البنوك المركزية.. تاريخ «الاقتصاد السياسي» في اليمن

المحافظ القعيطي الناجي من الموت مرتين: لا بد من تحمل المغامرة

البنوك المركزية.. تاريخ «الاقتصاد السياسي» في اليمن
TT

البنوك المركزية.. تاريخ «الاقتصاد السياسي» في اليمن

البنوك المركزية.. تاريخ «الاقتصاد السياسي» في اليمن

قبل 41 سنة، كان منصّر القعيطي، الشاب البالغ من العمر 20 سنة، يحرص على التزامه بالحضور المبكر إلى مقر مؤسسة النقد الجنوبي العربي في عدن. كان عليه الانتظار لنصف قرن، قبل أن يصبح محافظا للبنك المركزي اليمني. ولم تكن أعوام القعيطي تشبه تجربته. وخبرته كانت ثرية، ليس لأنه سليل سلاطين المملكة القعيطية في حضرموت وحسب، وليس لأنه نجا مرتين في عام واحد، من محاولتي اغتيال؛ بل لأنه شهد منعطفات التحول في السياسية اليمنية التي لم تهدأ حتى اليوم.
كان منصّر القعيطي، محافظ البنك المركزي اليمني، على موعد مع القدر، وبقدر كاف من الجسارة، فرض المصرفي البالغ من العمر اليوم 61 سنة، نفسه قائدا لمعركة «الاقتصاد السياسي» اليمنية، وفاز بأولى نزالاتها.. وهو نقل مقر البنك، الذي لم يفكر حتى صناع السياسية اليمنية على مدار 26 سنة، من صنعاء.
وكان النزال الثاني، وفق القعيطي خلال لقاء له مع «الشرق الأوسط» عندما «راسلنا الولايات المتحدة رسميا حول إبراهيم النهاري، وكيل البنك المصرفي للعمليات الخارجية، الذي كان يحاول أن يضلل المؤسسات الاقتصادية، وقلنا لهم إنه يمارس أنشطة معادية للحكومة اليمنية وتضليل المؤسسات المالية، وتبرأنا منه. ولقد على اتصال بمركز صنع القرار في صنعاء ويحضر بيانات تضلل المجتمع الدولي». وأضاف القعيطي «كان النهاري ضمن أول وفد حوثي زار العاصمة الإيرانية طهران، وأمضى أسبوعين».. وتساءل غاضبًا «أي استقلالية لبنك مركزي يذهب وكيله مع وفد انقلابي إلى إيران؟».
* لمحة تاريخية
ويروي القعيطي، أنه قبل تعيينه محافظًا بـ52 سنة، اختار البريطانيون منطقة كريتر، المطلّة في مدينة عدن على قصر المعاشيق وقلعة صيرة، ليشيّدوا في عام 1964 أول بنك مركزي في شبه الجزيرة العربية. ومن ثم يشرح المحافظ تقاليد البنك حينها، بالقول: «كان على الموظف الجديد إلزامًا، المرور على قنوات العمل في مختلف الأقسام، من صادر ووارد، وحتى شباك الصرف، ثم يمر بإصدار العملة والخزينة، وينتقل إلى أقسام الحسابات المركزية والرقابة والإشراف على النقد والبنوك، إلى جانب الإحصاء والبحوث، فإعداد الحسابات الختامية الميزانية الشهرية والسنوية... كل هذا يمكنه فيما بعد من الاستشراف على العمل ومعرفة الدورة المستندية كلها، وكيف يعمل الآخرون، حتى يصلح جزءا من مكون عام، والنتيجة: أداء متسق ومتناسق، واستقرار يطال الأقسام حتى وإن انتقل إليها أي مدير أو مشرف جديد».
في ذلك المبنى، وتحديدًا في الطابق الثاني، سيتجه المحافظ لمزاولة عمله من مكتب يقول إنه تاريخي أيضا: «فقد كان يجلس هنا ثلاثة من أهم رجالات البنك المركزي اليمني في الجنوب، ولاحقا في الوحدة، أول محافظ للبنك المركزي في الجنوب وقتها، الدكتور محمود سعيد مدحي (1980 – 1990)، والثاني هو أحمد عبيد الفضلي، وزير المالية الحالي، الذي عيّن في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، والثالث هو سالم محمد الأشوَلي الذي شغل المنصب في عام 1989 وحتى الوحدة». وحسب كلام القعيطي لـ«الشرق الأوسط» أنه «جرى عرض شغل منصب محافظ المركزي الحالي على الأشولي، لكنه اعتذر عن ذلك».
