تجنيد «داعش» يتفاوت بين العربيات والغربيات

نقلة نوعية في مهام النساء ضمن التنظيم المتطرف

أعضاء من جماعة {ألتراس نهداوي} التابعة لجماعة الإخوان المسلمين يرمون زجاجات مولوتوف على قوات الشرطة المصرية في حي الأهرام بالجيزة ({غيتي})
أعضاء من جماعة {ألتراس نهداوي} التابعة لجماعة الإخوان المسلمين يرمون زجاجات مولوتوف على قوات الشرطة المصرية في حي الأهرام بالجيزة ({غيتي})
TT

تجنيد «داعش» يتفاوت بين العربيات والغربيات

أعضاء من جماعة {ألتراس نهداوي} التابعة لجماعة الإخوان المسلمين يرمون زجاجات مولوتوف على قوات الشرطة المصرية في حي الأهرام بالجيزة ({غيتي})
أعضاء من جماعة {ألتراس نهداوي} التابعة لجماعة الإخوان المسلمين يرمون زجاجات مولوتوف على قوات الشرطة المصرية في حي الأهرام بالجيزة ({غيتي})

تضييق الخناق على التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» واعتقال عدد كبير من حركييها، حتم تغييرًا نوعيًا في استراتيجية هذا التنظيم الإرهابي المتطرف، وإعطاء النساء مهام قيادية ولوجيستية تتضمن حمل السلاح وتصنيع المتفجرات من جهة، وتجنيد مناصرين عبر مواقع التواصل الإلكتروني من جهة أخرى. وتظهر استراتيجيات داعشية متقنة لاستقطاب المناصرين، إذ يتم توظيف خطابات ذات اختلاف نوعي حسب الشريحة المستهدفة، إما بالخطاب الديني للداعشيات العربيات، أو الاجتماعي للداعشيات الغربيات.
وفي تقرير لمركز الملك فيصل للأبحاث والدراسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، ميزت الباحثة سمية فطاني ما بين استخدام الخطاب الديني لـ«داعش» لاستقطاب النساء العربيات، وما بين الخطاب الاجتماعي الموجّه للنساء الغربيات من جهة أخرى، وذلك عبر حملات إعلامية توظف مفاهيم وعناوين مختلفة في التواصل حسب المستهدفين. وهذا ما يعكس التلون الخطابي واستخدام استراتيجية مؤدلجة في اللغة والمضمون تتكيف من أجل الوصول إلى وسيلة تواصل اجتماعية وشرعية تعبر القارات وتتغلغل إلى داخل البيوت سواء عبر شعارات دينية أو الإشارة إلى روح الجماعة لتعزيز الشعور بالأمان والقوة.

شعارات لاستهداف النساء
يظهر تكثيف الحضور الإلكتروني لـ«داعش» واستخدامه رسائل تحريضية تحمل محاولة لإثارة روح الشجاعة بشعارات لرفض الوضع الراهن في سوريا والرغبة في النضال من أجل الحرية، إضافة إلى تصوير القتال وكأنه أشبه بمغامرة حماسية جميلة. ولقد انتشرت قصص لشابات أوروبيات قرّرن نبذ حياة دعة طبيعية للالتحاق بـ«داعش» في بقاع تعد الأشد خطورة في العالم.
إحدى النماذج التي تسعى لترسيخ أسطورة المغامرة، قصة التوأمين البريطانيتين من المتحدرتين من أصول صومالية سلمى وزهرة، اللتين ظهرتا على الساحة الإلكترونية كرمز مؤثر على الفتيات، لا سيما المراهقات، سواء من خلال التدرب على استخدام القنابل اليدوية والكلاشنيكوف، أو رسائل تحفيزية كالتعبير عن الشعور بالحماسة لرواج لقب «التوأمين الإرهابيين» وبثه للرعب، أو التأييد المطلق لجرائم تنظيم داعش ضد الجيش السوري لأنها تعد دفاعًا عن النفس.
يكثف «داعش» محاولات سد الفجوة النفسية والاجتماعية التي تنتشر لدى الشابات في المجتمع الغربي بحاجة إلى إنقاذ من عالم الوحدة والقلق النفسي. لا سيما ما بين المسلمات سواء من أصول غير غربية، ممن يعانين من شعور مزمن بالاضطهاد والعجز عن التواصل مع المجتمع الغربي بسبب الاختلاف العقائدي، أو أوروبيات اعتنقن الإسلام مؤخرًا ممن هن بحاجة إلى دعم معنوي وتوجيه. وهذا ما يسهّل على محترفي التجنيد من أعضاء «داعش» عملية الإقناع بضرورة الهجرة إلى «بلد الإسلام الصحيح»، ونبذ ذلك القلق والنفور الاجتماعي وراءهن، وإيجاد الزواج بمن ينتشلهن من ذلك الضياع.
وتسلط قصة الصحافية الفرنسية آنا إيريل الضوء على سلوكيات «داعش» ومحاولة استقطاب الشابات. إذ اختارت إيريل اسمًا مستعارًا في محاولة لإخفاء هويتها بعد أن تخفت خلف اسم «ميلودي» العشرينية التي أسلمت للتو، لتتلقى ترحيبًا ومحاولة لتجنيدها إلكترونيًا من «أبو بلال»، أحد قادة «داعش» في سوريا، الذي حاول إقناعها بضرورة الهجرة إلى سوريا والتمتع بسحر الحياة فيها إلى جانبه. ومما قاله: «ستصبحين مهمة، وإذا وافقت الزواج مني سأعاملك كملكة». ومن ثم أعطاها خطوات تفصيلية للوصول إلى سوريا في خط سير يمر بأمستردام وإسطنبول.

