نبيه بري.. «ضابط إيقاع» اللعبة اللبنانية

24 سنة في رئاسة البرلمان.. والبديل غير موجود

نبيه بري.. «ضابط إيقاع» اللعبة اللبنانية
TT

نبيه بري.. «ضابط إيقاع» اللعبة اللبنانية

نبيه بري.. «ضابط إيقاع» اللعبة اللبنانية

تتركز الأنظار في لبنان على رئيس مجلس النواب نبيه برّي، حاليًا، باعتباره المعارض الأبرز لوصول رئيس تكتل «التغيير والإصلاح»، النائب العماد ميشال عون، إلى رئاسة الجمهورية. لكن برّي يحرص على التأكيد على أنه «ليس الوحيد»، غامزا من قناة كثير من الذين التقاهم رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، خلال جولته الأخيرة التي قيل إنها تستبق تأييدا محتملاً من الحريري لعون رئيسًا. ومضمون كلام برّي الذي يعد من أمهر من أجادوا لعبة التوازنات السياسية في لبنان، والذي قال - قبل محنة سوريا - إن ضمان حل أي أزمة من أزمات لبنان يأتي عبر «س - س»؛ أي المملكة العربية السعودية وسوريا، أن الساسة الرافضين لعون كثر، غير أنهم لا يقولون ذلك علنًا.
يكاد يصح في رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي الجزء الثاني من مقولة المتنبي الشهيرة: «وأنتَ الخصم والحكم». فبرّي الذي يعتبر عميدا لرؤساء البرلمانات في العالم، ببقائه رئيسا للبرلمان منذ عام 1992، لم يشهد يوما على الساحة اللبنانية منافسا جديا له في موقعه، مستفيدا من شخصيته التي تبقي شعرة معاوية مع الخصوم، ومسافة آمنة مع الحلفاء. وهكذا، تحوّل إلى حاجة لطرفي الأزمة اللبنانية منذ اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري في عام 2005؛ يضبط إيقاع البلاد التي تسير منذ ذلك الحين على حافة الهاوية من دون أن تسقط. وفي رأي كثير من خصوم برّي، فإن له دورا أساسيا في عدم سقوطها.
ولقد نال برّي ألقابا كثيرة، أشهرها «الساحر»، فرئيس البرلمان كان دائما جاهزا لإخراج الـ«أرنب» من قبعته، عندما تتأزم الأمور، مجترحًا الحلول، وإن قال بعض السياسيين إنها غير دستورية. ومنها، مثلاً، حالة إسقاط المهلة التي يفرضها الدستور لانتخاب أحد موظفي الدولة رئيسا للجمهورية، من أجل تمكين النواب من انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية عام 2008 من دون تعديل للدستور، إلا أنه كان المخرج شبه الوحيد من الأزمة. كما أخرج بري أرنب «طاولة الحوار»، لامتصاص نقمة الشارع، ومنع الصدام بين الشارعين في عام 2006. ويقول المقربون منه إن «الحوار ووحدة اللبنانيين حوله شكلا السد المنيع الذي منع انتصار إسرائيل في حربها على لبنان، في ذاك العام». كذلك، أخرج أرنبا ثالثا مع تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2009، بتخلي وزير شيعي عن حصته لصالح وزير سني، من أجل تسهيل تشكيل الحكومة، فكانت المرة الوحيدة التي لا تتساوى فيها الطائفتان في عدد الوزراء، كما ينص العرف الدستوري.
وحول ترشح النائب العماد ميشال عون للرئاسة، تجدر الإشارة إلى أن علاقة بري مع عون لم تكن يوما مضرب المثل، فهي لم ترتق يوما إلى خانة «الحليف»، بل يفضل برّي وصف عون بعبارة «حليف حليفي»؛ أي «حزب الله» الذي يتمتع بعلاقة جيدة مع عون وبرّي. ويوجد بين الرجلين كثير من مسببات التنافر، بالإضافة إلى غياب «الكيمياء» بين الشخصيتين.
ومعلوم أن بري، مثله مثل حليفه آنذاك النائب وليد جنبلاط، قد رفض في عهد الرئيس أمين الجميل تعيين عون قائدا للجيش، واصفا ذلك بأنه «مكافأة له على تدمير جبل والضاحية» (عون كان قائدا للواء الخامس في الجيش الذي خاض مواجهات عنيفة مع حركة (أمل) التي يرأسها برّي، والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه جنبلاط). ويبدو أن انطباع برّي كان - وربما ما زال - سلبيا جدا عن عون، إذ وصفه في كتاب صدر عن حياته بأنه كان «ظاهرة استثنائية في الاستماتة من أجل الوصول إلى رئاسة الجمهورية، مهما كلّفه الأمر، حتى لو كان ذلك على أنقاض البلد كله».
أما عون، فقد «سلّف» برّي كثيرًا من المواقف غير الودية؛ كإصراره على أن المجلس الذي يرأسه برّي «غير شرعي». في حين كانت القشة التي قصمت ظهر البعير إصرار عون على مواجهة برّي انتخابيًا في مدينة جزين المسيحية (جنوب لبنان)، والحصول على نوابها الثلاثة في البرلمان، رغم «كل ما قدمه بري لهذه المدينة»، آخذا على تيار عون تسميته الحملة الانتخابية بأنها تسعى لـ«تحرير جزين».

