هل تستعد أميركا لدورة جديدة من «الكساد العظيم»؟

المشكلة الأكبر في عدالة التوزيع وصعوبة توفير الدخل

عمال في احد المراكز قيد الانشاء عند الساحل الغربي في لوس انجليس الاميركية (نيويورك تايمز)
عمال في احد المراكز قيد الانشاء عند الساحل الغربي في لوس انجليس الاميركية (نيويورك تايمز)
TT

هل تستعد أميركا لدورة جديدة من «الكساد العظيم»؟

عمال في احد المراكز قيد الانشاء عند الساحل الغربي في لوس انجليس الاميركية (نيويورك تايمز)
عمال في احد المراكز قيد الانشاء عند الساحل الغربي في لوس انجليس الاميركية (نيويورك تايمز)

أخيرا حصلت الأسر العاملة الأميركية على ما يسد رمقها. حيث أعلن مكتب الإحصاء السكاني مؤخرا بعض الأخبار السارة التي طالما انتظرتها الطبقة العاملة الكادحة، فقد أرتفع دخل الأسرة متوسطة الحال بواقع 5.2 في المائة عام 2015، وهي أول زيادة حقيقية منذ عام 2007، وهو العام الذي سبق أزمة ركود الاقتصاد العالمي مباشرة.
كذلك ارتفع دخل الأسر الفقيرة العام الماضي، وتحديدا الخمس الأفقر بين السكان، بواقع 6.6 في المائة بعد ثلاث سنوات متصلة من التدهور، وتراجعت معدلات الفقر الرسمية بواقع 13.5 في المائة، مقارنة بنسبة 14.8 في المائة عام 2014، وهو التراجع الأكبر منذ نهاية الستينات من القرن الماضي.
الأرقام تبدو مشجعة، وتؤكد أن التعافي المتواصل للاقتصاد الأميركي، وإن كان بطيئا، بدأ يعود بالنفع على الجميع. وتتوافق الأرقام مع الأخبار الواردة من سوق العمل الذي يبدو وكأنه عاد لحال التماسك الذي كان عليه منذ زمن طويل، حيث عمت الزيادة الأجور الدنيا في جميع الولايات والبلديات.
فبحسب جاريد برنستين، المستشار الاقتصادي السابق لنائب الرئيس جوزيف بايدن: «يوضح ذلك أهمية قوة سوق العمل»، مضيفا: «إن كان الأميركيون في سن العمل سوف يتقدمون، فستكون الرواتب هي المؤشر على ذلك».
ورغم أن مثل هذه الأخبار الإيجابية تضعف من درجة تشاؤم المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب التي أطلق لها العنان بشأن الاقتصاد الأميركي، فهي ليست مبررا للمبالغة في الاحتفال بها أيضا.
«السؤال التالي هو لماذا استغرقت الأمور كل هذا الوقت كي تتحسن؟» بحسب أرلوك شيرمان، الخبير بـ«مركز الميزانية والأولويات السياسية» التحليلي ذي الاتجاه اليساري. وبحسب تعبير شيلدون دنجير، الخبير بمؤسسة روسيل دونجير، إنها لأخبار عظيمة أن ترتفع أجور الناس بواقع 1.5 في المائة، إلا أن الزيادة لا تزال أقل من تلك التي شهدناها في السبعينات من القرن الماضي.
الإجابة لا تشمل فقط تباطؤ النمو، بل التوزيع أيضا، فالمكاسب قد تتقاطر بالفعل على الوظائف الدنيا في أسفل سلم العمل، لكن الصورة لا تزال مائلة في ظل اتجاه الحصة الأكبر من المكسب لأصحاب الوظائف العليا. ففي حين أن دخل الخمس الأفقر من الأسر على امتداد البلاد قد ارتفع، بحسب أرقام مكتب الإحصاء، بواقع 3.4 في المائة، فقد احتفظ الخمس الأغنى بنسبة 21.8 في المائة من الكعكة، وهي نفس النسبة عام 2014.