الخطاب حسب الشريحة
تختلف طريقة استقطاب النساء العربيات عن الغربيات، إذ يجري استخدام الخطاب الديني، وتصوير المدن الداعشية على أنها الوحيدة التي تطبق شرائع الدين الصحيحة. وهناك منشورات كثيرة تصب في بوتقة التوجيه الديني، وأشهرها ينتمي لـ«كتيبة الخنساء» التي تعد بمثابة دليل على النقلة النوعية للوظائف النسائية الداعشية التي أصبحت ميدانية. فالكتيبة الموجودة في مدينة الرقّة بمثابة «شرطة أخلاق» تستوقف النساء المخالفات، وتقدم الدعم اللوجيستي لـ«داعش» دون تورّع عن حمل السلاح ومحاكمتهن للأخريات من النساء غير الملتزمات بالزي الشرعي. ويعد كتاب «المرأة في الدولة الإسلامية» أحد المنشورات التي تستهدف النساء، وهو عبارة عن دليل إجرائي لـ«كتيبة الخنساء» يقع في خمسين صفحة تصف طرق اجتذاب النساء الشابات للتنظيم. وهذا الدليل موجه إلى النساء العربيات بالتركيز على النواحي الشرعية، والسعي إلى تصوير الحياة في المناطق المسيطرة من قبل «داعش» وكأنها طبيعية لم تحرم النساء فيها من أي شيء، وبأن بإمكانهن الحصول على حقوقهن التي كفلها الإسلام، دون الخوف من القمع إذا ما واظبن على أداء الواجبات. أكثر من هذا، يصوّر مدينة الرقّة - «عاصمة التنظيم» في شمال وسط سوريا - وكأنها جنة للمهاجرين أو بمثابة «المدينة الفاضلة» والملاذ الآمن. وإن كان ذلك مقتصرًا فحسب على استهداف العربيات. وتشير الباحثة السعودية فطاني في بحثها عن الخطاب الداعشي (ولقد حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه)، إلى أن منشورات «الخنساء» لم تترجم إلى اللغة الإنجليزية على الرغم من وجود إمكانيات لإنجاز ذلك. وهو ما يدل على التناقض في الخطاب الموجه حسب اللغة والشريحة المستهدفة. إذ إن ترجمة تلك المنشورات قد تؤثر سلبًا على الحملة الدعائية لـ«داعش» وتفسد الاستراتيجية المستخدمة لاستقطاب الأوروبيات لاختلاف المضمون عن الخطاب الذي يستهدفهن، وهو قد يعكس نوعًا من قمع المرأة أو يشرح جزءًا من واجباتها الشرعية، مما قد ينفر المرأة الغربية الباحثة عن روح المغامرة والجماعة وإلغاء قيود المجتمع.

