مع قرب الانتخابات الرئاسية في نيكاراغوا.. التوتر يزداد بين واشنطن وماناغوا

المعارضة حذرت من مخاطر إعادة انتخاب أورتيغا رئيسًا للبلاد خوفا من تكرار سيناريو الحرب الأهلية

الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش
الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش
TT

مع قرب الانتخابات الرئاسية في نيكاراغوا.. التوتر يزداد بين واشنطن وماناغوا

الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش
الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش

أتم دانيال أورتيغا، رئيس نيكاراغوا، عشر سنوات متتالية في السلطة وذلك بعد إعادة انتخابه مرتين متتاليتين، ومن المحتمل في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام أن يتوج رئيسا للبلاد للمرة الثالثة على التوالي مما يبلغه نحو 15 عاما على رأس السلطة. وستكون هذه هي الحكومة الرابعة في واقع الأمر له، وذلك بعد أن تولى منصب الرئاسة للمرة الأولى لحكمه بين عامي 1985 و1990، وإذا ما استوفيت خطط الرئيس، فسوف تترسخ فرص الديكتاتورية في البلاد حسب الكثير من المراقبين للوضع السياسي.
نيكاراغوا الدولة الواقعة في أميركا الوسطى، على الحدود المشتركة مع هندوراس وكوستاريكا تعد من أصغر البلدان في أميركا اللاتينية، وثاني أفقر البلدان في نصف الكرة الغربي بعد هايتي. حاول جزء من سكان البلاد، تكوين حركة المعارضة التي حاولت الترشح في مواجهة أورتيغا ولكن النظام القضائي، الخاضع بشكل كلي لرئيس البلاد، منع قبل شهور قليلة أي شخص غير أورتيغا من إمكانية الترشح حتى لا تسنح له فرصة الفوز.
ولدى حركات المعارضة هناك مطلب بسيط، ألا وهو عقد الانتخابات الحرة تحت مراقبة دولية. ولكن يكاد يكون من المستحيل أن يسمح الرئيس أورتيغا، وجبهة الساندينية للتحرر الوطني الموالية له، بحدوث ذلك. وما من شك في البلاد أنه سوف يتم انتخاب أورتيغا لفترة رئاسية ثالثة.
يحذر أستاذ العلوم السياسية فليكس مادارياغا الناخبين في نيكاراغوا، أنه يكاد يكون من المستحيل على أي شخص أن يوقع الهزيمة الانتخابية بالرئيس أورتيغا وهو على رأس السلطة في البلاد، والذي لا يجد غضاضة في استخدام كافة أدوات السلطة المتاحة لديه لمتابعة إعادة انتخابه وإرضاء غروره الشخصي. ويفسر مادارياغا ذلك الأمر بقوله: «في ظل الظروف الراهنة في نظام نيكاراغوا الانتخابي، ليست هناك من فرص حقيقية تمكّن مرشح آخر أو حزب معارض من منازعة السلطة مع دانيال أورتيغا عن طريق التصويت. وفي تقديري، فإن انتخابات نوفمبر (تشرين ثان) العامة تفتقر إلى المشروعية وسوف يظهر ذلك جليا في مستويات الامتناع عن التصويت في البلاد».
وتواجه آنا مارغريتا فيجيل، زعيمة حزب المعارضة المعروف باسم حركة تجديد الساندينية المعارضة، هذا الواقع، والتي حذرت في مقابلة شخصية أجرتها معها صحيفة «الشرق الأوسط» من مخاطر إعادة انتخاب أورتيغا رئيسا للبلاد، حيث قالت: «لن تكون هناك انتخابات حقيقية في نيكاراغوا في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. لن يكون هناك إلا المهازل، وفن التمثيل الإيمائي، وفيها تنخرط بعض أجهزة الدولة وبعض الأحزاب الوهمية برفقة أورتيغا في بروفة تمثيلية متقنة. وهي ليست بالانتخابات الحقيقية نظرا لاستبعاد كافة أطياف المعارضة في البلاد، والمراقبة الانتخابية الدولية ممنوعة، ولا يُسمح إلا للمقربين وأصدقاء أورتيغا الأوفياء فقط بالوصول إلى مراكز الاقتراع. وفي هكذا مهزلة، والتي تهدف إلى إضفاء الشرعية الوهمية على فترة رئاسية جديدة لمدة خمس سنوات من حكم أورتيغا، فمن الواضح أنه سوف ينال منصب الرئيس وسوف تُمنح الأحزاب الموالية له حصصها المحددة من الأصوات».
وتعتبر أن الطموحات الرئاسية لأورتيغا توحي بعدم الاحترام للشعب لدرجة أن زوجته، روزاريو موريللو، باتت قاب قوسين أو أدنى من لقب نائبة الرئيس. وتعكس كافة هذه الحقائق التآكل الشديد في الديمقراطية داخل نيكاراغوا منذ أن تولى أورتيغا منصبه في عام 2007.