ارتفعت دخول الأسر المتوسطة في الولايات المتحدة العام الماضي، إلا أنها لا تزال أقل من مستوي عام 1999، وعلى النقيض وفي أعلى السلم، زادت الأجور بنسبة أعلى بكثير.
«إذا هناك مشكلة في عدالة التوزيع»، وفق شيرمان، فمقابل التراجع خلال العقود القليلة الماضية، أكدت أرقام زيادة الأجور التي أعلنت مؤخرا الصعوبات التي واجهها الاقتصاد الأميركي لتحقيق تلك النسب لغالبية العمال كي يتحسن حالهم. فتقريبا في كل دورة اقتصادية متعاقبة، يحدث التطور أبطأ من الدورة التي قبلها.
فالبيانات التي أوضحت كيفية عمل الأميركيين خلال السنوات الست الماضية لتحقيق الانتعاش الاقتصادي أظهرت أن الدخل في وسط السلم، بحسب قياسات عام 2015، كانت لا تزال عند عتبة 1.6 في المائة بعد فترة الذروة السابقة التي بلغ دخل الأسرة فيها 57.423 دولار سنويا والتي تحققت عام 2007، وكان ذلك مباشرة قبل أن يغرق الاقتصاد فيما عرف بـ«الكساد العظيم».
فقبل أن يعاني الاقتصاد من الكساد عام 1969، لم يستغرق الأمر أكثر من ثلاث سنوات لتتعافى الأسر المتوسطة ويتحسن حالها بدرجة فاقت حتى فترة الذروة السابقة. وبعد الهبوط الذي حدث عام 1973، استغرق الأمر خمس سنوات كي يتعافى الاقتصاد، وبعد التراجع المتتالي للاقتصاد عام 1981 و1982، استمر الحال سبع سنوات قبل أن يتحسن.
وباستثناء التوسع طويل المدى الذي استمر من عام 1991 حتى 2000، فقد ساءت الأحول، وفشل النمو الاقتصادي خلال الفترة من نهاية 2001 حتى نهاية 2007 في توفير دخل للأسرة يفوق فترة الذروة السابقة التي تحققت في نهاية عهد الرئيس بيل كلينتون، بيد أن التوسع الحالي اليوم قد لا يصل لذلك المستوى.
اليوم، فإن دخل الأسر المتوسط لا يزال أقل من فترة الذروة التي تحققت عام 1999 بواقع 2.4 في المائة، وكان ذلك قبل ظهور موقع فيسبوك، وكانت أكبر مصادر أخبار الأعمال الموسيقية مواقع مثل «نبستار»، وكان «وادي السليكون» على وشك الظهور.
وفي أسفل السلم، فإن تلك الأسر التي تمثل نسبة العشرة في المائة – الأفقر من نسبة 90 في المائة المتبقية – لا تزال أفقر مما كانوا عليه عام 1989، فقد استطاع الأميركيون تطوير اقتصاد يعتمد على الإنترنت، وابتكروا مواقع التواصل الاجتماعي، وبنوا مركبات من دون سائق، بيد أنهم فشلوا في إصلاح حال هؤلاء القابعين في القاع.
هناك أيضا التغييرات التي بدأت عام 2013 في أسلوب سؤال القائمين على إحصائيات السكان عن طبيعة دخلهم بطريقة تفسد المقارنات مع السنوات القادمة. فبعد تعديل البيانات الخاصة بهذه التغييرات، وفق إليس غولد الباحثة بمعهد «السياسات الاقتصادية»، فإن دخل الأسر الأميركية المتوسطة استمر على انخفاضه العام الماضي بنسبة 4.6 في المائة أقل من المستوى الذي تحقق عام 2007، ونسبة 5.4 في المائة أقل من تلك التي تحققت عام 1999.
بالطبع، فإن أرقام مكتب الإحصاء فيما يخص الدخل والفقر لا تضاف إلى باقي العناصر التي تمثل عونا للأسرة. فعلى سبيل المثال، تشمل الأرقام «الدخل المادي» فقط، في حين أنها لا تضع في الاعتبار الدخل العيني المتمثل في الفوائد التي تمنحها الحكومة مثل قسائم السكن وبطاقات الطعام. لا تشمل الأرقام كذلك تأثير تجاهل الضرائب دخل الاعتمادات الضريبية، الذي يمثل عاملا مساعدا كبيرا للأسر ذات الدخل المتدني.
