ولايات أميركية تزيد الضغوط على شبكة مدارس غولن

تستهدف أكثر من 150 مؤسسة شهدت تباطؤًا حادًا في النمو

ولايات أميركية تزيد الضغوط على شبكة مدارس غولن
TT

ولايات أميركية تزيد الضغوط على شبكة مدارس غولن

ولايات أميركية تزيد الضغوط على شبكة مدارس غولن

اشتدّت الضغوط المالية والقانونية على شبكة تضم أكثر من 150 مدرسة أميركية تربطها صلات بأتباع السياسي التركي فتح الله غولن، المقيم في بنسلفانيا، وتتهمه الحكومة التركية بالتحريض على الانقلاب الفاشل الذي وقع في يوليو (تموز) الماضي.
هذا ما كشفت عنه تصريحات مسؤولين في المدارس، وأعضاء حاليين وسابقين في حركة غولن، بالإضافة إلى ما اطّلعت عليه «رويترز» من سجلات عامة. وتشير السجلات العامة إلى أن المدارس التي تمول بالمال العام، وتعدّ مصدرًا رئيسيًا للوظائف وفرص العمل لأعضاء حركة غولن العالمية في الولايات المتحدة، شهدت تباطؤًا حادًا في النمو في السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التباطؤ وسط سلسلة من التحقيقات الحكومية في أكثر من عشر ولايات، في ادعاءات تتراوح بين سوء استخدام المال العام إلى التحايل على نظام تأشيرات الدخول للبلاد. ولم تسفر التحقيقات التي يجريها مسؤولون على مستوى الولايات وعلى المستوى الاتحادي عن توجيه اتهامات جنائية لأحد أو توريط غولن، الذي لا تحمل أي مدرسة من المدارس اسمه، توريطًا مباشرًا.
كما يأتي الضغط المتزايد على المدارس في وقت تضيق فيه الحكومة التركية الخناق على أنصار غولن في الداخل، وتبذل جهدًا حثيثًا من أجل تسليم غولن إليها. ولم تفتتح سوى ثلاث مدارس جديدة في العام الماضي، وثلاث مدارس خلال العام الحالي، بالمقارنة مع افتتاح 23 مدرسة جديدة في ذروة توسع الشبكة خلال عام 2010 وفقًا للسجلات العامة التي اطلعت عليها وكالة «رويترز» الخاصة بعدد 153 مدرسة، والشركات التي تديرها في مختلف أنحاء البلاد.
ويتعارض هذا التراجع مع النمو المطّرد خلال السنوات الست الماضية لكل المدارس المماثلة في الولايات المتحدة التي تحصل على أموال عامة، لكنّها معفاة من بعض القواعد التي تنظم عمل المدارس العامة التي تديرها الولايات.
وفي الوقت نفسه، تم منذ عام 2010 إغلاق 15 مدرسة أو نقل ملكيتها إلى ملاك لا صلة لهم بحركة غولن. وواجهت شركات إدارة أو مدارس بعينها، تحقيقات رسمية في 11 ولاية على الأقل من تلك الحالات في ولايات جورجيا وكاليفورنيا وبنسلفانيا وأوهايو.
وقال خاقان بربر أوغلو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لمؤسسة «نياغرا فاونديشن»، التي تهدف للترويج للحوار بين الأديان الذي ينادي به غولن رئيسها الشرفي، إنه «منذ بدأت هذه التحقيقات والضغوط من التغطية الإعلامية، أصبحت المدارس أكثر حرصًا، ربما بخمسة أمثال حرصها في ما يتعلق بأوضاعها المالية وكيفية تغيير المتعاقدين». وأضاف: «أصبحت أكثر حرصًا بكثير في كيفية توسعها».
وقال بربر أوغلو إن المدارس لا تربطها صلة رسمية بغولن، وليست خاضعة لسيطرة مركزية من أحد.
وفي مؤشر آخر على تباطؤ نمو المدارس، انخفض عدد طلبات التأشيرات التي تقدمها المدارس لاستقدام عاملين من تركيا ودول أخرى إلى 360 طلبًا في العام الماضي، من أكثر من ألف عام 2010 حسبما توضح سجلات الهجرة. وقال أعضاء حاليون وسابقون في حركة غولن إن هذا يعكس رغبة المدارس المرتبطة بالحركة في تفادي الخضوع لمزيد من إجراءات الفحص الحكومية.
وفي أعقاب الانقلاب الفاشل، صعّد محامون يعملون لحساب أنقرة في الولايات المتحدة حملة شرسة لمحاولة إقناع السلطات على مستوى المحليات والولايات والمستوى الاتحادي لبدء تحقيقات جديدة، وتشويه سمعة المدارس، وغيرها من الأنشطة الأميركية المرتبطة بغولن.
