ابن كيران: علاقتي مع الملك مبنية على الطاعة في المعروف.. والنصح والتعاون

رئيس حكومة المغرب قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأصالة والمعاصرة» المعارض مجرد ظاهرة إعلامية

عبد الإله ابن كيران
عبد الإله ابن كيران
TT

ابن كيران: علاقتي مع الملك مبنية على الطاعة في المعروف.. والنصح والتعاون

عبد الإله ابن كيران
عبد الإله ابن كيران

بدا عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية ورئيس الحكومة المغربية، أكثر ارتياحا وهو يتحدث كعادته مع «الشرق الأوسط» بقلب مفتوح، ديدنه قول ما يجول في خاطره بصراحته المعهودة، والتأكيد أن لديه اليقين بأن حزبه سيتصدر المشهد الحزبي في اقتراع 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ويرجح أنه سيتجاوز نتائج انتخابات 2011.
وعزا ابن كيران ترشحه للانتخابات في مدينة سلا المجاورة للرباط إلى سبب واحد، هو رغبته في أن يمر بامتحان اختبار شعبيته في البلد كشخص وليس كحزب فقط، مشيرا إلى أن سكان سلا سيتجاوبون مع ترشحه، وهم متأكدون أنه إذا لم ينجح في الاقتراع ستكون حياته السياسية قد انتهت.
ومما يزيد في حالة الارتياح لدى ابن كيران إيمانه بأن الدولة تقوم على الثقة، وعدم اعتقاده بأن المغرب قادر على أن يسمح لنفسه التلاعب بأسس الدولة، مشددا على أن الذي يضمن ألا يكون هناك تزوير في الانتخابات، بعد الله، هو الملك محمد السادس، واعتقاده الراسخ أن «الأصالة والمعاصرة» المعارض حزب غير موجود سياسيا، وأنه مجرد ظاهرة إعلامية، موضحا أن السياسة ليست هي الرياضيات، لكنها تعلم المرء أن يبتلع بعض الأشياء، وأن الدرس الأساسي الذي استخلصته خلال السنوات الخمس الماضية هو أن الإصلاح عملية شاقة وطويلة، بيد أنه يبقى ممكنا. وفيما يلي نص الحوار.
* بعد مرور خمس سنوات من ولايتكم على رأس الحكومة المغربية. ما هي الدروس والعبر التي خرجتم بها من هذه التجربة، خاصة أنكم على أبواب اقتراع يوم 7 أكتوبر؟
- قبل ذلك كنت أتخيل أن المسؤولية صعبة، لكن حينما تبوأتها وجدتها أصعب مما كنت أتخيلها، ولكن في نفس الوقت تمكن من القيام بأشياء مهمة لصالح الوطن والمجتمع. والدرس الأساسي الذي استخلصته هو أن الإصلاح عملية صعبة وشاقة وطويلة، وبالتالي لا يجوز للذين يريدون الإصلاح أن يتخلوا ويتراجعوا عنه، بل يجب عليهم أن يستمروا فيه. الإصلاح دائمًا ممكن، ومنطق الإصلاح يجد دائمًا في النهاية من يستمع إليه. ربما لا يكون الجميع متفقا، لكن شخصا يتحمل مسؤولية مثل التي تحملتها يكون عنده هدف أساسي وأصلي، وهو أن يختم مشواره بطريقة إيجابية.
* حرصتم خلال السنوات الخمس الماضية على جعل علاقتكم بالملك محمد السادس علاقة تعاون وليست علاقة تنازع، وقلتم للمغاربة عقب توليكم رئاسة الحكومة من خلال «الشرق الأوسط» (إذا كُنْتُمْ تبحثون عن رئيس حكومة يتنازع مع الملك فابحثوا عن شخص آخر غيري). هل استطعتم تحقيق مبتغاكم المتمثل في التعاون مع الملك؟
- على كل حال، أنا ما زلت على رأيي. وأقول للمغاربة إنهم إذا كانوا يريدون شخصا يخاصم ملكه وينازعه فليبحثوا عن شخص آخر. فأنا لا أصلح لهذا. وأنا لا يمكنني أن اشتغل مع جلالة الملك إلا في إطار الضوابط الشرعية المبنية على السمع والطاعة في المعروف بطبيعة الحال، ومبنية على النصح والتعاون. وأود القول إنه في اللحظة الأولى من ولايتي الحكومية، لم يكن جلالة الملك يعرفني ولم أكن أعرفه. الآن تعارفنا والحمد لله، ولا أخفي أنه نشأت بيننا علاقة ودية.
* الملاحظ أن حملة حزبكم الانتخابية بدأت بخطاب هادئ غاب عنه ذكر كلمة «التحكم». هل كان لبيان الديوان الملكي الأخير المتعلق بتصريحات حليفكم نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقا) بشأن علاقة أحد مستشاري الملك بـ«التحكم»، تأثير على تخفيف حدة لغتكم خلال الحملة الانتخابية؟
- أي سياسي يسمع هذا البيان الذي كان موضوعه الأخ نبيل بن عبد الله المحترم، ويدعي أنه لم يكن له عليه أي تأثير لا يمكن أن يكون إلا كاذبا. وبطبيعة الحال فقد كان لهذا البيان تأثير علي، ولا أخفي أن حدة الكلام عن «التحكم» خففت منها إراديا، واعتبرت أن ما قيل بشأنه في السابق فيه كفاية.
* تقصد أن الرسالة وصلت من الجانبين؟
- نعم الرسالة وصلت من الجانبين. وأجدد القول إنه لا يمكن لشخص يتحمل مسؤولية مثل مسؤوليتي (رئاسة الحكومة) أن ينكر أن مواقف وبلاغات (بيانات) جلالة الملك ليس لها أثر. هذا غير معقول.