تلاشي الصورة النمطية
لقد تطرّقت المختصة في شؤون حقوق الإنسان ومكافحة التطرف، جين هاكيربي في مقالة نشرت في صحيفة «نيويورك تايمز» بعنوان «حين تصبح النساء إرهابيات»، إلى الصورة النمطية المغلوطة للمرأة في التنظيمات المتطرفة بأنها سلبية تتعرض للتمييز حسب الجنس وتحت تأثير الرجل فقالت: «أكبر جزء من المشكلة هي الاعتقاد بأن الإرهاب يشكل عنفًا حيال المرأة».
ذلك الاعتقاد يناقض التوجه الذي أصبح أكثر كثافة لتنظيم داعش نحو تمكين المرأة وإدراجها في قلب المخططات الإرهابية، للتعويض عن الخسائر في صفوف مجندي «داعش» بحكم اعتقال أعداد كبيرة من مناصري «داعش» دوليًا، وفي محاولة لإرباك الجهات الأمنية والتمويه. وهذا ما يتنافى مع الصورة النمطية للمرأة المضطهدة في التنظيم، كما توضح هاكيربي بقولها: «نحن نفضل أن ننظر إلى الإرهاب من جانب تمييزي حسب الجنس، مما يضع الرجل المسلم المتطرف يعادي المرأة، فيما يعتبر الغرب وحده المدافع عنها».
ويظهر التوجه الجديد نحو تجييش العنصر النسائي، من خلال المخططات الإرهابية الأخيرة في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في فرنسا، وأحدها استهدف كاتدرائية نوتردام التاريخية الشهيرة بالعاصمة باريس، والكشف عن سيارة ملغمة بعبوة غاز خارج المبنى، مما أظهر تورط عدد كبير من النساء المتطرفات.
يتنافى هذا الحدث مع الصورة النمطية التي تعطي المرأة في «داعش» وكأنها عبارة عن عنصر مساند، أو مجرد انخراط في «جهاد النكاح» أو كزوجة لأحد المقاتلين. بات هناك نوع من التقارب سواء ما بين الأعمال التي يقوم بها كل من الرجل والمرأة، أو حتى في أسباب الالتحاق بالتنظيم. ويتجلى هنا بحث عن روح المغامرة بدموية مترفة بعيدًا عن التصور السائد للمرأة الباحثة عن السلام بعيدًا عن القتل والتدمير. على صعيد آخر، حسب موقع «قنطرة» للتحليل السياسي، فإن خطاب الكراهية المرتبط بـ«داعش» لا يستهدف «الغرب الكافر» أو «الشيعة الخونة» فحسب، وإنما هو يستهدف المملكة العربية السعودية كدولة، والنساء السعوديات بخطاباته، في محاولة لانتقاد أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية وشيطنة المجتمع ككل ليصبح المجتمع الداعشي وحده الملاذ الآمن والأمثل لتطبيق شعائر الدين، والحل لكل المشكلات التي يعانيها الفرد سواء كان يحمل احتياجًا اقتصاديًا أو نفسيًا، في محاولة لأحد عمليات وأساليب استقطاب النساء عبر التغرير بهن.

استقطاب الغربيات
وفي رصد لعدد من النساء الداعشيات الغربيات التي تعكس استراتيجيات التنظيم في استقطاب النساء، هي قصة «دالين»، وهي شابة أردنية في السادسة والعشرين من العمر، عانت من البطالة منذ عام 2011، وتواصلت مع عدد من المتشددين عبر موقع «فيسبوك» الاجتماعي. وصادقت فيما بعد امرأة تقطن مدينة الرقّة، وجرى لاحقًا تكثيف التواصل معها من قبل مؤيدين لـ«داعش» لما يزيد عن 500 رسالة تطلب منها الانضمام إلى التنظيم وقتل والدها وأخيها وعملاء لقوات الأمن، إضافة إلى ما يزيد عن 200 بث مرئي بصفة يومية لمشاهد دموية.
بعدها توجهت «دالين» فيما بعد إلى معسكر سري للتنظيم في تركيا، مع ما يزيد عن خمسين امرأة عربية، يتعرضن لغسل يومي لأدمغتهن عبر الجلوس أمام شاشة كبيرة تعرض بثًا مرئيًا دمويًا عنيفًا يدعو لقتل كل مَن يخالف معتقدات «داعش»، لمدة 14 شهرًا.
من ناحية ثانية، تبرز من خلال قصص النساء العربيات المنتميات لـ«داعش»، أهمية الدور العائلي كسبب أولي للانخراط في التنظيم. سواء لانتماء أحد أعضاء الأسرة للتنظيم أو لجماعات متطرفة أخرى، أو التأثر بأحداث إرهابية سابقة تورط بها أحد الأقارب في السابق. ويتجلى هذا في إعلان السلطات المغربية عن إحباط مشروع لإدماج العنصر النسائي في المغرب داخل تنظيم داعش، واعتقال عشر مغربيات بايعن أمير «داعش»، لديهن علاقات قرابة مع مقاتلين مغاربة في صفوف «داعش»، إضافة إلى مناصرين لجماعات متطرفة كان يجري التنسيق معهم لتنفيذ عمل إرهابي.
صلة القرابة هذه بالمتطرفين تعطي الداعشيات شعورًا بأن ما يقمن به هو أمر طبيعي وليس بعيدًا عن المألوف. وتفيد التحريات الأولية بأن المغربيات انخرطن في الأجندة الدموية لـ«داعش» من خلال سعيهن للحصول على مواد تدخل في صناعة العبوات الناسفة بغية تنفيذ عمليات انتحارية ضد منشآت حيوية مغربية، ما يظهر انخراطًا نسويًا في الأعمال الإرهابية التنفيذية، إلى جانب تكليف النساء المغربيات المعتقلات بمهمة تجنيد النساء.