سياسي ملم بالتفاصيل
يقول نائب رئيس البرلمان، فريد مكاري، الذي عمل نائبا لبرّي منذ عام 2005، إن رئيس البرلمان «من أكثر السياسيين معرفة بالوضع اللبناني»، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية براغماتية نبيه برّي التي تميزه عن غيره من بقية السياسيين. وإذ يصفه مكاري بأنه متحدث لبق مقنع، يؤكد أنه «خصم شرس، لكن يمكن التعاون معه».ويلفت مكاري إلى أن برّي لم يدخل في عداوة دائمة مع أحد من السياسيين اللبنانيين، والأهم أن طبيعته لا تتغير عند الخلاف معه. فإذا اختلفت معه بالسياسة، يستمر باستقبالك والكلام معك، وحتى المزاح، وهو ما خبرناه». أما في حياته الخاصة، فهو «يخاصم من يعتقد أنهم آذوه، لكنه سرعان ما يسامح»، كما يقول أحد أصدقائه المقربين لـ«الشرق الأوسط».
ويرد مكاري سبب قبول قوى 14 بالتصويت لبرّي، حتى عندما كانت لديها الأكثرية البرلمانية، وكان هو خصما لها، إلى ثلاثة أسباب: أولها، أنه الخيار الشيعي الوحيد. وثانيها، أنه الأفضل من بين كل القادرين على شغل هذا المنصب من النواب الشيعة الـ27. وثالثها، أن أيا من النواب الشيعة الذين كانوا مع {14 » لم يكن مستعدا للترشح ضده.
من جهة أخرى، ورغم التقارب الحاصل بين برّي و«حزب الله»، فإن العلاقة بين الطرفين كانت في السابق سيئة إلى حد الدم. فالحزب الذي نشأ على قاعدة الانشقاقات عن حركة «أمل»، تنامى بسرعة نتيجة الدعم الإيراني غير المحدود، واصطدم مع الحركة في صراع على القاعدة الشيعية توّج بحرب ضروس بين الطرفين. ولقد انتصر الحزب في معظم معاركه في البقاع، حيث كان معقله الأساسي، كما سيطر على معظم ضاحية بيروت الجنوبية، وتقدم نحو الجنوب، حيث دارت أشد المعارك قساوة. ويومها، خلع بري ثياب السياسة، ولبس ثياب الميدان، حاملا السلاح لدعم مقاتلي الحركة، مما جعلهم يصمدون ويصدون تقدم الحزب.

