6 سنوات سجنًا لداعشي ألماني عائد من القتال في سوريا

أصيب في إحدى المعارك ورجع إلى بلاده من أجل العلاج

هاري س. غاني الأصل من مدينة بريمن يحمل علم «داعش» في شريط فيديو للتنظيم الإرهابي («الشرق الأوسط»)
هاري س. غاني الأصل من مدينة بريمن يحمل علم «داعش» في شريط فيديو للتنظيم الإرهابي («الشرق الأوسط»)
TT

6 سنوات سجنًا لداعشي ألماني عائد من القتال في سوريا

هاري س. غاني الأصل من مدينة بريمن يحمل علم «داعش» في شريط فيديو للتنظيم الإرهابي («الشرق الأوسط»)
هاري س. غاني الأصل من مدينة بريمن يحمل علم «داعش» في شريط فيديو للتنظيم الإرهابي («الشرق الأوسط»)

أوقعت محكمة دسلدورف العليا حكما بالسجن لفترة 6 سنوات و9 أشهر بألماني (تركي الأصل) شارك مرتين في القتال في سوريا إلى جانب إرهابيي «داعش». وأدانت المحكمة كريم مارك ب. (23 سنة) يوم أمس بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي أجنبي والمشاركة في القتال إلى جانب تنظيم داعش في سوريا. وكان الدفاع طالب المحكمة بإخضاع المتهم إلى قانون الجزاء الخاص بالشباب، لأن عمره كان 21 سنة عند ارتكابه التهم الموجهة إليه. ودعا محامي الدفاع المحكمة لإنزال عقوبة أمدها سنتين بحق كريم مارك ب. (المكنى بأبي ذي الفقار) وإطلاق سراحه، لأنه أنهى نصف الحكم رهن التحقيق، ولأنه انضم إلى البرنامج الحكومي لإعادة تأهيل العائدين من الحرب مع الإرهاب، ولأنه أثبت حسن سلوكه خلال هذه الفترة. ورفض القاضي تطبيق قانون الشباب على المتهم، كما رفض في السابق تهمة «القتل العمد» التي وجهتها النيابة العامة إلى المتهم.
وأشار القاضي إلى أن كريم مارك ب. «إرهابي مقتنع»، بدليل تصريحاته في السجن الدالة على عدم ندمه عن جرائمه، ولأنه حاول في سجن دورتموند تجنيد المزيد من المتطوعين لصالح «داعش». وكان مارك ب. اعترف في المحكمة بأنه انضم إلى تنظيم داعش، وأنه اقسم الولاء لزعيم التنظيم المدعو أبو بكر البغدادي، إلا أنه نفى مشاركته في القتال والإعدامات. وأكد مارك ب. أنه انضم إلى وحدة قتالية يشكل البوسنيون معظمها، وقال في كلمته الأخيرة أمام المحكمة إنه انسلخ تمامًا عن التنظيم الإرهابي وأنه مقتنع الآن بالوقوف ضد التطرف الديني، إلا أن القاضي رفض تصديق ذلك. وعرضت المحكمة صورًا تظهر المتهم في سوريا مسلحًا ببندقية كلاشنكوف وقنابل يدوية. كما شهد شهود عيان، بعد اعتقاله، بقوله أمامهم أنه مقتنع بما فعل في سوريا، وأنه أيد الأعمال الوحشية التي ينفذها التنظيم في سوريا والعراق. استمع القاضي إلى مقاطع من محادثات على المواقع الاجتماعية يقول المتهم فيها إنه «كان يمكن أن يسقط في المعركة التي سقط فيها فلان»، و«سأبحث عن الموت» و«افرحوا إن سقطت في الميدان». وكتب أيضًا إلى أحد معارفه «شاركت في معركتين». وشهد أحد أقاربه أمام المحكمة بأنه سقط على رأسه أثناء إحدى المعارك، كما ترك وصية بحسب تعليمات تنظيم داعش. ولد كريم مارك ب. في