طقوس الكتابة عند الأدباء العرب.. و«الانسداد الكتابي»

كان محفوظ يمشي مسافات طويلة.. وتاج السر يكتب في الصباح ولا يزيد على ألف كلمة

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
TT

طقوس الكتابة عند الأدباء العرب.. و«الانسداد الكتابي»

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد

هل هناك طقوس للكتابة؟ نعرف من سير الأدباء، قديمًا وحديثًا، أن هذه «الطقوس»، أو فلنقل شحن النفس بالاستعداد لدخول هذا المحراب، موجودة عند غالبيتهم، وقد تكون شاقة أحيانًا، وحتى إن بعض الأدباء يستعد لذلك.. عضليا، مثلما كان يفعل نجيب محفوظ حيث كان يسير مسافات طويلة في الصباح الباكر. والبعض لا يكتب إلا وبجواره فنجان القهوة، مصحوبة بعلبة السجائر، مثل بلزاك وفولتير اللذين كانا يحتسيان ما بين 40 و50 فنجان قهوة، والبعض يفضل الجلوس بالمقهى، فيما يعشق البعض الآخر العزلة والهدوء التامين، وهناك من يعشق الموسيقى، وهناك من يرتدي ملابسه كاملة كمن يستعد لمغادرة المنزل. وما بين الغرابة والطرافة والتلقائية تتنوع «العادات الكتابية» أو الطقوس، لكن ذلك لا يمنع أيضًا من أن يطارد المبدع شبح «الانسداد الكتابي»، وحينها قد يغير من عاداته أو يثور عليها أو يستسلم للانسداد ريثما يغادره ذاك الشبح. «فضاءات» دخلت محراب عدد من الأدباء العرب للتعرف على عاداتهم وطقوسهم، وأيضًا أسلحتهم لمحاربة الانسداد الكتابي:
الروائي اللبناني جبور دويهي، صاحب «شريد المنازل» يكشف عن عاداته الكتابية قائلا: «الواقع أني رجل عادات ومقاهٍ. أكتب في الخارج، أبعد ما يكون عن غرفة نومي، يوميًا من دون استثناء عندما انطلق في مشروع روائي، بين العاشرة صباحًا والواحدة، في مقهى يكون متوسط الضجيج.. أبدأ بقلم الرصاص وأنتهي أمام لوحة مفاتيح حاسوب (أبل). وقبيل الفراغ من الكتابة أترك ذخيرة لليوم التالي أبدأ منها من جديد. لكني عموما بطيء.. فلا يتجاوز عدد كلماتي التي أعدّها دائمًا المائة كلمة».
أما الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية»، فهو لا ينام فعلا طوال الليل، المخصص كله للكتابة. يقول: «علاقتي بالكون هي الكتابة. وعاداتي أثناء الكتابة بسيطة للغاية ولم تتغير منذ بدأت أمارسها، حتى عند انتقالي من منزل لآخر لم أغير غرفة مكتبي بما تحويه، أحتفظ فيها بثلاثة دواليب للكتب، وما يزيد عنها أتبرع به أو أهديه للأصدقاء.. أحب الضوء الأبيض (الفلوريسنت). أكتب الروايات عادة من بعد منتصف الليل وحتى شروق الشمس، لا بد أن أرى ضوء الصباح قبل أن أخلد للنوم، وأراجع ما كتبته بالنهار». وعن نمط كتابته الروائية، يقول: «لا أعمل بشكل منتظم. قد أكتب 3 سطور أو 3 صفحات. استمع إلى الراديو وتحديدًا (إذاعة البرنامج الموسيقى)، التي تبث الموسيقى الكلاسيكية والخفيفة طوال الليل دون انقطاع.. بجواري زجاجة مياه.. أشرب كثيرًا منها، وربما هي سبب بقائي على قيد الحياة.. كنتُ في الماضي أشرب الشاي والقهوة. مع التقدم بالعمر أصبحت أراجع قبل منتصف الليل فلم أعد أملك ترف الوقت»، أما كتابة المقالات فهو يكتبها في أي وقت وأي مكان. ويذكر أنه «في الماضي كنت أسافر للإسكندرية كل أسبوع وأزور معالمها لأن مشروعي الروائي كان مرتبطًا بها، لكني أومن بأن النسيان هو الثروة الحقيقية». ويتقبل صاحب «البلدة الأخرى» عقبة الانسداد الكتابي ويعترف: «تزورني من وقت لآخر لكني أعرف أنها ستزول تلقائيًا، وأحاول أن أسافر كثيرًا، وأستمع للموسيقى وأقرأ أكثر من أي وقت».
