المصادر المطلعة إلى أن المجوعة قد تتفوق على اقتصادات مجموعة الدول السبع الكبرى بحلول عام 2027.
وضمن جدول أعمال قمة البريكس هناك بطاقات تأسيس وكالة البريكس للتصنيفات الائتمانية. ويشعر أعضاء المجموعة بأن مجتمع أعمال البريكس ينبغي أن تكون له مؤسسة نابعة من الداخل ومعنية بالتصنيفات الائتمانية وتتوافق من حيث الجودة والائتمان مع أفضل المؤسسات العالمية في المضمار نفسه، في الوقت الذي تحاول فيه مواءمة المنهجية المعتمدة في التصنيف الائتماني الخاص بالأسواق الناشئة وأعمالها التجارية، وبالتالي توفير تحليلات التصنيف الائتماني الكامل والأكثر شمولية للشركات والمؤسسات التجارية. ومن بين الأهداف المتواضعة هناك إجراءات تسهيل إصدار تأشيرات السفر لرواد الأعمال، وزيادة حجم الاستثمارات من الصين، خصوصا من أجل تمويل مشروعات البنية التحتية.
وسوف يشهد نهاية هذا الأسبوع إجراء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وفريق السياسة الخارجية التابع له، مناورة معقدة وكبيرة. حيث تشكل قمة البريكس كثيرا من التحديات، وتأتي في الوقت الذي تشهد العلاقات الهندية مع باكستان حالة جديدة من الاضطرابات والتوتر، وتحاول رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي تنفس الصعداء، في حين تستمر الصين في إثبات مزيد من العناد والأذى، وعرقلة الجهود الهندية على مختلف الجبهات، والعلاقة الراهنة مع روسيا في حاجة ماسة إلى الإنعاش.
وسوف يعقد السيد مودي سلسلة من الاجتماعات المهمة للغاية خلال اللقاءات الهندية - الروسية، والاجتماعات الفرعية على هامش قمة البريكس مع قادة «مبادرة خليج البنغال للتعاون الفني والاقتصادي متعدد القطاعات».
ومن أولى النقاط على جدول أعمال الحكومة الهندية، تأتي المحادثات الثنائية بالغة الأهمية بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويرغب مودي في طمأنة بوتين حول كيف تثمن الهند بشكل كبير العلاقات الاستراتيجية والدبلوماسية مع روسيا على الرغم من التقارب الهندي المتزايد مع الولايات المتحدة الأميركية.
وتحتفل كل من الهند وروسيا بمرور 70 عاما على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ومن شأن كلا الجانبين أن يحتفل بهذه المناسبة من خلال التوقيع على كثير من الاتفاقيات المشتركة التي تتضمن الصفقات الدفاعية الكبيرة.
وتأتي قمة دول مجموعة البريكس وسط بعض الشكوك حول مستقبل المجموعة، خصوصا بالنظر إلى الجهود الهندية للتواصل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ تولي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي السلطة في البلاد في عام 2014.
إن الأنظمة السلطوية في روسيا والصين تختلف تماما عن الديمقراطيات الحيوية في الهند، وجنوب أفريقيا، والبرازيل. والتحالفات المتناقضة مع الدول من خارج مجموعة البريكس تعني أنه من غير المرجح للمجموعة أن تصل إلى توافق في الآراء حول قضايا مهمة مثل الحرب الأهلية في سوريا، أو التوترات الجارية في بحر الصين الجنوبي.
وبالنسبة لمودي، يوفر تجمع قادة دول مجموعة البريكس الفرصة الذهبية لتسليط الضوء على التهديدات التي يراها ماثلة على الأمن الهندي من الاشتباكات الحدودية الأخيرة مع باكستان. ولكن على الطرف الآخر من مائدة القمة في ذلك الفندق الفاخر في ولاية غوا الهندية، كان الرئيس الصيني شي جين بينغ لا تبدو عليه أمارات الاهتمام الكبير في إدخال التحالف الصيني الباكستاني إلى دائرة الشكوك. ترتبط التجارة بشكل لا رجعة فيه بالعلاقات الثنائية الهندية الصينية الباهتة، حيث تشعر الهند بإزعاج مستمر من التدخلات الصينية المتكررة في الحدود الهندية، ومقاومة الصين المستمرة لدخول الهند إلى المجموعة النخبوية من الموردين النوويين، ورفضها القائم لدعم تحركات الهند لفرض الأمم المتحدة الحظر على جماعة جيش محمد الإرهابية الباكستانية بقيادة مسعود أزهر.
يقول عمار سينها، وهو الدبلوماسي البارز في وزارة الشؤون الخارجية الهندية: «مع صدور بيانات القمة، سوف تكون هناك فقرات قوية للغاية حيال الإرهاب تتضمن كيفية التعامل مع الدول التي توفر الملاجئ والملاذات الآمنة للإرهابيين كما توفر لهم التمويل».
وتقول المصادر المطلعة إنه سوف تكون هناك دفعة قوية من جانب روسيا لإظهار نهج أكثر استعراضا لعضلاتها في سوريا. ومن المرجح بالنسبة للهند أن تقدم اقتراحا بالجهود المشتركة لإعادة إعمار سوريا، ومن المرجح كذلك أن يكون المقترح الهندي في صورة صندوق يؤسس لذلك الغرض خلال أعمال القمة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...