* أنتم تترأسون حكومة ائتلافية تختلف فيها القناعات والأفكار السياسية وحتى الأمزجة. فكيف دبرتم هذا الموضوع خلال السنوات الخمس في ظل المتناقضات الموجودة داخلها، رغم حالة الانسجام الظاهري الموجود؟
- لم يكن انسجاما ظاهريا، بل كان انسجاما حقيقيا. بالفعل كان هناك قليل من التوتر مع السيد صلاح الدين مزوار (رئيس التجمع الوطني للأحرار ووزير الخارجية). وما كان يخفف من حدة هذا التوتر هو أن السيد مزوار كان لا يحضر اجتماعات الحكومة إلا قليلا. بيد أن هذا التوتر لم يكن توترا شديدا. ففي بعض الأحيان كان يقع هناك بعض الاحتكاك مع بعض الإخوة الوزراء حول بعض الأمور، لكن في النهاية فإن الطريقة التي دبرت بها تسيير الحكومة كانت مبنية على الثقة في الوزراء وكفاءتهم. كما أنهم كثيرا ما كانوا يرجعون إلى حينما يكونون في حاجة إلي. وكنت دائمًا أحاول أن أسهل لهم الأمور حتى أن عزيز أخنوش (وزير الفلاحة والصيد البحري) كان يسميني «المسهل». وهذا هو ما ساعد على الحفاظ على هدوء الجو العام للحكومة، والحفاظ على التفاهم والانسجام سواء في الحكومة الأولى، التي شارك فيها حزب الاستقلال حتى آخر يوم، أو في الحكومة الثانية التي شارك فيها التجمع الوطني للأحرار. وبطبيعة الحال فحكومة مثل هذه لا بد لها أن تأخذ بعين الاعتبار بعض الخصوصيات، ومثال على ذلك هل يمكن اعتبار وزارة الداخلية وزارة عادية؟ هي وزارة لها وزنها ومكانتها الخاصة. وقد كنا في بعض الأحيان نتدافع قليلا، من جهتي ومن جهتهم، لكن عموما مرت الأمور بسلام.
* على ذكر وزارة الداخلية. كيف كنت تتلقى مثلا قيام الوزارة بإصدار قرار يمنع تجمعا خطابيا لحزبك وأنت رئيس حكومة ورئيس وزير الداخلية. وكيف كنت تتعامل مع هذا النوع من التصرف؟
- السياسة ليست هي الرياضيات. صحيح أنا رئيس وزير الداخلية، لكن ليس لأنني رئيس وزير الداخلية فإن كل قراراته يجب أن أنظر إليها بنفس الطريقة. فهي قرارات مختلفة حسب التقدير الذي أقدر. قد يكون التقدير صحيحا وقد لا يكون كذلك. ولكي أقدر حقيقة الأمور علي أن أعرف ما هو مصدرها الحقيقي، ولماذا وماذا سينتج عنها؟
السياسة تعلم المرء أن يبتلع بعض الأشياء، ذلك أن استمرار الحكومة وصورة المغرب في الخارج يقتضيان تقديم تضحيات، وإذا لم يكن المرء مستعدا لها فمن الأحسن ألا يقرب هذه المسؤولية. واليوم مهما قيل ويمكن أن يقال عن هذه الحكومة فإنها أكملت خمس سنوات كاملة، وهذا شيء جيد جدًا بالنسبة لصورة المغرب في الخارج، ودليل على أنه دولة مستقرة.
* في نظركم ما هو أكبر خطأ ارتكبتموه خلال السنوات الخمس الماضية وندمتم عليه الآن؟
- بكل صراحة الأمر لا يتعلق بخطأ. ربما لم أفهم في بداية ولايتي الحكومية نوعية العلاقة التي يجب أن تربط الحكومة بمستشاري جلالة الملك، وعبرت عن هذا الشعور السلبي بالقول إنني لم أستطع أن أربط مع المستشارين علاقات تعاون، وجاء تنبيه وضع الحدود. آنذاك فهمت ما هي الحدود.
* ما هي؟
- الحدود تكمن في أنه ليس لي علاقة مع مستشاري الملك. المستشار يشتغل مع جلالة الملك، وأنا أشتغل مع جلالة الملك. وحينما يريد جلالة الملك أن يكلف مستشارا للاتصال بي يكلفه بذلك، وأنا بدوري لا يمكنني أن أتصل بأحد مستشاري الملك إلا بعد أخذ الأذن من جلالته. فهذا بينهما برزخ لا يبغيان. وبالتالي يمكن اعتبار ما صرحت به بشأن العلاقة مع المستشارين خطأ كلفني كثيرا لأنني كنت مضطرا لأن أعتذر لجلالة الملك، وأعتذر أيضا لمستشاريه. لكن بغض النظر عن هذا الأمر لا أتذكر أن هناك شيئا أعتبره خطأ. بعض الأشياء يمكن أنها كانت صحيحة وبعضها لم تكن صحيحة، لكنني أنظر على العموم إلى المسار، ولله الحمد، نظرة إيجابية.
* ترأس الملك محمد السادس أخيرا في طنجة اجتماعا لبحث موضوع الطاقة، وهو اجتماع حضرته أنت والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة ووزراء آخرون، وهو اجتماع يأتي بعد صدور بيان الديوان الملكي حول تصريحات نبيل بن عبد الله. فهل تذاكرتم سياسيا على هامش الاجتماع مع المستشار عالي الهمة؟
- بالفعل كان اجتماعا برئاسة جلالة الملك حول موضوع الطاقة. والتواصل بيني وبين السيد فؤاد عالي الهمة لم يتجاوز المصافحة.
* يرى كثير من المراقبين أن السباق الانتخابي الآن يكاد يبدو في الظاهر سباقا بين حزبكم (العدالة والتنمية) وحزب الأصالة والمعاصرة. كيف تنظرون إلى هذا الأخير؟ هل تنظرون إليه كمنافس حقيقي لكم أم مجرد حزب خارج من قمقم التحكم، كما دأبتم على اعتباره؟
