تمثل الدولة العثمانية إحدى أهم حلقات تطور التاريخ الإسلامي ليس فقط لأن سقوطها في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1922 مثّل نهاية مفهوم «الخلافة» في «الدولة الإسلامية»، بل لكونها - في زمانها - من أهم القوى على الساحة الدولية تاريخيًا. ولقد كان لقيامها أثر كبير للغاية على مسار التاريخ السياسي الدولي كما كان لمماتها أيضًا أثر مباشر على العالم الغربي والعربي على حد سواء بأشكال مختلفة. واللافت في أمر هذه الدولة أن احتضارها طال لفترة زمنية غير قليلة قدرها البعض بقرابة قرنين ونصف القرن من الزمان. إذ بدأ احتضارها التدريجي عندما ترهلت وصارت تلقب بـ«رجل أوروبا المريض» الذي لا تريد القوى العالمية المنافسة إعلان وفاته خشية تفشي الصراعات على إرثه السياسي. ولهذا السبب فإن تاريخ العثمانيين يمثل حلقة مهمة في التاريخ السياسي والإنساني، بما فيه من زخم لأحداث قصة صعود وهبوط واحدة من أقوى الإمبراطوريات في التاريخ.
واقع الأمر أن الدولة الإسلامية كانت قد تفتت فعليًا بحلول القرن الثالث عشر، لا سيما بعد الحروب الصليبية (حروب الفرنجة) خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي. إذ فقدت الخلافة العباسية سلطانها وانفرط عقد الدولة الإسلامية الموحدة خلال العصر العباسي الثاني، وخضعت الأراضي الإسلامية لدول مختلفة منها الفاطمية والأيوبية في مصر والسلجوقية في الأناضول وغيرها، وهو ما ساعد على توزيع السلطة بين هذه الدول دون وجود مركز موحد للدولة الإسلامية. وفي ظل هذه الظروف بدأت هجرات القبائل التركية من وسط آسيا، غربًا وتدريجيًا، وبدأ العنصر التركي يغزو الدولة الإسلامية سواء من خلال هجرات القبائل من بطش المغول ومن بعدهم التتار إلى هجرة الأسر التي شاء حظها أن تسيطر على مقاليد الأمور في بعض الدول، وهذا ما أدى إلى ظهور كيانات تركية متفردة على المستوى السياسي خاصة في الشمال مثل دولة السلاجقة. وضمن موجات الهجرات تقدمت إحدى القبائل التركية بقيادة رجل اسمه أرطغرُل نحو هضبة الأناضول (آسيا الصغرى). ويقال أنه أُناء زحفها شهدت معركة ضارية تدور بين المغول وجيش السلاجقة فقرر أرطغرُل أن يرمي بثقله مع الثاني، ولما كانت الغلبة لجيش السلطان علاء الدين السلجوقي، امتن السلطان كثيرًا لقوم أرطغرُل فمنحهم قطعة أرض بالقرب من مدينة إسكيشهر الحالية في تركيا، حيث استقرت القبيلة هناك بشكل أصبح واضحًا معه أنهم لن يغادروا هذا المكان الجديد.
تشير بعض المراجع التاريخية إلى أن هذه القبيلة لم تكن قد اعتنقت الإسلام بعد عند استقرارها في آسيا الصغرى، إلا أنها سرعان ما اعتنقته مثل باقي القبائل التركية التي هاجرت إلى الهضبة وغيرها من الأراضي الإسلامية. واستقرت هذه القبيلة والعشائر المُصاحبة لها في موطنها الجديد، ويُلاحظ هنا أن السلطان السلجوقي لم يسعَ إلى استخدام أفرادها ضمن جيوشه كما هي العادة، بل استخدمهم كـ«منطقة عازلة» يقي من خلال توطنها هناك مملكته بالوكالة من شر المغيرين، وهو ما ترك لهذه القبيلة الاستقلالية اللازمة تحت قيادتها الرشيدة لتطوير نفسها مع مرور الحقب.
ومن ثم سعى أرطغرُل تدريجيًا لجعل مدينته الجديدة مركزًا لتطوير قدراته من خلال نوع من الاستقلالية الممزوجة بالتسامح مع القبائل والمدن الأخرى، خصوصا المسيحية منها، إذ إن هضبة الأناضول كانت تموج بمدن مسيحية لا سيما أن الإمبراطورية البيزنطية ما كانت قد جُردت بعد من ممتلكاتها هناك، وكان اليونانيون الأرثوذكس (الروم) يمثلون نسبة لا بأس بها من السكان، وكانت علاقتهم بالقبيلة التركية الجديدة سلسة للغاية، وكان لهم تأثيرهم الكبير عليهم لا سيما في مجال الثقافة والفكر.