وأوضحت آنا مارغريتا فيجيل أن فكرة أن يسمي أورتيغا زوجته في منصب نائبة رئيس البلاد تتعلق بهدفهم لإقامة نظام الحزب الواحد، وإرساء دعائم السلالة الحاكمة لعائلة أورتيغا التي تحتل الأدوات الرئيسية للسلطة في نيكاراغوا.
* الروابط مع فنزويلا تجمع أواصر الصداقة العميقة ما بين رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا ورئيس فنزويلا نيكولاس مادورو تلك التي بدأت مع الرئيس الراحل هوغو شافيز. ولقد أمطر شافيز الهدايا على الدولة الصغيرة الواقعة في أميركا الوسطى بسبب أن القادة هناك يتشاركون سويا الآيديولوجية الاشتراكية ذاتها. وفي هذه الحالات دمر الرجال في السلطة اقتصادات بلدانهم وحياة المواطنين، ونشروا الخوف والقلق بين جموع السكان.
ولذلك، ليس من المستغرب أن المشروع الرئاسي لدانيال أورتيغا أن يتلقى الدعم المستمر من قبل الموارد النفطية القيمة من فنزويلا. يقول مادارياغا إنه على العكس من الأزمة الإنسانية التي تشهدها فنزويلا، فإن نيكاراغوا لديها من الموارد ما لم تشهده البلاد في أي مرحلة سابقة من تاريخها، ويضيف قائلا: «استفادت نيكاراغوا كثيرا من الدعم المالي الهائل القادم من فنزويلا، وهي الأموال التي يديرها الرئيس أورتيغا خارج الميزانية الوطنية للبلاد ومن دون أي سيطرة أو رقابة برلمانية. بين عام 2007 وأواخر عام 2015 تلقى دانيال أورتيغا ما يزيد على 4.6 مليار دولار من فنزويلا. ومن بين هذه الأموال، هناك 3.388.2 مليون دولار تتعلق بقروض لإمدادات النفط من مؤسسة النفط الحكومية في فنزويلا. وكانت تستخدم هذه الأموال في تمويل المشروعات الخاصة لعائلة أورتيغا، مثل شراء قنوات التلفزيون، والراديو، والفنادق، والممتلكات العقارية».
وبعيدا عن الرغبة في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين في البلاد، اتجه الرئيس أورتيغا إلى الاستفادة الشخصية من الموارد الهائلة التي يرسلها رئيس فنزويلا، على حساب كل من الشعبين في نيكاراغوا وفنزويلا.
أما زعيمة حركة المعارضة آنا مارغريتا فيجيل، فتقول إن الأزمة التي حلت في فنزويلا باتت ملموسة بالفعل في نيكاراغوا. وقالت: «إن الأزمة الاقتصادية الكبيرة في فنزويلا تؤثر في الوقت الراهن على نيكاراغوا وسوف يزداد أثرها في المستقبل، بالنظر إلى الاعتماد الكلي على النفط. وهذا من العوامل الأخرى التي تضيف إلى أزمة أورتيغا».
* العقوبات حذر الرئيس دانيال أورتيغا أن هدفه هو البقاء في السلطة لأجل غير مسمى، على غرار النظام الحاكم في فنزويلا. ويقول الخبراء أن العواقب سوف تكون وخيمة للغاية وقد تؤدي إلى صراع مسلح مثل الذي شهدته البلاد بين عامي 1980 و1990، ولقد تعامل المجتمع الدولي مع الوضع في نيكاراغوا على استحياء واضح، ولكن مجلس النواب في الولايات المتحدة كان قد صادق على حزمة من العقوبات لإجبار دانيال أورتيغا على تعزيز الانتخابات الحرة والنزيهة. وتتعلق العقوبات بالمؤسسات المالية الدولية والحد من الإقراض لهذه الدولة حتى يتم إجراء عملية الانتخابات النزيهة، والتي من شأنها أن يكون لها تأثير مباشر بين السكان. ولا يزال هذا الاقتراح في انتظار الموافقة عليه من قبل مجلس الشيوخ الأميركي. وأوضح مادارياغا أن بطريقة ما فإننا دولة ذات وزن جيو - سياسي بسيط، ولقد سمح هذا الأمر لأورتيغا بإنشاء مشروعه الديكتاتوري السياسي والشخصي من دون إثارة أي مخاوف لدى المجتمع الدولي.
وقبل سنوات، سجل التاريخ اسم دانيال أورتيغا لوصوله إلى السلطة بعد هزيمة عائلة سوموزا الديكتاتورية. واليوم، يعتبر دانيال أورتيغا جزءا من قائمة الحكام المستبدين في أميركا اللاتينية والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالفساد والاستبداد والسلطوية المطلقة حسبما تقول المعارضة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».