- أنا أريد أن أسالك. أين وجدت أنت حزب الأصالة والمعاصرة. هل هو موجود في الساحة؟ في الشارع؟ إن تجمعاته الانتخابية إما فارغة أو يحضرها أشخاص يلبسون جميعا بدلة الحزب. وهذا معناه أنهم مستخدمون عند الحزب بشكل أو بآخر. إن حزب الأصالة والمعاصرة غير موجود سياسيا. هو موجود إعلاميا فقط.
* تقصد أنه ظاهرة إعلامية فقط ؟
- نعم. ينفخ فيه، يزمر ويطبل له. يجمع له رجال الأعمال. يساند من هنا ومن هناك. وبالتالي فهو كما قلت خرج من قمقم التحكم وما زال يستفيد منه. هذه هي قناعتي. فأنا لا أجد أمامي من الناحية العملية والواقعية حزب الأصالة والمعاصرة. كان من المفروض في حزب سياسي طبيعي، بعد أن افتتحت الحملة الانتخابية لحزبي بمهرجان خطابي شارك فيه 20 ألف شخص، أن ينظم هو أيضا مهرجانا خطابيا في مدينة أخرى بمشاركة 20 أو 25 ألف شخص. وهو الأمر الذي لم يقع، ومثل هذه الأشياء غير موجودة، وبالتالي فهو حزب غير موجود. هذا الحزب فرض نفسه من خلال الإعلام والمال والناخبين الكبار. وهذه أشياء أعترف أنه يهزمنا فيها. فنحن في حزبنا نعول على الناخبين الكبار المناضلين، وهم بطريقة معجزة يكون عندهم سبعة أو ثمانية مستشارين فيصوت عليهم بقدرة قادر 40 مستشارا. هل يعطونهم أموالا؟ هل يقومون بتخويفهم؟ لا أدري؟ لكن هذا هو الواقع.
السيد الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي هو أيضا رئيس جهة (جهة طنجة - تطوان - الحسيمة) فاز في انتخابات 2015 بـ171 صوتا حصل عليها في دوار (قرية صغيرة) بمنطقة الريف، كان فيه المرشح الوحيد. فيكف حصل على ما حصل عليه؟ نحن الذين كانت عندنا الأغلبية في الانتخابات الجهوية (32 صوتا)، بينما هو عنده (31 صوتا)، أصبح عنده 40 صوتا ونحن عندنا 20 صوتا. وبنفس الطريقة حصل حزب الأصالة والمعاصرة على رئاسة مجلس المستشارين، وبنفس الطريقة أخذ جهة بني ملال - خنيفرة، حتى إن حزبا متحالفًا معنا رشحناه لرئاسة الجهة، لكن أعضاء هذا الحزب صوتوا على حزب الأصالة والمعاصرة. هم يملكون أساليب في استقطاب الناخبين الكبار ليست عندنا. لكن الآن نحن سننزل إلى الشعب، وأنا بصراحة لا أرى هذا الحزب في الشعب. وكما سبق أن قلت فهو موجود في التلفزيون والإذاعات لكن عمليا هو غير موجود. ثم حتى من الناحية الجغرافية، وبغض النظر عن مدينة الحسيمة التي أعرف جيدا اين توجد، فإن حزب الأصالة والمعاصرة غير معروف أين يوجد. يقال في البوادي ولكننا لا نعرف له عنوانا حقيقيا. هو غير موجود في أي مدينة كبيرة، وحتى مدينة وجدة لم يستطع أن يسيرها رغم أنه فاز فيها بالمرتبة الأولى، حيث كان مضطرا للتحالف مع حزب الاستقلال الذي ما زال يسيرها حتى الآن. إذن ًفلنقلها بصراحة. هذا حزب مدعوم.
* من يدعمه؟
- مدعوم من قبل جهات ما، ويعيش بهذا الدعم. ويوم سيسحب منه هذا الدعم سيسقط على الأرض.
* في انتخابات 2011 أعلنتم عن توقعاتكم بالفوز بـ70 مقعدا وفزتم في الاقتراع بـ107 مقاعد. الآن ما هي توقعاتكم بشأن اقتراع 7 أكتوبر؟
- صحيح في 2011 كنت توقعت في بداية الحملة الانتخابية أننا سننال 70 مقعدا، وأعتقد أن آخر رقم توقفت عنده هو 90 مقعدا أو المائة مقعد، لأنه أثناء الحملة الانتخابية بدأت تظهر لي آنذاك علامات الانتصار. وهذه المرة الأمر مختلف، لأنه في2011 بدأت الحملة الانتخابية وتصاعدت. أما الآن فمنذ بداية الحملة أشعر بحماس منقطع النظير في الحزب والمجتمع. إن الذين حضروا تجمعاتنا، ولا أتكلم هنا عن الـ20 ألفا الذين حجوا إلى المركب الرياضي في الرباط، بل أتكلم عن مراكش التي كنت أترقب أن يحضر مهرجاننا الخطابي فيها ما بين 2000 و3000 شخص. لا أدري كم عدد الذين حضروا في مراكش، لكن عددهم كان من دون شك أكثر من المتوقع بثلاث أو أربع مرات، وفي مكان صعب جدًا وضيق. لذا أتوقع أننا سنتصدر المشهد الحزبي، وسنكون في المراتب الأولى. وفيما يخص العدد فإنه من الصعب الحديث عن رقم، لكن المرجح أننا سنتجاوز نتائج 2011.
* وحدكما أنت وحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال من بين قادة الأحزاب ترشحتما للانتخابات. إلى ماذا ترجعون عدم ترشح الكثير من قادة الأحزاب للانتخابات، وما هي الأسباب التي دفعتك للترشح؟
- كل واحد له أسبابه في عدم الترشح. لكنني ترشحت لسبب واحد هو أنني أردت أن أمر بامتحان اختبار شعبيتي في البلد كشخص وليس فقط كحزب. فقلت سأتوجه إلى السلاويين (نسبة إلى مدينة سلا المجاورة للرباط) الذين أوصلوني إلى قبة البرلمان في المرة الأولى، وأعيد اقتراح نفسي عليهم، وهذا ما فعلته. وأظن أن السلاويين يتجاوبون مع ترشحي، وهم متأكدون أنني إذا لم أنجح في اقتراع 7 أكتوبر ستكون حياتي السياسية قد انتهت. الأمور واضحة.