لا يحارب داخليًا
يقول برّي إنه لم يتخذ قرارًا بخوض معركة داخلية مع الحركة الوطنية، ولا مع الفلسطينيين، ولا مع الحزب التقدمي الاشتراكي، ولا مع «حزب الله»، ولا مع أي كان،موضحًا: «عشت لحظات ندم كبيرة جدًا، ولا سيما في موقعين: الأول، عندما فرضت علي الفتنة بين حركة (أمل) والفلسطينيين. والثاني، عندما فرضت علي أيضًا فتنة بين حركة (أمل) و(حزب الله). هاتان الفتنتان آلمتاني كثيرًا لأن معركتي لم تكن هناك؛ كنت أشعر بأن يدا تقاتل يدًا، وعينًا تقاتل عينًا، وشريانًا يقاتل شريانًا، والدم ينزف نفسه. إن مجرّد تذكّرهما موجع، وهو يعصرني. وعندما كنت أعيشهما، كان أمرًا في منتهى الصعوبة والألم».
وفي وقت لاحق، تحولت العلاقة تدريجيا بين الحركة والحزب إلى الأفضل، نتيجة التقارب الإيراني - السوري، لكنها توثقت أكثر بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتشكل فريقي 8 و14، حيث كانا في الخندق ذاته. لكن هذا لا يعني إطلاقا أن ثمة تطابقا في مواقف الطرفين اللذين ظلا يتمايزان بشكل لافت، رغم محافظتهما على الثوابت التي يتفقان عليها.وعلي أي حال، فإن السياق العام لمواقف الطرفين، بعيدا عن الثوابت، يبدو لافتا. فبرّي يحرص على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بشكل دائم. وعندما بدأت الأزمة السورية، انحاز حزب الله إلى جانب النظام بكل قوة، واندفع في وقت لاحق إلى مشاركته في القتال ضد المعارضة، لكن بري انحاز إلى موقف «الحل السلمي» الذي ظل ينادي به منذ اللحظة الأولى، ولا يزال. وبقيت حركة أمل، التي يرأسها برّي، وحيدة بين حلفاء النظام السوري، بعيدة عن الميدان العسكري الذي انخرط فيه بقية الحلفاء. كما كان لافتا أن برّي لم يقم بزيارة واحدة لدمشق منذ ذلك التاريخ. بل على العكس من ذلك، يحرص برّي بشكل دائم على إبداء إشارات التمايز، فعندما صعد حزب الله حملته على المملكة العربية السعودية، اختار برّي اليوم نفسه لاستقبال السفير السعودي في بيروت، وتوزيع صور اللقاء، ليظهر في اليوم التالي خبر الاستقبال مع خبر تصعيد الأمين العام للحزب حسن نصر الله.

