عندما تتحول السياسة إلى مباراة كرة قدم

بعد صواريخ الستينات.. مواجهة «تاريخية» أخرى بين كوبا وأميركا

جيل بايدن زوجة جو بايدن نائب الرئيس الأميركي مع سفير الولايات المتحدة جفري دي لورانتيس خلال حضورهما مباراة كرة قدم في هافانا بين بلادها وكوبا (إ.ب.أ)
جيل بايدن زوجة جو بايدن نائب الرئيس الأميركي مع سفير الولايات المتحدة جفري دي لورانتيس خلال حضورهما مباراة كرة قدم في هافانا بين بلادها وكوبا (إ.ب.أ)
TT

عندما تتحول السياسة إلى مباراة كرة قدم

جيل بايدن زوجة جو بايدن نائب الرئيس الأميركي مع سفير الولايات المتحدة جفري دي لورانتيس خلال حضورهما مباراة كرة قدم في هافانا بين بلادها وكوبا (إ.ب.أ)
جيل بايدن زوجة جو بايدن نائب الرئيس الأميركي مع سفير الولايات المتحدة جفري دي لورانتيس خلال حضورهما مباراة كرة قدم في هافانا بين بلادها وكوبا (إ.ب.أ)

بدأت كوبا في الانفتاح على العالم مجددا ولكن ببطء، وبعد عقود كثيرة من تجمد العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية كانت كرة القدم الوسيلة المثالية لتحديد أوجه التعاون بين البلدين. وللمرة الأولى منذ نحو سبعين عاما التقى المنتخب الأميركي مع مضيفه الكوبي في مباراة ودية. وشهد إستاد بيدرو ماريرو في هافانا، مع تدفق آلاف الكوبيين إليه خلال عطلة نهاية الأسبوع، المزيد من التقدم في العلاقات الدبلوماسية بين كوبا والولايات المتحدة الأميركية، التي بدأت بعد إعلان الرئيسين باراك أوباما وراؤول كاسترو إقامتها في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2014.
خلال مباراة كرة القدم التاريخية، التي تعد الأولى منذ 70 عامًا، فاز الفريق الأميركي على نظيره الكوبي بهدفين مقابل لا شيء، وتم إحراز الهدفين خلال الشوط الثاني من المباراة. وشهدت المباراة رمزية وطنية تمثلت في عزف النشيد الوطني للبلدين، اللتين كانتا عدوتين في الماضي.
المباراة هي الثالثة بين الطرفين على الأرض الكوبية. وسجل كريس فوندولوفسكي (62) وجوليان غرين (71) الهدفين.
وقال مهاجم المنتخب الأميركي جوزي ألتيدور: «اليوم صنعنا التاريخ، شكرا لكوبا لحسن الضيافة ونأمل أن نواصل تحسين العلاقة معها في المستقبل».
وقال الألماني يورغن كلينسمان المدير الفني للمنتخب الأميركي: «نحن سعداء بالمجيء بفريقنا إلى كوبا، إنه اختبار رائع، نحاول دائما إكساب فريقنا تجارب جديدة، إنها مناسبة استثنائية».
وهي المرة الأولى التي تلعب فيها الولايات المتحدة في كوبا منذ لقاء المنتخبين ضمن تصفيات كأس العالم عام 2008 في هافانا عندما فاز المنتخب الأميركي بهدف. أما المباراة الأخرى التي جمعت المنتخبين في كوبا فأقيمت عام 1947 وانتهت بفوز الدولة المضيفة 5 - 2.
من غير المرجح أن تساعد هذه المباراة على تحسين السجل المتواضع لكوبا لأن هناك فوارق هائلة بين الفريقين، حيث يحتل منتخب كوبا المركز 139 في التصنيف العالمي فيما يحل منتخب أميركا في المركز الثاني والعشرين.
كرة القدم ليست الرياضة الشعبية الأولى في كوبا، إذ تأتي في مرتبة متأخرة جدا عن البيسبول، ولكن المباراة ستكون خطوة أخرى في محاولات إعادة المصالحة مع العدوة السابقة أميركا، بعد استعادة العلاقات بين البلدين العام الماضي.
وحضرت المباراة جيل بايدن، زوجة جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، الذي زار الجزيرة قبل ذلك في إطار استراتيجية إصلاح العلاقات الثنائية.
وأكد إدوادرو غامارا، الأستاذ في جامعة فلوريدا الدولية والخبير في الشؤون الكوبية، على أهمية تلك الفعالية الرياضية، التي تعد الأولى من نوعها منذ عام 1947، لكنه أشار إلى أنه رغم عدم وجود علاقات سياسية ودبلوماسية بين البلدين بعد، تمثل ألعاب رياضية مثل البيسبول، جسر صداقة. وعلق غامارا قائلا: «تتسم المباراة بالأهمية، لكنها ليست بالأمر الجديد. بوجه عام، تعد الألعاب الرياضية هي الصورة الأولى لإجراءات بناء الثقة، التي تهدف إلى إقامة علاقات بين الأفراد، والرياضيون هم أول من يقيمون هذا النوع من العلاقات».