علاوة على ذلك، يجري تقييم خط الفقر الرسمي باستخدام سلة من الضروريات التي حددتها الحكومة في الستينات من القرن الماضي، وهي السلة التي لم يعد لأغلب محتوياتها وجود في حياة الناس اليوم. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، نشر مكتب إحصائيات السكان دليلا تحت اسم «مؤشر الفقر» مهمته مراقبة دخل ونفقات المواطنين الأميركيين. وبالرجوع إلى ذلك المؤشر، فقد تبين تراجع معدلات الفقر إلى 14.3 في المائة، وهي النسبة الأقل منذ بداية الإحصاء عام 2009.
وجادل المحلل سكوت وينشيب من معهد مانهاتن ذي الاتجاه اليميني في أن أرقام الدخل بعيد المدى مثل تلك التي ينشرها مكتب الميزانية بالكونغرس توحي بأن الأسر الأميركية في منتصف وأسفل سلم الرواتب لم يكن حالها سيئا في العقود الأخيرة. واختتم بأن أفضل استراتيجية لتحقيق الرخاء للطبقة العاملة من الأميركيين هي أن تركز على تطوير النمو الاقتصادي بكامله، إذ إن تثبيت مبدأ عدم عدالة توزيع الدخل من شأنه أن ينتج سياسات فاشلة، وفق سكوت.
وتوحي بيانات الإحصاء الحالية بأن النمو ربما يؤدي في النهاية إلى الرخاء لغالبية الأميركيين، وبأن استمرار عدم العدالة في التوزيع يشكل لب القصيد ومحور القضية.
وفي القاع، فقد تراجعت 60 في المائة من الأجور بنسبة أقل مما كانت عليه في الستينات والسبعينات. وكانت نسبة الزيادة 3.4 في المائة التي حققتها الخمس الأفقر من الأسر العام الماضي أقل من نسبة 5.8 في المائة التي تحققت عام 1974، فمع انكماش حصتهم مع كل دورة اقتصادية، فلن تكون مفاجأة أن يستغرقوا وقتا أطول للحصول على مكاسب في الدخل مرة أخرى، إذ لم يعد النمو وحده كافيا لينعموا بالرخاء، كما كان يحدث في السابق.
وعلى النقيض، فإن دخل الأسر من شريحة 5 في المائة العليا قد استفاد بدرجة كبيرة من التوسع الاقتصادي في الولايات المتحدة. ففي عام 2015، كان متوسط دخل تلك الأسر 350.870 دولار سنويا، بزيادة 4.9 في المائة عن عام 1999، و37.5 في المائة عن عام 1989.
وتوحي الوقائع التاريخية بأن التوسع الاقتصادي الأميركي الأخير استمر لفترة أطول، إذ أفاد لورانس سومرز، وزير الخزانة في عهد بيل كلينتون والمستشار الاقتصادي الكبير في فريق باراك أوباما الرئاسي في فترته الأولى، بأنه بناء على معطيات الواقع اليوم، فإن الولايات المتحدة سوف تغرس قدماها في الكساد خلال ثلاث سنوات. وفي يوليو (تموز)، وأفاد «دويتشه بنك» بأن احتمالية حدوث كساد خلال الشهور الاثني عشر القادمة قد قفزت بنسبة 60 في المائة، وهي النسبة الأعلى منذ عام 2008، في حين يرى بنك «جي بي مورغان» أن ذلك وارد بنسبة 37 في المائة.
باستثناء الأميركيين ممن هم في قمة السلم، يعنى هذا الوضع أن وعاء الشراب قد يزاح بعيدا قبل أن يشرع الحزب في ممارسة عمله.. وفي الحقيقة، ليست هذه هي الطريقة المثلى التي لإدارة الاقتصاد.
* خدمة «نيويورك تايمز»



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.