بطاقة شخصية
ولد نبيه برّي في مدينة فريتاون، عاصمة سيراليون، يوم 28 يناير (كانون الثاني) عام 1938، حيث كان يقيم والده مصطفى برّي، وهو من أوائل الجنوبيين الذين عملوا في أفريقيا. وعندما بلغ السنة الثالثة من عمره، عاد مع والدته إلى لبنان نظرًا لظروفها الصحية. وعندما عادت الوالدة لتلتحق بزوجها، استقر الرأي على بقائه في لبنان. وفي بلدته تبنين، تربّى نبيه برّي في كنف عمّته التي كانت بمثابة أمّه لجهة الرعاية والاهتمام بشؤون معيشته. ومن ثم، تنقّل بين المدارس بطريقة لافتة، حتى كاد يقضي كل سنة في مدرسة مختلفة. ففي مدرسة تبنين، تلقى علومه الأولى، بالإضافة إلى الدروس الدينية على يد شيخ الضيعة، حيث تمكّن من تجويد القرآن الكريم وهو في السادسة من عمره.
وعندما أنهى المرحلة الابتدائية، اصطدم بواقع أنه لا وجود لمدرسة متوسطة، مما أوجب عليه الانتقال إلى بيروت، فدرس المتوسط الأول في مدرسة الحكمة ذات الطابع المسيحي الماروني، ثم رجع إلى الجنوب، فالتحق بالمدرسة المتوسطة في بنت جبيل، ودرس المتوسط الثاني. ثم انتقل إلى مدينة صور، ليدرس المتوسط الثالث. أما المتوسط الرابع؛ أي الشهادة المتوسطة المعروفة في لبنان بـ«البريفيه»، فقد تقدم فيها «بطلب حر» على اسم مدرسة ليلية، وخاض الامتحان ونجح. وبعد ذلك، انتقل إلى بيروت، ودرس الثانوي الأول في ثانوية الإمام علي بن أبي طالب، التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية (السنية). ثم في العام التالي، تقدم بطلب حر على اسم مدرسة ليلية للاشتراك في امتحان البكالوريا، وخاض الامتحان ونجح. فالتحق على الأثر بصف الفلسفة في ثانوية الإمام علي بن أبي طالب مجددا. وفي المرحلة الجامعية، انتسب برّي إلى كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، ونال إجازة في الحقوق بتفوق عام 1963، محتلاً المركز الأول في سنوات الدراسة الأربع، ثم أكمل دراساته العليا في الحقوق في جامعة باريس – السوربون، في فرنسا.
ولقد لمع اسمه خلال ممارسته مهنة المحاماة، بعد أن تدرج في مكتب المحامي المعروف عبد الله لحود. وهكذا، بدأ نبيه برّي شق حياته المهنية حتى لمع وبرع في مجال المحاماة. ولكن مع أنه زاول مهنة المحاماة، فإن عينه كانت دائما على العمل السياسي، كما يقول أحد المقربين منه، فما لبث أن تخلى عن المهنة، ليصبح سياسيا بدوام كامل.
ولقراره دخول العمل السياسي حكاية، ينقلها عنه زواره لـ«الشرق الأوسط»، يقول فيها الرئيس برّي نفسه: «كنت صغيرا أتربى في بلدة تبنين لدى عمة أمي، وكان يسكن قبالتنا أحد النواب. وكنت أرى الناس تتردد إلى هذا المنزل الذي أمامه ساحة كبيرة أقامها النائب. وذات يوم، وكنت وقتها في العاشرة تقريبا، رحت أتفرج من وراء القضبان على الصالون الكبير، حيث يستقبل النائب الناس. ورأيت أمامي منظرا غريبا، فقد كان النائب يقف وأمامه رجل من قرية عيتا راكعا على رجل ونصف يشكو للنائب شيئا، والنائب واقف أمامه. عندها، قررت أن أعمل في السياسة. لقد أدركت يومها أن على الإنسان، إن قابل شخصا متواضعا، أن ينزل تحت. وكلما أوغل الأخير في تواضعه، أوغلت. فالأرض تتغذى من مائها وماء غيرها. أما إذا رأيت متكبرا، فأتكبر عليه أكثر».
ولهذه الرواية تتمة نعرفها من خلال واقعة جرت لبرّي مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. يقول برّي: «ذهبت إلى فرنسا خلال رئاسته، بدعوة من الحكومة الفرنسية. وقد عيّنت لي المواعيد. وعندما وصلت إلى لقاء ساركوزي، دخلت فوجدت الوفد الفرنسي بأكمله في الداخل ما عدا ساركوزي! عندها، رفضت أن أجلس رغم دعوتهم، وانتظرت وصوله لأني رفضت أن أكون جالسا عندما يدخل، فأقف له. ودخل الرئيس الفرنسي، ومن دون مقدمات أو ترحيب، بدأ حديثه قائلا: إن فرنسا ترفض الخضوع لأي تهديد، وترفض، وترفض... وقد كان هناك مشكلات حينها بين الأهالي والقوة الفرنسية العاملة في القوة الدولية (في جنوب لبنان)». ويضيف بري: «انتظرت نهاية خطابه، ثم تحدثت، فقلت له: (إنت كيفك؟). ثم بدأت حواري بالقول: أنتم من دعاني إلى هنا، وأنا لم أطلب المجيء، فجنود القوة الفرنسية هم بحمايتنا، ولا أحد يعلمنا ماذا نفعل. وقد انتهى الأمر بتقديمه الاعتذار، وتحول الجو وديا إلى حد أنه أعطاني رقم هاتفه الخاص، قائلا لي: أي شيء تحتاج إليه، اتصل بي مباشرة».

