مقعد في حديقة.. لروحك الجميلة

حملت المقاعد الخشبية نقوشًا لأسماء أناس رحلوا عن الدنيا

حديقة هولاند بارك بلندن
حديقة هولاند بارك بلندن
TT

مقعد في حديقة.. لروحك الجميلة

حديقة هولاند بارك بلندن
حديقة هولاند بارك بلندن

أجملُ المطارح تلك التي تطرقُ عتباتِها في اللحظة التي تعتقدُ فيها أنه لم يعُد في هذا العالَم المنهَك ما يمكن أن يُدهشَك أو يسحبَك إلى أتون مفاتنه. ومع الاعتراف بأنّ هذا الاعتقاد اليائس والمستسلِم - و«الآثم» في الغالب - قد يجعلُ النّفسَ كسولةً ويعمي العينَ عن اقتناص ضياءات الكشف، على وهَنِها، فإنه لم يكن ليخطر في بالي وأنا أرتادُ حديقةً أنيقةً أن تفردَ رياحٌ رخيّةٌ أشرعةَ الأيام المطوّيات، لتقودني إلى إعادة تأمّل الحزن، في مختلف حقبه وطبائعه، كذكرى تصحّ ترجمتها والتعبير عنها في رمز فيّاض في المعاني. نعم، فالحزن يكاد يكون السمة الألصق بالإنسانية والأخلق بها مقارنةً بالعواطف البشرية الأخرى، فهو الجانب الشفيف من الحياة الأكثر غورًا والأبعد مدى، في مقابل السعادة باعتبارها أثرًا عابرًا، ضحلاً، ماضيًا باستعجال. إن الحزن، بمعنى من المعاني، هو هبة الوجود الذي يُتاح لنا أحيانًا أن نتضوّأ به أكثر مما يملأنا حسرةً وندبًا.
في جميع الأحوال، لم أتوقّع أو أتخيّل أبدًا أن حزنًا رائقًا يُمكن أن ينبع من أكثر اللحظات المتضوِّعة بجمال مُسبَل.
كان ذلك في نهار لندني، شمسُه منشرحة على غير المعهود، حين انحرفت قدماي من شارع هادئ، في قلب العاصمة البريطانية، إلى طريق فرعي، تستقرّ على أحد جانبيه بيوتٌ ساكنة، فيما ارتفع على الجانب الآخر سورٌ، انشقّ في جزء منه عن فتحة تبيّن أنها تقود إلى حديقة «هولاند بارك»، إحدى تُحف لندن التي تعكس تجسيدًا متكاملاً لهندسة الحديقة الإنجليزية ذات المشهدية الخلابة التي تبدو كأنها مقتطفة من أعمال فنية تصوغ الطبيعة في أكثر تجلّياتها ترفًا وأنفة.
يقينًا أسرت الحديقة بكائناتها الجذلى حواسي، مع أنني من ذلك الصنف الإنساني الذي يُؤخذ أقل بالطبيعة، أنا المفتونة بتشكيلات الحجر - كوثيقة تاريخية - أكثر من لوحات الشجر. وكان يمكن جدًا يومها أن أقنع بطين الأرض الفائض بكل أشكال الخلْق لولا الانعطافة التي قادت قدمي إلى ركن في الحديقة، لامستُ فيه تجربةً مدهشةً. ففي مساحة مستطيلة، استقرت أحواضٌ معتنى بها من الورود التي نثرت عطرها في الجو بخفر. على طول حدود المستطيل، توزّعت مجموعةٌ من المقاعد الخشبية، التي تتيح لزوّار الحديقة الجلوس للقراءة أو لتأمل الفتنة الفارهة التي تحاصر البصر أينما تجوّل. من بعيد، لم يبدُ أن ثمة ما يميّز هذه المقاعد الخشبية عن مثيلتها في الحدائق والطرقات، وإن أسبغت على المكان المترفّع، المزدان بطواويس تنشر «أناها» المتضخمة في الزوايا، بعض التواضع. لكن نظرةً قريبةً إلى المقاعد أيقظت مشاعر متضاربة في داخلي. عيون قلبي اتّسعت، وروحي، المستسلمة للرخاوة، سرعان ما غاصت في حزن شائخ.