* تتوقعون أن يتجاوز حزبكم عدد المقاعد المتحصل عليها في 2011، ألا تخشون أن تؤثر العتبة الانتخابية بعد تخفيضها من 6 في المائة إلى 3 في المائة على نتائجكم؟
- تخفيض العتبة كان مطلبا ملحا لوزارة الداخلية، ومطلبا للأحزاب السياسية كذلك. ورأيت من الناحية السياسية أنه من الأجدى عدم الوقوف ضد تخفيض العتبة الانتخابية فتنازلت. أظن أن النجاح في الانتخابات تؤثر فيه التقنيات، لكن أساسه هو هل التيار قوي أم ضعيف. فإذا كان قويا فهذا كله لا ينفع، فقد نفقد مقعدا أو اثنين أو ثلاثة، وإذا كان التيار ضعيفا فإنه لن يصعد بك كثيرا. وتقديري أن أثر تخفيض العتبة على نتائج الحزب سيكون جد محدود.
* هناك حديث عما يسمى ب» الخط الثالث» و«الطريق الثالث» الذي تجسده «فيدرالية اليسار الديمقراطي». كيف تنظرون إلى هذه الحركية الجديدة في المشهد السياسي المغربي كأمين عام لحزب العدالة والتنمية ورئيس للحكومة؟
- «فيدرالية اليسار الديمقراطي» هم خصوم آيديولوجيون، ولكني أظن أنهم أناس جادون. فعلى الأقل سيكون معنا لاعبون جادون لأننا ضد الإقصاء. الديمقراطية حلبة كلما دخل إليها كل الفاعلين في المجتمع يكون هذا الأخير مؤمنا ضد المجهول. فمن لديه ما يقول فليتفضل لقوله، ومن لديه ما يعمل ويقترح فليتفضل. والديمقراطية هي التي تفرز وتحسم في الأمر. هذا حزب صغير جدًا ليس له أي نائب في البرلمان السابق. قد يدخل الآن إلى البرلمان ويحصل على عدد من المقاعد النيابية. وهذا شيء إيجابي. صحيح لا أتمنى لهم أن يفوزوا بالمرتبة الأولى لأنهم خصوم حزبي، ويعبرون عن هذه الخصومة بشراسة مبالغ فيها رغم أنني لا أرغب في الحديث عنهم بسوء، وبالتالي حينما نكون جميعا تحت قبة البرلمان سنرى كيف نرتب هذا الأمر. ومع ذلك فإن هناك شيئا جادا قادما من المجتمع. إن مشكلة السياسة في بلادنا الآن هي الكراكيز (الدمى المتحركة)، وقد آن الأوان للتخلص منها، لأن هؤلاء يتغيبون، وعندما يحضرون يكونون ضعافا وهزيلين ويضحكون علينا الناس. هذه هي المشكلة. ومن ثم فأنا مع أن لا يظل أي كان خارج قبة البرلمان، وأن تدخل إليه جميع التيارات السياسية، ولهذا السبب رشحنا السيد حماد القباج لأننا نعتبر السلفيين جزءا من المغرب وجزءا من المغاربة. فأن يكونوا حاضرين في البرلمان أحسن من أن يكونوا خارجه. ففي البرلمان سيراهم الناس وسيسمعون ما سيقولون، وبالتالي إما ستصعد شعبيتهم أو ستنزل، وآنذاك سيكونون مضطرين لأن يعتدلوا. ونكون بذلك نقترب من جو ديمقراطي يقطع الطريق أمام كل تشدد، لأنه من أين يأتي التشدد التطرف والإرهاب؟ الجواب هو الإقصاء. فالشخص الذي لا يجد نفسه في مؤسسات الدولة والمجتمع يبحث عن طرق أخرى، ولهذا فإن اندماج هؤلاء في المشهد السياسي، وقيامهم بتغطية عدد كبير من الدوائر الانتخابية شيء إيجابي. وأظن أن نتائجهم ستكون أحسن من المرات الماضية.
* أنت الآن مشرف على تنظيم الانتخابات، ووزارتا الداخلية والعدل تقومان بالإشراف الفعلي والميداني. ألا تتخوفون من التزوير أم أن عهد التزوير ولى إلى غير رجعة؟
- الدولة تقوم على الثقة، والذي يضمن ألا يكون هناك تزوير بعد الله هو جلالة الملك، الذي لديه مواقف رسمية وعلنية في هذا الصدد. لقد تناولنا في الحكومة الحديث بشأن ذلك مع وزير الداخلية، الذي قال إن جلالة الملك يتابعه بشأن نزاهة الانتخابات بقوة. ومن ثم لا يمكن أن نشارك في الحكومة والبرلمان ونظل نردد مثل هذا الكلام. طبعا الكل يرى ماذا يقع. ولم يعد هناك شيء قابل للاختباء. لهذا نحن نعتمد على هذه الثقة التي بنيت عليها البلاد، ولا أعتقد أن بلادنا قادرة على أن تسمح لنفسها بالتلاعب بأسس الدولة. هل تعرف أن أساس الدولة الأول هو الثقة قبل المال والرجال، وهذه مقولة ليست لي بل لكونفوشيوس وعليها إجماع في العالم. يجب أن نكون واضحين ونذهب ونشارك. طبعا أنا كما قال جلالة الملك، يقع الإشراف على الانتخابات تحت سلطتي ومسؤولية وزارتي الداخلية والعدل، لكن الفاعل الأساسي في كل هذا هي وزارة الداخلية. ووزارة العدل هي شريك لكن في حدود. وأنا مسؤول من خلال قيامي بالتحكيم حينما يكون هناك أشكال، ولكن هذا الشيء كله نحن قبلناه، ومن يقبل مسارا يمضي فيه حتى النهاية. فالكل يراقب ويتابع وحينما يكون هناك شيء ليس على ما يرام فإننا نثير الانتباه إلى ذلك.



مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
TT

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)

بالتزامن مع احتدام التنافس على التأثير في الرأي العام والمعركة الدعائية الموازية للتصعيد العسكري، اشتكي عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الموالين للجماعة الحوثية في اليمن من تردي أحوالهم المعيشية، وطالبوا بتوفير دعم مالي وخدمات مجانية أو مخفضة، مثيرين نقاشاً بين مؤيدي الجماعة ومناهضيها حول استحقاق الدعم والتهكم على مواقفهم.

وتتجاوز المطالب توفير المال إلى الدعوة لإنشاء إطار مؤسسي ينظم أوضاعهم، وتخفيض تكاليف الإنترنت، وتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، في حين كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدداً منهم رفعوا مذكرة احتجاجية إلى قيادات إعلامية في الجماعة، اعترضوا فيها على تراجع المخصصات الممنوحة لهم، مقابل مضاعفتها لآخرين.

وحسب المصادر، فإن المذكرة الاحتجاجية أشارت إلى مضاعفة المستحقات المالية للناشطين والمشاهير المنتمين إلى المناطق التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، بينها مديريات في الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز، والذين رافقوا وصول قواتها إلى بلداتهم وقراهم وسعوا للتواصل مع السكان في محاولة لتطبيع الأوضاع.

وبينما عبّر مقدمو المذكرة عن استيائهم مما عدّوه تفاوتاً في توزيع المخصصات المالية، ودعوا إلى إعادة النظر في آلية الدعم، بينت المصادر أن القادة الحوثيين ردّوا عليهم بشكل مباشر بمبررات متعددة، بينها أن الناشطين الذين رافقوا وصول الجماعة إلى مناطقهم يؤدون مهامَّ غاية في الأهمية، وذكَّروهم بالصعوبات المالية التي تواجهها الجماعة.

الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

وتعرضت الجماعة لاستنزاف مواردها بعد عقوبات مالية واقتصادية أميركية عليها، إلى جانب استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي عدداً من المنشآت الاقتصادية الخاضعة لسيطرتها، مثل موانئ الحديدة ومصانع الأسمنت.

ولم يتسنَّ للمصادر معرفة تفاصيل المذكرة أو أسماء مقدميها وحجم ونوعية الدعم المطلوب.

أجر لكل منشور

برز في الآونة الأخيرة عدد من الانتقادات لتعامل الجماعة مع إعلامييها والمشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف أحدهم، ويُدعى محمد قاطن، عن طريقة التعامل المالي التي باتت الجماعة تنتهجها معهم، بعد أن طالب اللجنة الإعلامية الحوثية في صنعاء ومسؤولين فيها بتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، بدلاً من احتساب المقابل المالي لكل منشور على حدة.

وقال الناشط الموالي للجماعة في منشور على «فيسبوك»، إن على الجهات المعنية أن تدعم مشاهير التواصل، أو تنشئ لهم مكتباً إعلامياً أو نقابة تتولى رعاية أوضاعهم، داعياً أيضاً إلى توفير خطوط إنترنت مجانية عبر مؤسسة الاتصالات، أسوةً بما قال إنها امتيازات يحصل عليها موظفون في المؤسسة.

قادة حوثيون سخروا من مطالب الناشطين الموالين لهم بتحسين أوضاعهم (إعلام حوثي)

واشتكى آخر من أن بعض المشاهير يتحملون تكاليف الإنترنت من أموالهم، في حين لا يجدون دعماً يتناسب مع نشاطهم، منتقداً محاسبتهم على المنشورات كما لو أنهم يعملون بنظام اليومية.

ويبين هذا الطرح المفارقة في طبيعة العلاقة بين الجماعة الحوثية ومشاهيرها في منصات التواصل؛ فبدلاً من تقديم الدعم الثابت لهم، يتحدث عن آلية احتساب المقابل وفق المنشور، بما يجعل النشاط أقرب إلى العمل بالقطعة أو الأجر اليومي أو المقاولة.