عروبي مزمن
منذ شبابه، عرف برّي بحبه للمطالعة، وحماسته للقضايا الوطنية والعروبية، إذ قاد كثيرًا من النشاطات والمظاهرات الطلابية عندما كان رئيسا للاتحاد الوطني للطلبة اللبنانيين. وعندما عرض عليه المساهمة في تأسيس «الجمعية اللبنانية للتخصص العلمي»، وافق من دون مناقشة، فقد كان متحمسا لإنشاء هذه الجمعية التي عنيت بتعليم المتفوقين من ذوي الحاجة المادية. ويقول أحد أصدقاء برّي لـ«الشرق الأوسط» إن الأخير بدأ العمل الوطني منذ كان في المدرسة المتوسطة، حين تناهى إليه أن ثمة لبنانيين يتعاونون مع إسرائيل، سواء بالمعلومات أو بالتجارة، فأقنع برّي مجموعة من زملائه، وألفوا جماعة كان هدفها تهديد هؤلاء عبر رسائل مكتوبة بخط اليد دست تحت أبوابهم. كذلك، عرف عن برّي رفضه التشدّد المذهبي، حتى قال عن نفسه في عام 2013: «أنا شيعي الهوية، سني الهوى، لبناني وعربي المنتهى».
حتى علاقته مع الإمام موسى الصدر كادت أن تنتهي قبل أن تبدأ، لأنه كان مقتنعا أن الصدر «آت للتفريق بين السنة والشيعة»، كما قال في مقابلة له مع الزميل نبيل هيثم حول كتاب يوثق حياته. إلا أن الإمام الصدر نفسه بدّد هذا الانطباع في لقاء خاص بينهما، ليتحوّل مع الوقت إلى ساعده الأيمن، حيث كان برّي مندفعا جدا في العمل السياسي أواسط الستينات، ثم انتسب إلى حركة المحرومين التي أسسها الصدر.
أيضًا، يعرف عن برّي تعلقه بأصدقائه، وإصراره على التواصل معهم. وهو يسعى دائما للبقاء على تواصل معهم ومعرفة أخبارهم. ويقول أحدهم: «للرئيس بري حنين بالغ ولفتات ودية، وهو يتحدث دائما عن ذكرياته»، ويشير إلى أن برّي كان ذات يوم في صالة سينما مع زميل لهم، ففوجئا بقطع الفيلم من أجل احتفال حزبي، وبادر الزميل إلى فتاة تجلس إلى جانبه، قائلا لها: «ما هذه القرنبيطة؟»؛ في إشارة إلى شعار حزبها. عندها، بادر برّي فورا إلى ضرب زميله، والصراخ عليه، وجره إلى الخارج، موحيا للآخرين أنه منهم وأنه يعتقله، فأنقذه بذلك - وأنقذ نفسه - من مأزق محتم.

حياته العائلية
تزوّج برّي مرتين: الأولى، ابنة عمه ليلى برّي التي أنجب منها: سيلان وسوسن وفرح ومصطفى وعبد الله وهند. والثانية، رندة عاصي برّي ،وله منها: أمل وميساء وباسل. ولا يوجد من بين أبناء برّي حاليا من يعمل في الحقل السياسي، رغم عمل بعضهم في الحقل العام، من خلال جمعيات خيرية وتعليمية، كابنيه عبد الله، وباسل الذي يرأس حاليا جامعة «فينيقيا». ويقول برّي لسائليه إنه يرفض التوريث، وإنه وقف ضد الإقطاع السياسي، ووراثة الزعامة، ولن يقتدي بها. وعلى صعيد الهوايات، كان برّي ماهرًا في السباحة، وهي من الهوايات التي مارسها صيفًا وشتاءً. وفي صغره، مارس الملاكمة، لكنه لم يحترفها. أما «السنوكر»، فكان من الرياضات المحببة إليه، إلى جانب رياضته المفضلة «كرة القدم». كذلك، هوى نبيه برّي الشعر، نظمًا وإلقاءً وقراءةً، وكان يكرّس وقته للقراءة والكتابة وتدوين الخواطر. وهو معروف ببلاغته وقدراته اللافتة في اللغة العربية.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.