استعرض الرئيس أوباما ونظيره الكوبي كاسترو الثقة بينهما أمام الناس من خلال مباراة كرة قدم ودية، وهي رياضة تتفوق فيها كوبا. حضر المباراة الرئيس أوباما وأسرته، أثناء زيارة تاريخية إلى هافانا في مارس (آذار) من العام الحالي.
وفي صيف 2015 زار نادي نيويورك كوزموس هافانا، ليكون أو فريق أميركي للمحترفين يقوم بهذه التجربة منذ عام 1978، وجمعت مباراة بيسبول بين البلدين في مارس (آذار) الماضي، حين التقى فريق تامبا باير رايز مع المنتخب الكوبي في حضور الرئيسين الأميركي باراك أوباما والكوبي راؤول كاسترو.
في ذلك الوقت، سبقت المباراة الودية أجواء ترحيب. كوبا تتغير، لكن التغيرات التي تشهدها الجزيرة لا تحدث بسرعة كافية بالنسبة إلى الشعب الكوبي الذي يريد المزيد من الحريات، وخدمات أفضل مثل خدمة الإنترنت.
يقول الأستاذ غامارا إن ذوبان الجليد الذي يكسو نظام كاسترو الكوبي يتم ببطء، فقد فضلت حكومة كوبا أن يكون الانفتاح تدريجيًا، وبطيئًا، حتى لا تفقد السيطرة على الوضع. يعد هذا هو أكبر مخاوفهم، ولهذا السبب يفضلون أن تكون مثل هذه الأحداث تحت السيطرة، وأن يكون لها عظيم الأثر فيما يتعلق بالعلاقات العامة.
بعد مصافحة أوباما لكاسترو، بدأ الموقف في كوبا يتغير بخطى بطيئة. هناك الكثير من الأمور المهمة، مثل طلب كوبا رفع الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة عليها منذ عام 1960، وتعد السياحة من المؤشرات الأولية الدالة على التغير، حيث ازداد عدد السائحين القادمين من الولايات المتحدة للتمتع بزيارة مدن كوبا التاريخية، وشواطئها البكر بعد رفع أوباما حظرًا دام لمدة 50 عامًا على رحلات السياحة الأميركية إلى الجزيرة. ونظرًا لقرب المسافة بين البلدين، توجد رحلات طيران مباشرة بين هافانا ومدن كوبية أخرى، وبين عدة مدن أميركية. إلى جانب ذلك، يتم تنظيم رحلات بحرية فاخرة في البحر الكاريبي تشمل حاليًا الجزيرة، حيث باتت من المحطات التي يتم التوقف بها، مما يعزز الاقتصاد الكوبي.
وهناك تبادل علمي بين جامعات البلدين، حيث يقول غامارا: «كان من المستحيل القيام بأمور كثيرة قبل ديسمبر (كانون الأول) 2014، رغم أن الأمور تحدث تدريجيًا، هناك انفتاح مهم، ولا يمكن العودة إلى الوضع السابق قبل علاقة 17 ديسمبر 2014 في رأيي».
مع ذلك توجد أصوات معارضة. باتت ميامي ملجأ للآلاف ممن غادروا كوبا منذ الخمسينات بسبب الظروف المعيشية الصعبة تحت حكم كاسترو. تأتي أكثر الانتقادات الموجهة إلى النظام الكوبي من مدينة فلوريدا الساحلية، التي لا يعتقد سكانها الأميركيون من ذوي الأصول الكوبية في إمكانية تحول الجزيرة، أو على الأقل حدوث ذلك أثناء حكم كاسترو.
مع ذلك يشير الأستاذ غامارا إلى استطلاع أجري مؤخرًا بين السكان الأميركيين من ذوي الأصول الكوبية، وأوضح أن أكثر من 60 في المائة ممن تم استطلاع رأيهم أرادوا تشجيع الانفتاح ورفع الحظر، وهو أمر لا يستطيع القيام به سوى الكونغرس.
وفي الوقت الذي تتطلع فيه كوبا للانفتاح على المستويين الرياضي والاقتصادي فإن الكثير من النجوم مثل مادونا وكاتي بيري وريحانا وليوناردو دي كابريو زاروا الجزيرة، كما أحيا فريق رولينغ ستونز حفلا موسيقيا مجانيا هناك، وقدم نجوم دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين دروسا للأطفال.
حدث لقاء بين كوبا والولايات المتحدة خلال مباراة كرة قدم ودية، لكنها مباراة حملت معها رسالة أمل إلى العالم.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».