كما طالب ناشط حوثي آخر، وهو هاشم الحيفي، بتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مخفضة أو مجاناً، لكون ذلك لن يشكل عبئاً كبيراً إذا اقتصر على بضع مئات من العاملين في هذا المجال، في حين حذر زميل له من أن عدم الالتفات إلى تلك المطالب سيُضعف الجماعة أمام خصومها إعلامياً وعسكرياً، وسيمكّن الحكومة الشرعية من الوصول إلى «جولة آية»، وهو تقاطع شوارع شهير شمال العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مطالب متكررة

وصف حسين الأملحي، وهو أحد المشاهير الحوثيين، الجماعة بأنها «أبخل سلطة» تحكم صنعاء، مطالباً بتوفير الأموال للإعلاميين والممثلين والناشطين حتى يتمكنوا من التفرغ للعمل الإعلامي في مواجهة ما وصفه باتساع النشاط الإعلامي المناهض للجماعة.

ودعا إلى إسناد إدارة المنظومة الإعلامية إلى شخص قادر على تشغيلها، مع تخصيص ميزانية مناسبة لها، في انتقاد لطريقة إدارة هذا الملف وحجم الموارد المتاحة له.

وكان الأملحي، وهو أحد أبرز مشاهير الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر باستخدامه عبارات نابية وألفاظاً خارجة عن اللياقة في مهاجمة خصوم الجماعة، قد تعرض قبل عامين للاعتقال لمدة تقارب الشهر، بعد حديثه عن فساد في المحاكم ومؤسسات القضاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وأيَّد ناشط حوثي يكنّى «أبو غيث» تلك المطالب بالدعوة إلى تخفيض أسعار الإنترنت أو توفير باقات خاصة تتيح للمشاهير التواصل ومواصلة نشاطهم على نفقتهم، مشتكياً من ارتفاع تكلفة الباقات وبطء الخدمة، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منشوراته، حتى من خلال الإعجاب أو المشاركة.

وشدّد الناشط المكنَّى أبو طه البدري، على أهمية الحرب النفسية والإعلامية والدعاية في الصراع، داعياً قيادة الجماعة إلى إدراك الدور الذي يؤديه مشاهير مواقع التواصل وتقديم الدعم الكافي لهم، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين.

الحوثيون يفضلون دعم الناشطين الميدانيين المرافقين للمقاتلين (إعلام حوثي)

ولاقت مطالب الأملحي تأييداً من بعض الموالين للجماعة، لكنها قوبلت أيضاً بسخرية من آخرين رأوا أن البحث عن مقابل مادي للعمل الإعلامي لا تتناسب مع ما يقدمه المقاتلون في الجبهات، حيث يخسر بعضهم حياتهم، مطالبين مشاهير التواصل بالعمل مجاناً باعتبار ذلك، وفق خطابهم، أحد أشكال الجهاد.

وفي المقابل، سخر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المطالب، متهمين أصحابها بتأييد جماعة تحارب اليمنيين وتنهب أموالهم ومقدرات الدولة من دون مقابل، مستغربين أن يقبل هؤلاء على أنفسهم بأداء تلك المهام وباستعداء المجتمع من دون أن يحظوا بامتيازات مالية، ويحصلوا بدلاً عنها على الازدراء.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد شكاوى فنانين وإعلاميين موالين للجماعة من تردي أحوالهم المعيشية، واتهموها بعدم الوفاء بالتزاماتها لهم وتركهم رهناً للمعاناة، مقابل إثراء فاحش لقادتها، وتعرض عدد منهم للاعتقال أو حملات الإساءة بسبب تلك الشكاوى.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها العاشر، الأربعاء، وسط استمرار المواجهات الأعنف في جبهات محافظة تعز (جنوب غرب)، إضافة إلى جبهات مأرب، والجوف، مع اشتداد الضربات الجوية والبرية التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين المدعومين من إيران، وقطع خطوط إمدادهم، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية، وموجات النزوح، وتتفاقم الضغوط على المستشفيات، والأسواق، والخدمات الأساسية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2200 عملية استهداف دقيقة، بمشاركة الطيران الحربي، والمسيّر، ومدفعية الميدان، والراجمات، ووحدات القناصة خلال 24 ساعة، وقالت إن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد نحو 1200 عنصر حوثي، وتدمير وإعطاب أكثر من 440 آلية وعربة ووسيلة عسكرية في مختلف محاور القتال.

وأوضح الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، أن العمليات ركزت على مراكز القيادة والسيطرة، والتحصينات، ومصادر النيران، ونقاط المراقبة والاستطلاع، إضافة إلى مناطق الحشد، ومستودعات الأسلحة، والذخائر، ووسائط النقل، والإمداد، والأهداف العسكرية التي وصفها بأنها عالية القيمة.

وأضاف أن القوات الحكومية واصلت تطوير عملياتها الهجومية في الجبهتين الشرقية، والجنوبية، محققة تقدماً ميدانياً تحت إسناد نيراني مكثف، فيما استهدفت الضربات في تعز تجمعات المقاتلين، والتعزيزات الحوثية، بهدف تعطيل قدرتها على إسناد مواقعها، وإعادة تنظيم صفوفها.

وتقول مصادر ميدانية إن الجماعة تتكبد يومياً خسائر بشرية تشمل قتلى، وجرحى، وأسرى، بينهم قيادات ميدانية، حيث تشير التقديرات إلى خسارة الجماعة نحو 15 ألف عنصر بين قتيل وجريح خلال 10 أيام، بينما لا تعلن الجماعة حصيلة شاملة لخسائرها.

معارك متعددة الجبهات

في تعز، تركزت المواجهات خلال الساعات الأخيرة في جبهات جنوب المدينة، وشرقها، وغربها، مع تجدد الاشتباكات في الأقروض، حيث أفادت مصادر عسكرية باندلاع معارك في مناطق الصراري، وذي البرح، وضحيح، عقب محاولات حوثية لمهاجمة مواقع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن القوات الحكومية أجبرت المقاتلين الحوثيين على التراجع من منطقة الصراري في مديرية صبر الموادم، فيما استهدفت غارات جوية تجمعاً ومقراً تابعاً للجماعة في منطقة الحوبان شرقي المدينة.

