كشمير.. خط التماس الأول بين الهند وباكستان

إحداها تبالغ والأخرى تقلل من الأحداث الأخيرة لحفظ ماء الوجه

رتل من السيارات العسكرية الهندية يتقدم باتجاه الخط العسكري الفاصل بين الهند وباكستان في كشمير (أ.ب)
رتل من السيارات العسكرية الهندية يتقدم باتجاه الخط العسكري الفاصل بين الهند وباكستان في كشمير (أ.ب)
TT

كشمير.. خط التماس الأول بين الهند وباكستان

رتل من السيارات العسكرية الهندية يتقدم باتجاه الخط العسكري الفاصل بين الهند وباكستان في كشمير (أ.ب)
رتل من السيارات العسكرية الهندية يتقدم باتجاه الخط العسكري الفاصل بين الهند وباكستان في كشمير (أ.ب)

الشيء غير المقلق في حالة التوتر الحالية في جنوب آسيا، بين الهند وباكستان أن كلاً من القوتين النوويتين تحاول إما التضخيم أو التقليل مما قامت به الهند في الجزء الباكستاني من كشمير قبل يومين، كما ذكر أمس أحد المحللين في مقابلة مع القناة الرابعة لـ«بي بي سي» (ريديو 4). ما قامت به الهند نفته باكستان، التي قللت من أهميته، والسبب، كما قال المحلل، هو لحفظ ماء الوجه للطرفين.
وفي خطوات احترازية أخلت الهند أمس (الجمعة) قرى حدودية مع باكستان، التي قد تفكر في كيفية الرد على العمليات العسكرية الهندية. وترأس رئيس الحكومة الهندي ناريندرا مودي اجتماعًا للجنته الأمنية لمناقشة الوضع.
وقد أدرج على جدول أعمال الاجتماع التوتر في المنطقة التي يتنازع البلدان السيادة عليها منذ نحو 70 عامًا، وتشهد منذ يوليو (تموز) تصاعدًا في العنف.
ودعا رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف حكومته إلى اجتماع الجمعة.
مسؤولون هنود أعلنوا في اعتراف علني نادر أن فرقًا من القوات الخاصة عبرت الحدود الفعلية التي تقسم كشمير، وقتلت عددًا من المسلحين الذين تعتقد أنهم كانوا يخططون لمهاجمة مدن كبرى. أما باكستان فقالت إن اثنين من جنودها قتلا في تبادل لإطلاق النار وخلال التصدي لغارة هندية، لكنها نفت القيام بأي ضربات دقيقة عبر الحدود بين شطري كشمير.
وقال قائد العمليات في الجيش الهندي للصحافيين في نيودلهي، إن العملية رد مباشر على هجوم وقع هذا الشهر على قاعدة عسكرية في كشمير، واتهمت الهند مسلحين مقرهم باكستان بتنفيذه. وقال اللفتنانت جنرال رانبير سينغ، مدير عام العمليات العسكرية في الجيش الهندي في مؤتمر صحافي في نيودلهي، إن «الجيش نفذ ضربات جراحية الليلة الماضية على قواعد لإرهابيين» طوال خط وقف إطلاق النار.
ونفت باكستان أن الهند نفذت غارات على أراضٍ تخضع لإدارتها، وقالت إنها لا تشارك في إذكاء الاضطرابات في الجزء الخاضع للهند من منطقة كشمير، وطالبت نيودلهي بتقديم أدلة يعول عليها لإثبات ما تقوله.
وندد المتحدث باسم الجيش الباكستاني برواية الهند، قائلاً إنها «لا أساس لها وكاذبة تمامًا». وأضاف اللفتنانت جنرال عاصم باجوا لتلفزيون «جيو»: «ننفي ذلك. لم يحدث أي شيء من هذا القبيل على الأرض. لم يقع سوى حادث إطلاق نار رددنا عليه». وقالت باكستان إن تسعة من جنودها أصيبوا كذلك.
وقال بعض المسؤولين الهنود إن الجيش لا يعتزم توجيه هجمات أخرى أو شن هجوم عسكري كبير على باكستان. لكنهم قالوا إن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي تبحث ما إن كانت ستستخدم ثقل نيودلهي الاقتصادي والدبلوماسي المتزايد في الضغط على باكستان، التي تمثل مساحتها خمس مساحة الهند واقتصادها أصغر سبع مرات من اقتصاد الهند أم لا.
ومنذ نحو 10 أيام، تقوم نيودلهي بحملة دبلوماسية في محاولة لعزل إسلام آباد عن الساحة الدولية. وهكذا انسحبت الهند من قمة إقليمية من المرتقب أن تعقد الشهر المقبل في العاصمة الباكستانية، مما دفع ببنغلاديش وأفغانستان وبوتان إلى القيام بالمثل.
هجوم 18 سبتمبر (أيلول) على قاعدة عسكرية في بلدة أوري الحدودية قتل فيه 18 جنديًا هنديًا. وبحسب نيودلهي، فإن الهجوم الذي لم تتبنه أي جهة، نفذته جماعة «جيش محمد» التي يوجد مقرها في باكستان المجاورة. وقد عرفت هذه الجماعة سابقًا إثر هجوم مماثل نفذ في نوفمبر (تشرين الثاني) وأوقع 7 قتلى.
على جانبي الحدود عكست وسائل الإعلام صعود نزعة قومية حادة صباح الجمعة. فقد أشادت صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» الهندية بالحكومة الهندوسية القومية، لأنها أعلنت للمرة الأولى عن هذه الضربات، وواجهت باكستان بشكل مباشر. وعبرت الصحيفة عن ارتياحها لأن هذا الإعلان «يعني انتهاء الإدارة التقليدية لعلاقاتنا مع جار عدو ويرسم خطًا أحمر جديدًا».