حملت المقاعد الخشبية نقوشًا لأسماء أناس رحلوا عن الدنيا، كانوا يومًا آباء وأمهات، أبناء وبنات، عُشّاقا ينحازون للحياة والورود وعناق الأيدي في الطرقات واستراحات الرؤوس التي أعياها الفكر والهموم العادية على الأكتاف المطمئِنة، هي أسماء «نكرات» في ظاهرها، قد لا تعكس حجم الحياة التي اختزنتها أو جسّدتها، لكنها يقينا كانت جزءا من عالم صغير، عالم له معنى، ومعنى كبير، للأحياء الذين خلفوهم وراءهم. بعض أصحاب هذه الأسماء خطفهم الموت مبكرا، كشاب، حرص أحبّته الذين كرّسوا له مقعدًا في الحديقة أن يذكروا أنه كان في الثامنة والعشرين من العمر حين مات، مؤكّدين في نقش محفور على عدد من ألواح المقعد بأنه كان رقيقًا وشجاعًا، كما كان محِبًّا ومحبوبًا. وكأن كل هذه الصفات العذبة لم تكفِ لتبيان شدّة الحزن وثقل الخسارة برحيله، إنما كان عليهم بأن يضيفوا، ربما كعبرة أو لمزيد من التفجُّع، بأنّ الشاب الذي قُطف في أوج تفتُّحه سُرقت منه الحياة قبل الأوان على يد سائق ثمِل. غير أن العدد الأكبر من المقاعد خُصِّصت لأسماء امتدّ بأصحابها العمر ليراكموا ذكريات حُفرت في نفوس أحيائهم، كأم نصب لها أبناؤها مقعدًا يذكِّر العابرين الذين قد يختارون الجلوس عليه أن المرأة المحفور اسمها على ظهر المقعد كانت في حياتها تحبّ الزهور ورفقة الناس. بهذا المقياس، مقياس عشق الزهور والرفقة الطيبة، فإن حياتها حتما كانت ثرية. أيا كانت أسباب الرحيل وأزمنته، فإن «الأحياء» لم يجدوا أبلغَ من مقعد خشبي في حديقة مفروشة بكل صياغات الحياة والجمال ليحرسوا ذكرى «غُيّابهم».
بينما كنتُ أقرأ أسماء الراحلين على المقاعد التي اصطفت طوليًا كأضرحة مشرعة، متصالحة مع الحياة، فيما ظهورها تنتصب كشواهد، تحمل كتابات مختصرة، وإن كانت غير محايدة، عن الحب بكل أوجهه، أطلّت علي من ألبوم ذكرياتي وجوه أحبّة رافقوني في بعض محطات العُمر قبل أن يفترقوا عني، بعضهم بالموت، آخرون بالهجر، وبعضهم بالتساقط من مخزون الوجود بحكم استحقاقات الزمان أو بالنسيان الأقسى من كل طرائق الموت. في رحيلهم نقصتُ، هذا مؤكد.
جلستُ على مقعد، مستندةً إلى اسم فقيدة، كانت في يوم ما طرفًا في حياة مليئة، متأملةً الكلمات المحفورة بأسى. لو قُدِّر لي، لوزّعتُ عشرات المقاعد، بل المئات منها، في حدائق الأرض وطرقاتها وشواطئها، أهديها لأرواح الأحبة والرفاق الذين تساقطت أطيافهم من أيامي تباعًا، للأصدقاء الذين هرموا قهرًا، وللأصدقاء الذين هزلوا وانكمشوا مرضًا قبل أن يفنوا، وللأصدقاء الذين انطفأوا مجازًا، ولنقشتُ تحت اسم كل واحد منهم شطرًا في قصيدة أو جملة متوهجة في حكاية، بأقل قدر من الاستعارات الجوفاء. لو كان بيدي لزرعتُ مقاعد حتى لأولئك الذين خانوا أنفسهم قبل أن يخونونا، فأداروا ظهورهم للأفكار العظمى التي كانت من شأنها - على سذاجتها الجميلة - أن تغيّر العالم. لو قيض لي، لغرستُ مليون مقعد ومقعد، وحفرتُ عليها الضحكات، الصادرة من القلب، والدمعات المذروفة من قلب القلب، والحكايات المذيلة أطرافها ببقايا القهوة المندلقة من الأكواب الورقية التي تقاسمتها مع الصحب في اللقاءات التي جمعتنا على المقاعد المباحة في ساحات المدن، وحتى مع الغرباء الذين يكونون كرماء مع غرباء مثلهم في نثر القصص الشخصية الدافئة على مقاعد المطارات الباردة.
لو كنت أملك، لغرستُ مقعدًا في حديقة لكل روح جميلة، فقط لأنها في زمان ما، في عصر ما، عاشت الحياة كما يجدر بعيْش الحياة أن يكون.
* روائية فلسطينية



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».