ويعكس احترام التقاليد والتاريخ والشخوص، قدرًا كبيرًا من شخصية القعيطي الهادئة، ولعل هدوءه مفتاح السر الذي ساعده على امتلاك ذاكرة حديدية. فقبل تعيينه محافظًا بـ31 سنة، وبعدما بات يحفظ ردهات البنك المركزي بعناية فائقة إثر عمله في أقسام متعدّدة، أبرزها إدارته قسم الميزانية النقدية بالعملات الأجنبية بين العامين 1977 وحتى 1986.
* الوحدة اليمنية
وفي صدفة جعلته يعتقد أن القدر كان بالفعل يترقبه، ليفرغ من تدريبه، جاءت الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب حاملة فرصة ثمينة لكل المصرفيين الذي كانوا على موعد مع خبرة لن تتكون لدى غالبية جيرانهم بدول المنطقة؛ إذ لم تقتصر على دمج دولتين ونظاميين سياسيين وحسب، بل تمثلت أيضا في دمج اقتصادين، وبنكين، وعملتين. ويحسب لمن عمل في عدن – حينها – أنه خاض تجربة استصدار عملة خاصة بعدما كانوا يتداولون «شلن شرق أفريقيا». وكان القعيطي في عملية الدمج، من أولئك الراسخين في إنجاح تلك التجربة، وعمل مشرفًا على قطاع الرقابة في البنك المركزي اليمني الموحّد، إضافة إلى عمله مع لجنة دمج الدينار الجنوبي مع الريال اليمني.
وهنا يقول القعيطي «كانت لجنة سداسية، ثلاثة ممثلين من الطرفين، ووضعنا الأسس لهذا الدمج»، مضيفا: «اعتمدنا على تجربة واسعة، فقد كانت تقاليد العمل وأسسه في عدن صارمة.. واستمر تداول الدينار (عملة الجنوب) حتى عام 1993، استمر حتى بعد الوحدة لثلاث سنوات سحب بعدها من التداول. وهناك لبس حول استمرار الشلن بالتداول؛ لأن الشلن أصبح جزءا من التركيبة (مُكَوَن) العملة؛ إذ كان الدينار يساوي ألف فلس، وهو شبيه بالدينار الكويتي، وكان الشلن وهو عملة معدنية يساوي 50 فلسًا، ففئة الخمسين فلسًا سُمّيت بالشلن مجازا بين الناس، وتمت عملية متداولة 1982 أضفنا عملة 10 دنانير، وكانت محدودة التداول».
ويتابع المحافظ «الوحدة كانت دافعا كبيرا نحو تطوير العمل المصرفي؛ لأننا قدرنا ندمج جهازين مصرفيين يختلفان في قوانينهما التكوينية. ولعبت دور الإشراف على القطاع المصرفي التجاري. أعددنا حينها قانونين، قانونا للبنك المركزي الموحد، وقانونا للبنوك التجارية. قانون البنوك يشرف عليه قطاع الرقابة الذي أشرفت عليه بعد الوحدة في عام 1990». ثم يستطرد «واجهنا صعوبة في دمج الأنظمة وتكييفها مع آلية السوق، وتغيير التشريعات المصرفية التي كانت سائدة، وأيضا الخروج من البيروقراطية التي وجدت البنوك داخلها فيها مع الحكومة، خصوصا فيما يتعلق بكيفية فتح الاعتمادات المستندية، وأنظمة الحوالات والرقابة على الصرف وتحريرها. كما واجهت عملية الدمج أيضا تحديا قويا، تمثل في عمليات الصرافة».
حول هذا النقطة يقول القعيطي مفصّلاً «كانت كلها تتم في السوق الموازية (السوداء)، وكانت غير ظاهرة للعيان، في عام 1991، ومن ثم استطعنا أن نجمع ما كان يسمى بيوتات الصرافة (وكانت تسمى كذلك؛ لأنها كانت تعمل في البيوت وليس بالشكل المؤسسي)». ثم يشرح المحافظ قصة التعامل مع الصرّافين قائلا: «جمعناهم وقتما لم تكن لديهم ثقة بأجهزة الأمن، وأصدرنا لائحة لتنظيم سوق الصرافة، ودفعناهم أيضا إلى تشكيل جمعية للصرافين نظيرة لجمعية البنوك، ونظمنا سوق الصرافة حتى انتهى باللائحة إلى أن أصبحت قانونا لتنظيم سوق الصرافة.. بدأوا يعملون في الضوء بتراخيص».
الحقيقة، أن القعيطي كان أول مسؤول في تاريخ اليمن، يوقّع على تصاريح إصدار شركات الصرافة والمؤسسات الفردية للصرافة في النصف الثاني من عام 1991: «أولى المؤسسات، كانت: الحظة، والكابوس، والكريمي للصرافة، الذي أصبح الآن من أكبر البنوك».