وفي الجانب الباكستاني، وصفت الصحف الباكستانية «الضربات الجراحية» للهند بـ«المهزلة». ونقلت صحيفة «ذي إكسبريس» التي تصدر بلغة الأوردو على صفحتها الأولى عن شهباز شريف حاكم ولاية البنجاب الباكستانية وشقيق رئيس الوزراء، أن «كل الأمة متحدة مع جيشنا الباسل لقبر أهداف أعدائنا المبيتة».
وتتنازع الهند وباكستان على إقليم كشمير منذ استقلال البلدين عن الاستعمار البريطاني عام 1947. وتؤكد كل منهما حقها بالسيادة على الإقليم المضطرب. وقتل عشرات آلاف الأشخاص غالبيتهم من المدنيين في هذا النزاع. وتشهد كشمير الهندية حاليًا أحد أسوأ فصول العنف منذ التسعينات. فقد أدى مقتل زعيم متمرد شاب في مطلع يوليو إلى موجة احتجاجات ضد سياسة نيودلهي. وقتل 87 شخصًا على الأقل وأصيب الآلاف في مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن في هذه الاضطرابات. ومنذ عقود، تشن مجموعات انفصالية حربًا على الجيش الهندي الذي ينشر في المنطقة نحو نصف مليون جندي، للمطالبة باستقلال هذه المنطقة الواقعة في الهيمالايا أو دمجها مع باكستان.
وتحاول الهند استخدام كل وسائل الضغط مثل خنق التجارة مع باكستان. كما تبحث الهند أيضًا إقامة سدود على الأنهار التي تصب في باكستان وتكثيف الضغوط الدبلوماسية، على أمل أن تكشف للدول الأخرى كيف أن المسلحين الذين يتخذون من باكستان مقرًا لهم يؤثرون في بقية العالم.
التجارة الرسمية بين الهند وباكستان متواضعة وبلغ حجمها 6.‏2 مليار دولار عام 2014، لكن التجارة غير الرسمية يقدرها البعض بنحو 5 مليارات دولار.
كما تحاول الهند دعم المتمردين في بلوشستان ضد باكستان. وقال زعيم جماعة متمردة تقاتل من أجل استقلال الإقليم عن باكستان، إنه يرحب بأي أموال أو مساعدات أخرى تقدمها الهند، وذلك في تعليقات يرجح أن تثير انزعاج إسلام آباد، التي تتهم نيودلهي بإثارة الاضطرابات في الإقليم.
وفي أول مقابلة تصور بالفيديو منذ 5 سنوات، تعهد نظر بلوخ قائد تحرير بلوخستان أيضًا بشن مزيد من الهجمات على محور اقتصادي صيني تمر مراحل منه عبر الإقليم الغني بموارده. ومن المتوقع أن يربط المحور التجاري المزمع إقامته وتبلغ استثماراته 46 مليار دولار غرب الصين ببحر العرب على سواحل باكستان، عن طريق شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط أنابيب الطاقة.
وفي ردود مصورة على أسئلة أرسلتها له «رويترز»، قال بلوخ الطبيب: «نحن لا نود أن تدعم الهند فقط النضال الوطني البلوخي دبلوماسيًا وماليًا، بل العالم بأسره». وقال بلوخ الذي يقود واحدة من 3 جماعات مسلحة رئيسية تقاتل من أجل استقلال بلوخستان، إنه رغم رغبته في الدعم الهندي لم يتلق أي أموال من حكومة مودي أو المخابرات الهندية. وقال بلوخ: «نحن نرحب بالبيان الذي ألقاه ناريندرا مودي لدعم الشعب البلوخي معنويًا». ولم يدلِ الجيش الباكستاني بتعليق على المقابلة مع بلوخ.
وترتاب باكستان منذ فترة طويلة أن الهند تعمل على إذكاء نار التمرد في الإقليم. وتزايدت هذه المخاوف في مارس (آذار) عندما ألقت باكستان القبض على رجل قالت إنه جاسوس للمخابرات الهندية في بلوخستان، واتهمته بالقيام «بأنشطة تخريبية». ونفت الهند أنه جاسوس لها.
وأجاب بلوخ على الأسئلة من موقع سري في مقطع فيديو أرسل إلكترونيًا. وقد سلط استثمار الصين في المحور الاقتصادي الصيني الباكستاني الضوء على إقليم بلوخستان، الغني باحتياطيات غير مستغلة إلى حد كبير من النحاس والذهب. ووصف بلوخ المشروع بأنه «خطة إمبريالية» صينية، وتوعد بمهاجمة الطرق وأفراد الأمن وعمال الإنشاءات.
ومن جانب آخر، أفاد خبراء غربيون في مجال الدفاع بعد تحليل صور أقمار اصطناعية تجارية، بأن باكستان قد تكون بصدد بناء مجمع جديد لتخصيب اليورانيوم في مدينة كاهوتا على بعد نحو 30 كلم شرق إسلام آباد. وقال الخبراء إن بناء منشأة جديدة يوفر دليلاً جديدًا على سعي باكستان إلى تعزيز ترسانتها النووية، وهو يتعارض مع مبادئ مجموعة مزودي المواد النووية التي ترغب البلاد في الانضمام إليها.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.