صورة ليلية لمدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (فيسبوك)

وفي الجبهة الغربية، استمرت المواجهات في محيط جبل هان، والصياحي، وجبل حذران، ضمن نطاق جبهة الضباب المطلة على الطريق الرئيس المؤدي إلى المدينة. وامتدت الاشتباكات إلى جبهتي الشقب، والأقروض جنوب شرقي تعز، وذلك بالتزامن مع احتدام القتال في مناطق المحاولة، والأغابرة ضمن محور الوازعية، جنوب غربي المحافظة، واستمرار المواجهات في جبهة المضاربة بمحافظة لحج المجاورة.

وتعمل وحدات الهندسة العسكرية، وفق البيان الحكومي، على إزالة الألغام والعبوات الناسفة من المواقع المستعادة في الجبهة الغربية، وتأمين الطرق، والممرات، في مسعى لحماية المدنيين، وتسهيل عودتهم إلى المناطق التي غادروها.

قرار مواصلة العملية

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو هدفها المعلن المتمثل في إنهاء انقلاب الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية.

وقال العليمي، في خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، إن القوات المسلحة حققت أداءً جيداً منذ انطلاق العملية، وإن التغيرات المؤقتة على الأرض لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها، بدعم من الأشقاء، والأصدقاء.

مدير شرطة تعز يتفقد الأوضاع الأمنية في المدينة (إعلام حكومي)

وأضاف أن التهديد الحوثي لا يقتصر على محافظة أو منطقة بعينها، بل يمتد إلى أمن اليمنيين، ومستقبلهم في الشمال، والجنوب، مشدداً على أن ما يجري في تعز ومأرب يرتبط بأمن عدن، وحضرموت، وسائر المحافظات.

وبرر العليمي إطلاق العملية باستنفاد فرص التهدئة، واستمرار الهجمات الحوثية على المدن، والقرى، ودول الجوار، والممرات المائية الدولية، مؤكداً أن قرار استعادة مؤسسات الدولة نافذ، ولا رجعة عنه.

تحذيرات إنسانية

تزامن اتساع العمليات العسكرية مع تحذيرات دولية من تداعياتها على المدنيين، خصوصاً في ظل ارتفاع أعداد الجرحى، والنازحين، وتراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأربعاء، إن المستشفيات في أنحاء اليمن تواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن بعض المرافق الصحية الواقعة على خطوط المواجهة في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر استقبلت أكثر من 700 مصاب خلال أسبوع واحد.

أشخاص يركبون دراجة نارية ينظرون إلى الدخان الأسود بعد ضرب موقع للحوثيين في الحديدة (رويترز)

وقال فراس أبو سمرة، منسق قسم الصحة في اللجنة، إن أطقم الرعاية الطبية تتعرض لضغوط هائلة، في وقت لا تستطيع فيه سوى نسبة ضئيلة من المرافق الصحية العاملة توفير رعاية متكاملة للمصابين.

وحذرت المنظمة من نقص المستلزمات الجراحية، والتخدير، والأكسجين، والأدوية، ومن محدودية قدرة النظام الصحي المنهك على استيعاب موجة جديدة من الإصابات الجماعية إذا اتسعت المواجهات.

وفي ملف النزوح، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأنها رصدت 217 ألفاً و303 نازحين، يمثلون 36 ألفاً و216 أسرة، حتى 12 أكتوبر الحالي. ويتركز نحو 55 في المائة من النازحين في محافظة تعز، فيما سجلت لحج أكثر من 45 ألف متضرر، وعدن أكثر من 26 ألفاً.

ولا تقتصر التداعيات على النزوح، والإصابات؛ إذ حذرت الأمم المتحدة من تراجع الإمدادات الأساسية في مدينة تعز، مع احتمال نفاد مخزونات القمح والدقيق خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وفق إفادات شركائها في المجال الإنساني.

تحذيرات أممية من نقص الغذاء في مدنية تعز جراء حصار الحوثيين (رويترز)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنحو 50 في المائة، فيما بلغت أسعار البنزين ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة، وأصبح غاز الطهي غير متاح إلى حد كبير. كما أدى نقص الوقود إلى تهديد إمدادات المياه، وسط اكتظاظ مواقع النزوح، ومحدودية الحصول على المياه النظيفة، وضعف الخدمات الصحية.

وتزيد هذه الظروف من مخاطر تدهور الأمن الغذائي والصحي في مدينة يقطنها أكثر من 1.5 مليون نسمة، وتعاني منذ سنوات قيوداً حوثية على الحركة، والإمدادات، بسبب الحصار المفروض على منافذها.


تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

اتسعت تداعيات المواجهات العسكرية والحصار الحوثي لمدينة تعز (جنوب غربي اليمن) لتشمل الأوضاع المعيشية والخدمية، مع تجدد التحذيرات من تفاقم الاحتياجات الإنسانية، وتعثر وصول إمدادات الغاز المنزلي، في وقت تتحرك فيه الحكومة والسلطة المحلية لحماية استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية، بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن».

وفيما دعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المنظمات الإنسانية والجهات الدولية والمحلية إلى تكثيف تدخلاتها لتلبية احتياجات السكان، حذّر مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز من تداعيات منع وصول الإمدادات إلى المدينة، معتبراً أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط على المواطنين يفاقم الأعباء المعيشية في محافظة تعاني، وفق السلطات المحلية، من سنوات الحرب والحصار وتدهور الخدمات.