«لا توجد لدي طقوس للكتابة» هكذا يوضح الروائي الأردني صبحي فحماوي، صاحب «الإسكندرية 2050»، ويفسر ذلك «لأنني متورط في أكثر من مجال ثقافي، وكثيرًا ما اضطر لتحويل وقت قراءتي إلى كتابة.. والعكس صحيح.. فأنا أقرأ بغزارة يوميًا، ثم أكتب القصة، أو الأقصوصة، أو أواصل متابعة كتابة روايتي، أو أتابع نسج الدراما في عمل مسرحي، أو أكتب النقد.. ثم أعد وأقدم برنامجي الثقافي التلفازي الأسبوعي بعنوان (قناديل) على قناة (برايم) الفضائية». وعن نمط كتابته الروائية، يقول: «أصدر سنويًا رواية، أو عدة كتب منها قصص أو نقد، ولهذا لا توجد لدي طقوس كتابة.. فأنا لا أدخن، ولا أشرب الكحول، وقليلاً جدًا، ما أزور مقهى، ذلك لأن معظم المقاهي الأردنية مريضة بالتدخين والأرجيلة أولاً».
أما عن أسلوب حياته، فيقول: «منذ السادسة صباحًا أغسل، وأمارس الرياضة سيرًا سريعًا لمدة ساعة، أتفقد فيها نباتات حديقتي، وأُفتِّح في كل زهرة جديدة من أزهار حديقتي الحبيبة، أو أودع محزونًا كل زهرة تذبل لتجف.. حيث إنني مهندس حدائق.. أعبر في عبير الحدائق وأتأمل كل زواياها خمسين دورة يوميًا.. ثم أعود لتصفح وقراءة الصحف. وأكتب مقالاتي. وبعدها أنام القيلولة لأعود بعد ذلك للكتابة التي لا تكون مبرمجة، بل تكون مثل موج البحر».
أما عن الانسداد الكتابي، فيقول صاحب «قصص عشق كنعانية»: «لا أشعر به، فمثل شراهتي في الأكل، عندي شره في الكتابة التي ابتدأتها بتوسع عام 2005، فأنجزت حتى اليوم أكثر من 20 كتابًا.. وكثيرًا ما أشعر بألم المخاض في حمل صادق لرواية يثقلني حملها.. فأواجه هذه الآلام بالقراءة أو الابتعاد برحلة سياحية.. أو بالنوم.. نعم أنام مرة في الليل، ومرة أو مرتين في النهار لمدة ساعة في كل مرة، (أفلتر) خلالها تراكم الكتابات والمعلومات والقضايا الشائكة التي تملأ رأسي.. وأحاول التخلص من فضلاتها التي تملأ رأسي».
وتقول الروائية المصرية منة الله سامي عن عاداتها الكتابية: «عادة أكتب في وقت متأخر من الليل بعد أن يخلد الجميع إلى النوم، حينئذ تستنفر في داخلي طاقة الإبداع بعد أن تتبدد طاقتي في مواجهة متطلبات حياتي اليومية وعملي. وأنا لا أستجدي فكرة لأشكل منها قصتي لأنني لا أكتب إلا إذا كنت مسكونة تمامًا بهذه الفكرة التي تلح علي في صحوي وفي منامي، وعادة ما تكون مرتبطة بحدث يؤلمني مثل اجتياح الدواعش لآثار (نينوى)، في العراق، ومحاولتهم محو أثر إنساني قاوم الزمن لقرون وقرون. وقد تكون الفكرة أقرب إلى شطحة من شطحات العلماء الذين يتطلعون إلى مستقبل البشرية فتجيء ومضة خاطفة يصنفها النقاد تحت (أدب الخيال العلمي)».
وعن نمط كتابها الروائية توضح: «أنا ممن يكتبون القصة دفقة واحدة، ربما على الورق وربما على الحاسوب مباشرة أو ربما على هذه الهواتف الذكية التي فقدت من خلالها كثيرًا من نصوصي. وعادة ما تجر القصة أخواتها لتشكل مجموعة قصصية في موضوع بعينه، هكذا فعلت في (مخدع) التي تستلهم أساطير اليونان والشرق القديم، أو (كِمت) التي تتساءل عن أصل مصر، وتدين السفهاء منا، أو (فلول وأنوف) التي تعالج ما طرأ على المجتمع المصري من متغيرات عجيبة إبان ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، ومحاولة الالتفاف عليها من جماعة بعينها».
ويتحدث لنا الروائي والطبيب السوداني أمير تاج السر، صاحب «صائد اليرقات» عن طقوس الكتابة لديه قائلاً: «لا أكتب في البيت إلا نادرًا، ولا أكتب في الليل كما يفعل الكثيرون، وقد قمت منذ سنوات طويلة، باختراع مكان خاص بالكتابة، ارتاده يوميًا حين أكون منغمسًا في نص جديد، أو حتى لكتابة مقال من تلك التي أكتبها بصفة دورية، هذا المكان هو ركن ليس هادئًا تمامًا، في فندق متوسط بمدينة الدوحة حيث أقيم، وفي ذلك الركن أفتح كومبيوتري، وأنغمس بسرعة في كتابتي، ويمكن أن أرد على تحية عابر بقربي، ولا أنفصل عن الكتابة، أو أنهض وأتمشى قليلا وأعود».