وبعد ذلك اتجهت القبيلة الجديدة إلى الاستقرار معتمدة الرعي والزراعة كمورد رزقها إلى جانب بعض التجارة. ومن ثم في أعقاب أرطغرُل تسلم ابنه عثمان الزعامة من بعده. وكان عثمان الذي تنسب إليه الدولة العثمانية رجلاً شجاعًا وحكيمًا ومدركًا لواقعه، ولكن الأهم من ذلك كله أنه كان يسيطر على طموحاته أيضًا. وبالتالي، عكف على تطوير علاقة القبيلة بما حولها من القبائل والمدن المختلفة متحاشيا التوسع العدواني الذي من شأنه استعداء من حوله، مفضلاً التوسع التدريجي لا سيما مع بداية ضعف دولتي السلاجقة والبيزنطيين على حد سواء. ولم يلبث أن وضع نصب عينيه ثلاثة مراكز أساسية كهدف استراتيجي وهي مدينة بورسا (بورصه) ونيقيا ونيقوميديا إلا أنه تمهل كثيرًا لتقوية الجيش الجديد الذي نما من أربعمائة مقاتل في عهد أبيه إلى أن أصبح بالألوف. كذلك نظم دويلته الصغيرة بشكل دقيق للغاية ونشر التسامح فيها ما عظم من سلطانه وسيطرته، وعكف الرجل لمدة 12 سنة يجهز ويناوش بحذر إلى أن بدأ التوسع الجدي بعدما اطمأن لقوته وصلابة جيشه الجديد وضعف من حوله. وعند هذه النقطة بدأ الصراع مع البيزنطيين في ما عرف بـ«كويون حصار» إلى أن هزمهم، ثم وجه قواته صوب الشمال لمدة سبع سنوات ليحصل على موطئ قدم على بحر مرمرة يفتح له سبل التجارة. وبعدها قرر التقدم نحو مدينة بورسا التي كان حلم القبيلة بأكملها أن تكون عاصمة الدويلة الجديدة، وبالفعل فتح جيش عثمان المدينة بالفعل في عام 1326 وهو على فراش مرضه الأخير، وبعدما توفّي نُقل جثمانه إليها وجرى دفنه هناك تكريمًا له، وأعلنت بورسا عاصمة للدولة العثمانية التي ولدت في هذا الظرف التاريخي الصعب.
أورخان بن عثمان، ابن الزعيم الراحل، خلف أباه ونهض بمهمة صهر الدولة العثمانية وتوسيعها، وهي المهمة التي تولاها بصلابة وحكمة واقتدار سائرا على نهج أبيه. ولقد كان انتقال الزعامة إلى أورخان، الذي ما كان الابن البكر لعثمان، لأن الأخ الأكبر علاء الدين كان رجلاً ورعًا وعالمًا زاهدًا لا مطمع له في الحكم. لذا لم يمانع بولاية أخيه الصغير، وساعد هذا الأمر على توحيد القبائل والدولة الفتية نحو مركز الحكم، فعكف علاء الدين على تولى المسائل الإدارية والفقهية تاركًا السياسة والحرب لأخيه السلطان الذي لم يتأخر كثيرًا لتوسيع رقعة الدولة بعدما سك العملة المركزية الجديدة باسمه وكون بلاطًا إداريًا منظمًا وقويًا ومركزيًا للحكم.
تعلم أورخان من أبيه السياسة والدبلوماسية وفنون الحرب على حد سواء، ومزج بينها بشكل مذهل جعله مع مرور الوقت يتوسع بأقل التكاليف من خلال التحالفات والحروب المختلفة، كما وجه السلطان الجديد جهده نحو تقوية الجيش المركزي ليغدو قادرًا على المواجهات المستقبلية، فركز على إدخال الانضباط في هذا الجيش وركز على تقويته، خصوصًا سلاح الفرسان الذي كفل له المناورة السريعة لا سيما أمام الجيش البيزنطي النظامي. كذلك وضع نظامًا استخباراتيًا قويًا كفل له التعرف على تحركات عدوه وصديقه في كل الخطوات.
وفي عام 1329 استولى السلطان أورخان على مدينة نيقيا المهمة بعدما فشل البيزنطيون في إرسال المدد المطلوب، وعامل أهلها من المسيحيين بالحسنى والرفق والتسامح المطلوبين لجعل دولته مركز جذب لباقي المدن المسيحية التي رأت في حكمه عدلاً لم تعهده كثيرًا مع الدولة البيزنطية الفاسدة. وسرعان ما وسع مملكته لتشمل مدينة نيكوميديا الاستراتيجية، محققًا حلم أبيه بالاستيلاء على الأهداف الاستراتيجية بفضل الحصار العسكري، إذ استطاع أن يطوق هذه المدن التجارية بمرور الوقت فدانت له دون مقاومة كبيرة، وهو ما سهل عليه مهمة استخدامها كمراكز تجارية دون عناء كبير خصوصًا مع اتباعه سياسة التسامح التي كفلت شروطًا ميسرة لأهل المدينة لم يروا معها مبرّرًا للمقاومة.
وهكذا نشأت الدولة العثمانية، متحولة من دويلة صغيرة يفضل التوسع الحكيم إلى قوة كبرى في غرب آسيا. ولم ينتهِ القرن الرابع عشر حتى كانت قد دخلت حلبة الصراع للسيطرة الكاملة على آسيا الصغرى وهو ما فتح المجال أمام تحولها من مجرد دولة إلى إمبراطورية في غضون قرن من الزمان كما سنرى في الأسبوع المقبل.
9:11 دقيقه
من التاريخ: مولد الدولة العثمانية
https://aawsat.com/home/article/755491/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D9%88%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9
من التاريخ: مولد الدولة العثمانية
من التاريخ: مولد الدولة العثمانية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