وأدان مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز منع الجماعة الحوثية وصول إمدادات الغاز المنزلي إلى المدينة، محذراً من انعكاس ذلك على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

المدخل الغربي لمدينة تعز حيث يضغط الحوثيين للتوغل في المدينة (فيسبوك)

وأكد المكتب، في بيان، أن الغاز من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مطالباً برفع القيود والعوائق التي تحول دون وصوله بصورة منتظمة وآمنة، وداعياً المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل والضغط لإنهاء الأزمة وضمان استمرار تدفق الغاز وسائر الاحتياجات الأساسية.

وفي سياق متصل، وجهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مناشدة عاجلة إلى المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية والجمعيات والمؤسسات المحلية والخارجية، وشركائها من القطاع الخاص، للتحرك لتخفيف معاناة السكان والاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

وقالت الوزارة إن الأوضاع الإنسانية تشهد تدهوراً متسارعاً، وإن الاحتياجات الأساسية تتفاقم، خصوصاً بين الفئات الأشد ضعفاً، في ظل الحصار الذي تتهم الجماعة الحوثية بفرضه على المدينة.

ودعت إلى توفير المساعدات الغذائية والإيوائية والصحية والمياه والإمدادات الأساسية، وتكثيف برامج الحماية الاجتماعية، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الأشد فقراً وتضرراً.

وشددت على ضرورة تنسيق التدخلات بين المنظمات والجهات الحكومية والسلطات المحلية والقطاع الخاص، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وتجنب ازدواجية توزيعها، والاستفادة من الموارد المتاحة في تلبية الاحتياجات العاجلة.

الحكومة تتحرك اقتصادياً

في العاصمة المؤقتة عدن، شدد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني على أن التطورات المتسارعة لعملية «فجر اليمن» تستدعي توحيد الجهود لحماية الجبهة الاقتصادية وضمان تدفق السلع الأساسية واستمرار النشاط التجاري وتأمين احتياجات المواطنين.

وقال الزنداني، خلال لقائه ممثلين عن القطاع الخاص برئاسة نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية ورئيس غرفة تجارة عدن أبو بكر باعبيد، إن مسؤولية استعادة مؤسسات الدولة لا تنفصل عن حماية معيشة السكان واستقرار الأسواق.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني خلال اجتماع في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وأوضح أن الحكومة تعمل بالتوازي على إسناد جهود استعادة مؤسسات الدولة ومواصلة الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية والخدمية والمعيشية، مؤكداً أهمية توفير الغذاء والدواء والوقود بأسعار عادلة، وعدم استغلال ظروف المواجهات للاحتكار أو رفع الأسعار.

ودعا رئيس الوزراء القطاع الخاص إلى الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري والإسهام في استقرار الأسواق والالتزام بالشفافية في التعاملات والأسعار، محذراً من ممارسات من شأنها زيادة الأعباء على المواطنين.

وفي المقابل، أقرّ الزنداني بحجم الضغوط التي تواجه الأنشطة التجارية نتيجة التطورات العسكرية والأمنية، وما تفرضه من تحديات على النقل والإمداد وتكاليف الاستيراد، مجدداً التزام الحكومة بالتواصل مع ممثلي القطاع الخاص والعمل مع الوزارات والجهات المختصة لمعالجة الصعوبات.

واستعرض ممثلو القطاع الخاص التحديات التي تواجه الأنشطة التجارية، إلى جانب مقترحات لتسهيل الإمدادات وتحسين الشراكة مع الحكومة، مؤكدين أهمية استمرار التشاور لتخفيف الأعباء عن القطاعين الإنتاجي والتجاري وحماية مصالح المواطنين والاقتصاد الوطني.

الخدمات تحت الضغط

على المستوى المحلي، عقد محافظ تعز نبيل شمسان اجتماعاً موسعاً مع قيادات السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية ومديري المديريات، لمناقشة المستجدات العسكرية والخدمية والإنسانية، مؤكداً أن صمود أبناء المحافظة يمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشاد شمسان بتضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، مشيراً إلى أن سنوات الحرب والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية فاقمت معاناة السكان، في وقت تتواصل فيه الهجمات على الأحياء السكنية، وفق ما ذكره.

ووجّه المحافظ برفع مستوى الأداء المؤسسي والانضباط الوظيفي، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنفيذية، ومحاسبة المقصرين وفقاً للقانون، مع إعطاء الأولوية لقطاعات المياه والصحة والنظافة والتعليم والكهرباء والطرق.

جانب من اجتماع للسلطة المحلية في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

كما دعا إلى تكثيف الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وحصر أضرار القصف، ومتابعة أوضاع الجرحى وأسر القتلى والضحايا المدنيين، وضمان توجيه المساعدات المتاحة إلى مستحقيها بعدالة وشفافية.

وأكد ضرورة توثيق الانتهاكات ومتابعة أوضاع المتضررين وإيصال معاناتهم إلى الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية والحقوقية، إلى جانب تعزيز حضور مؤسسات الدولة والاستماع إلى شكاوى المواطنين.

من جانبه، قال وكيل المحافظة لشؤون الخدمات رشاد الأكحلي إن النزول الميداني والرقابة على التجار مستمران، مشيراً إلى استقرار الوضع التمويني وتوافر الدقيق بكميات كافية، مع استمرار التواصل مع الجهات المعنية لتأمين المشتقات النفطية والمواد الأساسية.

بدورها، أوضحت وكيلة المحافظة للشؤون الصحية إيلان عبدالحق أن الجهود تتواصل لدعم المستشفيات وتأمين المحاليل الطبية ومحاليل الغسيل الكلوي والأدوية الضرورية، في ظل الحصار وتزايد الحالات الحرجة.