وعن نمط كتابته الروائية، يكشف: «أكتب في العادة صباحًا، من الثامنة حتى الثانية عشر ظهرًا، وفي العادة أكتب ألف كلمة في اليوم، لا أزيدها إلا نادرًا، وحين يكون الزخم شديدًا، ويجبرني على الكتابة، في الثانية عشرة أغلق الكومبيوتر، وأذهب لعملي الرسمي، الذي أحوله للمساء، وكما ترين فهي مسألة مرهقة أن يقوم الإنسان بكل ذلك، وهي حقيقة أيام اكتئاب قصوى، أنفصل فيها عن عالمي المعتاد، ولا أتحدث مع أفراد أسرتي إلا قليلا. في اليوم التالي أعود صباحا، أقرأ ما كتبته بالأمس قبل الانتقال لفقرات جديدة، وحقيقة أنا لا أخطط لأي نص، تأتيني الفكرة وأقوم بكتابتها مباشرة وأترك النص يقودني إلى حيث يريد، وكثيرا ما ينتهي نهاية لا أتوقعها قط، لكني أتركها ولا أقوم بتعديلها».
وعن العادات المصاحبة للكتابة الروائية، يقول: «أشرب القهوة بكثرة أيام الكتابة حتى ينتهي النص، وتتراوح عادة بين شهر وثلاثة أشهر، بحسب طول النص واتساعه. في الماضي كنت أدخن كثيرا، لكني تركت التدخين منذ سنوات واستطعت أن أواصل الكتابة بلا سجائر. حين ينتهي نصي، أقوم بمراجعته وإجراء بعض التعديلات البسيطة، لأنني أومن بأن النص الحقيقي، هو الذي يجيء في دفقة الكتابة الأولى، ولا ينبغي تخريبه بالحذف والإضافات الكثيرة».
أما عن الانسداد الكتابي لديه، يقول صاحب «مهر الصياح»: «ليس لدي مسألة انسداد الكتابة، فأنا أعتقد أنها عمل احترافي، أو صنعة مثل غيرها من الصنع، وعلى الكاتب الموظف في الكتابة، أن يعمل باستمرار، أو على الأقل، يترك للقراءة والكتابة بضع ساعات في يومه».
وعن الكتابة وطقوسها لدى الروائي المصري ناصر عراق، صاحب «الأزبكية» يقول: «الكتابة بالنسبة لي ومضة فرح.. الكتابة فعل حياة ممتع ومعذّب.. إنها عمل مجهد ومضن، مثل الفلاحة في الأرض، حيث لا يمكن أن تمنحك ثمارها الشهية إلا عندما تخلص لها ويسيل من روحك عَرَق الإبداع».
أما عاداته الكتابية فيلخصها بقوله: «منذ زمن بعيد أدركت أن الكتابة الناجحة المؤثرة لن تتأتى إلا بالالتزام الصارم، بمعنى، الإقبال عليها وممارستها بشكل يومي، دون انتظار وحي يأتي من هنا، أو خاطر يطل من هناك. إن الدأب والمثابرة والاستمرارية هي التي تولد الوحي، وهي التي تشحذ سلاح الإلهام، وقد تعلمت هذه الحكمة من والدي المرحوم عبد الفتاح عراق الذي اعتبره مثقفا عصاميًا بامتياز».
ويستطرد: «هكذا إذن أصبحت أعانق الكتابة كل صباح منذ سنوات طويلة.. أعانقها بشغف ومحبة.. أستعجل النوم مبكرًا في الليل، لأصحو صافي الذهن قادرًا على استقبال معشوقتي التاريخية. أجل كل صباح دون مبالغة، ففي تمام السادسة صباحًا أجلس إلى مكتبي، سواء في العمل أو في البيت، في حضرة الورقة والقلم فيما مضى، أو أمام شاشة الكومبيوتر حاليًا.. أكتب نحو ساعتين أو ثلاث في صمت تام، لا حركة.. لا صوت.. لا نأمة.. ولا موسيقى ناعمة، ولا زقزقة عصفور.. ففي حضرة الكتابة لا يعلو صوت فوق صوت الكلمة!».
أما القاصة والروائية سعاد سليمان، صاحبة «شهوة الملايكة» فتقول: «لا توجد لدي طقوس خاصة للكتابة. أستعد للكتابة بالقراءة المكثفة التي قد تصل إلى 100 كتاب، حتى أجد نفسي أمسكت بالقلم الجاف والورق المسطر وبدأت أكتب». وعن نوعية قراءاتها التي تستعد بها للكتابة، قالت: «أقرأ في جميع المجالات.. تاريخ وأدب وفلسفة وشعر ومسرح». أما عن عاداتها في الكتابة فتقول: «أكتب في عزلة وأنا بمفردي، لا أحدد لنفسي وقتًا محددًا للكتابة، وقد أظل 5 سنوات دون كتابة أي عمل جديد».
وعن اختلاف عادات الكتابة ما بين القصة والرواية، تقول سليمان الحائزة على جائزة «متحف الكلمة» العالمية في القصة القصيرة: «القصص تخرج كلها دفعة واحدة، لا يمكن أن تتم على مراحل، لا بد أن أنتهي منها في جلسة واحدة. قد أعدل بعضا منها أو كلها أو حتى أتخلص منها أو أقطعها.. هي بالنسبة لي (موال الإبداع) الذي يخرج دفقة واحدة، أما الرواية فقد أكتب كل شهر فصلا مثلا».



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».