* شخصيات بارزة
جدير بالذكر، أنه قبل 26 سنة من تعيينه محافظًا، كان في اليمن الشمالي أيضًا شخصيات لا يمكن أن ينساها التاريخ الاقتصادي للبلاد. يستذكر محافظ البنك المركزي اليمني بالقول: «كان الراحل عبد العزيز عبد الغني الذي شغل المنصب في 1971، من المحافظين البارزين، وأصبح فيما بعد رئيسا للوزراء، تلاه المحافظ عبد الله السنباني لفترة قصيرة، ثم أعقبه محمد أحمد الجنيد، وهو أول محافظ لبنك مركزي يمني بعد الوحدة، وكان محافظ مركزي الجنوب الأشولي نائبه بعد الوحدة أيضًا».
وقبل تعيينه بسنتين، نجا القعيطي من محاولتي اغتيال، بسبب مشكلات متعلقة بالعمل: «فطبيعة العمل في مجتمعنا معروفة؛ إذ يتلقى أحيانا رجال البنوك، خصوصًا، أولئك الذين يشغلون مناصب قيادية للتهديدات نتيجة مصالح غير مشروعة في الجهاز المصرفي والتعامل مع البنوك»، كما يقول، ثم يشرح «.. كانت المحاولة الأولى بداية عام 2014 عبوة ناسفة في فناء منزلي بصنعاء في موقع يقع تحت غرفة نومي. كان الحارس يتفقد البيت بعد صلاة العشاء، ووجد جسمًا مجهولا في الفناء، فنزلت ولاحظت ضوءا أحمر لمؤقت الانفجار، اتصلت بمدير عمليات البنك الأمنية وجاءت عناصر الأمن وفككت العبوة الناسفة، ونقلوها وقيدت ضد مجهول».
الثانية كانت محاولة اغتيال مباشر. منتصف عام 2014، وفي أول يوم من شهر رمضان، يقول القعيطي: انتهى عملي بعد صلاة العصر في البنك؛ لأننا نعمل على فترتين نهارية وصباحية، توجهت إلى المنزل وقبل الدخول إلى فناء المنزل، كان مسلحان ينتظران في مكان قرب باب المنزل، وهاجما فور دخولي الفناء، كانت لحظات بين نزولي من السيارة ودخولي باب المنزل، وفور ما نزلت فتحا النيران بأسلحة من نوع كلاشنيكوف على السيارة من الخلف، كنت حينها نزلت من السيارة وتدخل أفراد حراستي وسائقي وهم مسلحون، خصوصا بعد المحاولة الأولى، ودخلوا معهما في عراك ونزعوا أسلحتهما، ونتيجة العادات القبلية تم تسليمهما إلى أهليهما، وأحدهما ذهبت إليه السلطات الأمنية تبحث عنه وأصدر النائب العام مذكرة قبض، لكنه ذهب واحتمى ببيت أحد الشيوخ النافذين في صنعاء.
وبسؤاله، هل يستطيع أحد القول إنك لا تخشى الموت، فقال: «الشعور بالخوف من الموت شعور إنساني، والحذر واجب. لكن تحمل شيء من المغامرة في أداء الواجب العام مهم جدا بالنسبة لي. الظروف تفرض علينا بالوجود في عدن وأي مكان آخر في اليمن، والواجب يفرض علينا أن نؤدي عملنا». ولقد حدث ذلك، إبان ترؤس القعيطي رئيسًا لمجلس إدارة «كاك بنك»، وهو اختصار بنك التسليف التعاوني والزراعي، أكبر بنك تجاري في اليمن ويدير 2.5 مليار دولار منذ عام 2012.
قبل تعيينه محافظا بثلاث سنوات، انتخب القعيطي رئيسا لجمعية البنوك اليمنية، وما زال: «لأنه لم ينتخب شخص بعدي من عام 2013 مارس (آذار) بانتخابات حرة حضرها رؤساء ومديرو عموم وإشراف مركزي، وكان من المفترض أن تجري انتخابات جديدة، أعددنا تقارير مالية وتقارير النشاط عن بعد، لكننا لم نتمكن إلى الآن من انتخاب قيادة جديدة بسبب الظرف الحالي، وما زلت أدير الجمعية عن بعد».
وكان القعيطي قد أكد في حوار مع «الشرق الأوسط» أن أولوياته ستتمثل في توفير أوراق نقدية إضافية، وإعادة الثقة للبنك، ولا بد من إنعاش الدورة النقدية للعودة إلى معدلاتها الطبيعية في الدوران. ويضيف أن تقديرات النقد الموجودة في السوق، تبلغ 16 مليار دولار: «وتقديراتنا تقول إن 50 في المائة من هذا النقد تالف بكل فئاته».