دورتموند، ونشأ في كراننبورغ، وعاش حتى فترة التحاقه بالتنظيم الإرهابي في مدينة دسلدورف عاصمة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا. ونشط في تظاهرات وحملات «التوعية» التي كان المتشددون ينفذونها في مدن ولاية الراين الشمالي. وسافر إلى سوريا في سنة 2013 عبر تركيا والتحق بالتنظيم، وعاد في مطلع سنة 2014 إلى ألمانيا بسبب معاناته من التهاب فيروسي، وبسبب إصابته بشظية في قدمه. وسافر مجددًا بعد شفائه إلى سوريا ليعود مارس (آذار) 2015 إلى ألمانيا حيث تم اعتقاله مباشرة في مطار دسلدورف. وشهدت زوجته أنه كان يستعبدها في بيت الزوجية في دسلدورف، وأنها لم تمتلك يومًا مفتاحًا لباب المنزل. وقالت إن كريم مارك ب. غادرها في المرة الأخيرة قائلا إنه سيتزوج غيرها في سوريا وإنه لن يعود إلى ألمانيا.
على صعيد الإرهاب أيضًا عرضت القناة الثانية في التلفزيون الألماني (زدف) فيلما دعائيًا لتنظيم داعش لم يسبق للنيابة العامة أن شاهدته حول الشاب الألماني(الغاني الأصل) هاري س. الذي حكمت عليه محكمة هامبورغ حكمًا مخففًا لفترة ثلاث سنوات بتهمة الانتماء لتنظيم إرهابي. ويظهر الفيلم هاري س. بشكل آخر غير الشكل السلمي الذي صوره في المحكمة عن عدم مشاركته في القتال والإعدامات.
وكان الغاني الأصل، من مدينة بريمن، شاهدًا مرتين على تنفيذ أحكام إعدام في المدينة الأثرية تدمر. مرة عند تنفيذ أحكام إعدام بجنود سوريين نظاميين في سوق المدينة، وأخرى داخل آثار المدينة القديمة بالضد من جنديين آخرين. وفي عملية الإعدام الثانية يظهر هاري س. في فيلم فيديو دعائي عممه «داعش» بعنوان «سياحة الأمة» على الإنترنت وهو على متن شاحنة صغيرة حاملاً راية «داعش». ويدعي المتهم أنه شاهد عمليات الإعدام ولم يشارك فيها، وأنه لم يستخدم مسدسه أبدا، بل إن «وحشية» التنظيم الإرهابي هي التي دفعته للهروب من التنظيم «كي لا يلوث يديه بالدماء».
ويظهر الفيلم الجديد هاري س. وهو يقود مجموعة من الأسرى إلى ساحة الإعدام وهو يزعق بشعارات «داعش»، ويظهره وهو يعبئ مسدسه ويشهره تجاه رأس أسير ملقى على الأرض، لكن صورة إرهابي آخر تحجب مسدسه، ومن غير الممكن معرفة ما إذا كان قد أطلق النار أم لا.
وذكر خبراء الأسلحة لقناة التلفزيون الثانية أن الحالة في الفيلم ووضع المتهم يشي بأن هاري س.أطلق النار فعلاً. ويستنتج التلفزيون أن هاري س. كذب أمام المحكمة، وأنه كان مشاركًا في القتال والإعدامات. جدير بالذكر أن هاري س. كان أكثر الإرهابيين العائدين كشفًا للمعلومات خلال التحقيق معه، وإلى حد أن وزير داخلية هامبورغ طرح اسمه مرة كمثال على «التائبين» الذين يمكن لدائرة حماية الدستور(مديرية الأمن العامة) الاستفادة منهم في الحرب على الإرهابيين. وكان إجماع كل العائدين على أنهم لم يشاركوا في القتال، وأنهم لم يشاركوا في الإعدامات، موضع شك المحاكم الألمانية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...