.. واستقطاب العربيات
في هذه الأثناء، تظهر قصص الداعشيات السعوديات التحاقهن بالتنظيم تأثرًا بأحد الأقارب المتطرفين. وتعكس نماذج المتطرفات نقلة نوعية وابتعادًا عن الاكتفاء بالتستر على المتطرفين إلى انتقال شرس إلى التجنيد الإلكتروني، وعدم التورع عن تصنيع أو استخدام أسلحة ومتفجرات، بل والتسلل إلى أماكن القتال الداعشية.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك «أم أويس»، التي تعد أول داعشية سعودية، ولقد أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة بالسعودية حكمًا عليها بالسجن لمدة ست سنوات، لإدانتها بمبايعة «أبو بكر البغدادي» زعيم التنظيم الإرهابي، والتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع حسابات مرتبطة بالتنظيم، إضافة إلى إثارتها الفتنة وطباعتها منشورات متطرفة.
ويظهر تأثر هذه المرأة بخالها، الموقوف في سجن الطرفية منذ عشر سنوات، الذي ثبت انضمامه لـ«القاعدة». من جهة أخرى أدينت السعودية مي الطلق بالتواصل مع زوجها، وهو أحد المنضمين لصفوف «داعش» في سوريا والتستر عليه، والاتفاق معه باللحاق به في سوريا عبر التسلل إلى اليمن مع أبنائها وأخيها الذي يبلغ من العمر 15 سنة لينضم إلى خلية إرهابية تحوي 21 شخصًا، وهو يعد اليوم أصغر إرهابي يسعى إلى تجنيد أتباع صغار السن.
أيضًا تعد ندى القحطاني أول مقاتلة سعودية انضمت مع أخيها أحد المقاتلين في «داعش»، وقد أطلقت على نفسها مسمى «أخت جليبيب»، ولم تكترث لترك زوجها وأبنائها، بل ذكرت أن سبب انضمامها لـ«داعش» خيبتها بسبب تخاذل أغلب الرجال.
وهناك عبير محمد عبد الله الحربي، التي تشكل أحد الأمثلة اللافتة في الاختفاء خلف ستار الأنوثة، إذ أخفت حزامًا ناسفًا عند موضع قدميها بالسيارة، لتحاشي الاشتباه بها كونها امرأة، أثناء سفرها من العاصمة الرياض إلى منطقة عسير بمعية زوجها فهد فلاح الحربي، وهو الحزام الناسف ذاته المستخدم في عملية تفجير مسجد قوات الطوارئ الخاصة في عسير.
وفي موقف يظهر تجردًا من مشاعر الأمومة والغوص في التوحش، ساهمت خلود الركيبي في تجنيد شقيقها ناصر الركيبي وابنيها حمد ونصار الموسى، ممن أعلنت عنهم وزارة الداخلية أخيرًا. إذ قامت بتجهيز أحد أبنائها لتفجير نفسه في محافظة الأحساء، بالتنسيق مع وسيط من إحدى مناطق الصراع، ومباركة العمليات الإرهابية والتشجيع على الإتقان وفقًا للمستوى المطلوب والتوبيخ إذا ما وجد نوع من القصور. كما قامت بتقديم الدعم المادي واللوجيستي لـ«داعش». هذه النماذج تعكس خطورة تنظيم داعش لجهة قدرته على إقناع وتجنيد العنصر الأنثوي بأساليب وطرق تختلف حسب الوضع الاجتماعي أو النفسي لمن يحمل هشاشة وقابلية للتأثر والانضمام. وهذا واقع يلفت الانتباه إلى ضرورة إدراج النساء ضمن خطط مكافحة التطرف، من أجل خلق مجتمع متكامل يرفض العنف ويسعى للسلام.



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».