وتمهيدا لسلامة أداء البنك، يقول القعيطي إن من أوائل مهام والتزاماته والتزامات البنك التي لا بد أن نفي بها في مجال مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال ومراقبة التحويلات داخل البلاد وخارجها، تحديث أنظمة الدفع وتشجيع المؤسسات البنكية، وهي خطوة تنفيذ أيضا لمادة قانونية؛ إذ إن وظائف البنك المركزي تقول إنه يجب تبسيط وتطوير أنظمة الدفع وتشجيع المؤسسات البنكية والجمهور على ذلك، هذا ما نستهدفه في المستقبل. ثم يقول «أحرص بشدة على قراءة وتحليل وإيجاد حلول؛ لتمهيد الطريق لإنجاح قرارات رئيس الجمهورية في إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي وتعيين محافظ ونائب جديدين ونقل مقره وإدارة عملياته من عدن.. هذه العملية صعبة ومعقدة؛ لأنها تشمل جانبا مؤسسيا وفنيا تقنيا إلى جانب تنظيم إداري، في ظروف قصيرة جدا، وكأننا سنستحدث مؤسسة مصرفية كانت عريقة وتحولت مع الزمن إلى فرع».
وهو يرى أنه بصدد إحياء التقاليد المهنية التي أسست البنك المركزي، والبحث عمن يشغل مناصب مهمة في هذه المؤسسة، ويقول «ما زالوا موجودين.. يجب أن نستعين بخبراتهم السابقة الاستشارية»، وأفكر في كيفية التواصل مع الأجيال، واستقطاب الكوادر التي تشغل مجالات فنية مهمة جدا في البنك المركزي حاليا لتشغل المناصب المستحدثة في البنك المركزي بعدن. ويؤكد أن قرار نقل المركزي اليمني إلى عدن «لم يعترض عليه حتى اللحظة أي مؤسسة أو دولة.. التقينا المؤسسات المالية الدولية في نيويورك بحضور رئيس الجمهورية، لم تعترض المؤسسات المالية الدولية ولا سفراء الدول».
وأخيرًا، يقرأ المحافظ هذه الأيام التشريعات المصرفية، المنظم للعمل المصرفي، في اليمن، وتشمل القوانين واللوائح «حرصًا على سلامة تنفيذ هذه التشريعات، واستشراف المستقبل، حتى إذا ما تطلب الأمر تحديث هذه التشريعات يجب أن تكون متسقة مع مسار التطوير والمستجدات».
* من هو منصّر القعيطي
- ولد منصّر القعيطي قبل 61 سنة، وحصل على شهادته الجامعية الأولى من كلية الاقتصاد في جامعة عدن. وهو متزوج وأب لثلاثة أولاد، هم: أيمن، وأكرم، وعبد الله.
- عمل بعد التخرج في المجال المالي والمصرفي قبل 31 سنة من تعيينه محافظًا. وبعدما بات يحفظ ردهات البنك المركزي ويتعامل مع واجباته الوظيفية بعناية فائقة إثر عمله في أقسام متعددة، أبرزها إدارته قسم الميزانية النقدية بالعملات الأجنبية بين عامي 1977 و1986.
- تفرّغ القعيطي قليلاً ليعمل باحثًا اقتصاديا؛ وهو ما أتاح حرية أكبر ليبدأ في التركيز على التخصص المصرفي. ومن ثم يتعمّق أكثر في برامج تشخيص مشكلات الاقتصاد الكلّي، والتحليل المالي والسياسات الاقتصادية، وذلك عبر برامج مكثفة في معهد صندوق النقد الدولي في واشنطن، ومعهد السياسات السياسية التابع لصندوق النقد العربي في أبوظبي، عام 1990.
- كان عضوًا في مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، منذ عام 2002 حتى 2015. قبل أن يعين في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 لشغل منصب وزير المالية، ثم عين في سبتمبر الماضي محافظا للبنك المركزي اليمني في قرار تاريخي تزامن مع نقل مقر البنك وعملياته إلى عدن.
- تستهويه القراءة، ولا سيما في مجالات الاقتصاد والنقود والبنوك المركزية، لكنه عندما يقرر الانفصال عن الأرقام وعالم المال، يقبل على قراءة روايات باولو كويلو ودان براون عالميًا، ويوسف زيدان عربيًا. كما أنه يفضل الاستماع إلى الموسيقار العالمي ياني، الذي صدفت زيارته للبحرين 2013 مناسبة اقتصادية، أتاحت له حضور حفلته.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.