وسئل ألب أصلان دوغان، المتحدث باسم غولن، عن مؤشرات على تعرض الحركة لضغوط في الولايات المتحدة، فقال: «لا يقلقنا ذلك». ويقول الأعضاء الحاليون والسابقون في الحركة إن كثيرين من أنصار غولن في تركيا يتطلعون الآن لأشقائهم المقيمين في الولايات المتحدة طلبًا للدعم المادي وبحثًا عن الملاذ الأمن.
من جهته، قال رجل أعمال تركي يقيم في الولايات المتحدة، مشترطًا إخفاء هويته بسبب حساسية جهوده لمساعدة الراغبين في الهجرة، إن «مهمّتي هي إنقاذ الناس ومساعدة من يريدون القدوم إلى هنا». وينفي غولن الذي يميل لحياة العزلة ويعيش في منفى اختياري في بنسلفانيا منذ عام 1999 أي دور له في المحاولة الانقلابية.
وتسعى حركة كولن العالمية المعروفة باسم «الخدمة»، والتي تصنفها الحكومة التركية «إرهابية»، لنشر ما يقول أنصارها إنه تفسير للإسلام المعتدل، والذي يدعم التعليم على النمط الغربي والأسواق الحرة والحوار بين الأديان.
ويقول خبراء مستقلون مطلعون على الحركة إن الولايات المتحدة أصبحت أهم قاعدة للأعمال لحركة غولن خارج تركيا، باستثناء ألمانيا. وإلى جانب المدارس، يدير أتباع الحركة مجموعة من الأنشطة التجارية والجمعيات المدنية والخيرية التي تربطها صلات ضعيفة.
ويوضح الأعضاء الحاليون والسابقون والوثائق القانونية أن التحقيقات على مستوى الولايات والمستوى الاتحادي، استهدفت بعض الشركات المتعاقدة المملوكة لأميركيين من أصول تركية، والتي لها تعاملات مع المدارس بسبب اتهامات بحصولها على معاملة تفضيلية.
وقال بربر أوغلو بهذا الصدد إن المدارس توظف بعض أعضاء الحركة، وتبرم تعاملات معهم، وذلك لأنه بالإمكان الاعتماد عليهم والثقة بقدراتهم. وأضاف أنه «إذا أردت النجاح لهذه المدارس، فعليك أن تعتمد على من تعرفهم».
وأوضحت سجلات الكونغرس أن جماعات لها صلة بحركة غولن رعت مئات من رحلات أعضاء الكونغرس إلى تركيا، ودول قريبة منها في السنوات الثماني الماضية. لكن مثل هذه الرحلات توقفت في الغالب منذ عام 2015، عندما بدأت وزارة العدل تحقيقا جنائيا في احتمال ارتكاب مخالفات في مصادر تمويل بعض هذه الرحلات.
وسلّم أصلان دوجان بأن بعض المدارس أنشأها «متعاطفون» مع غولن، لافتًا إلى أن الحركة لا تتمتع بالتحكم المركزي. ويقول بعض أتباعها إن دور غولن ينحصر في «القيادة الملهمة». وقد رسّخت شبكة المدارس جذورها في الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين، وأصبح إداريوها يمتلكون مهارات تمكنهم من الحصول على التمويل العام.
إلى ذلك، توضح بيانات أن سلسلة من مبيعات السندات بلغت قيمتها الإجمالية 683 مليون دولار منذ عام 2006. ومثلت مبيعات السندات من جانب أربعة من سلاسل المدارس في عام 2014 وحده - وفقًا لأحدث البيانات السنوية المتاحة - ستة في المائة من إجمالي سوق السندات لمثل هذه المدارس الأميركية المعفاة من الضرائب بالكامل في ذلك العام.
من جانبهم، يقول محامون أميركيون يعملون لحساب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنهم يشتبهون أن المدارس مجرد واجهة لتوليد 500 مليون دولار سنويًا، تحول من حركة غولن كل عام لتمويل أنشطة تخريبية مناهضة للدولة التركية، مثل رشوة المسؤولين. ولا يقدم المحامون تفاصيل محددة عما يدعوهم للاعتقاد في ذلك.
ووصف أصلان دوغان، المتحدث باسم غولن، هذه الاتهامات بأنها «زائفة» ولا دليل عليها، وقال إنها جزء من ثأر يستهدف المشاركين في الحركة خارج تركيا. وفي حالة واحدة على الأقل بولاية تكساس، أدّت الاتهامات التي أطلقتها الحكومة التركية بعد المحاولة الانقلابية على سلسلة كبرى من المدارس إلى تجديد التحقيقات.
وقالت إدارة التعليم في تكساس، في أواخر يوليو، إنها تدرس شكوى قدمها الفريق القانوني للحكومة التركية عن مخالفات مالية مزعومة من جانب شركة مدارس «هارموني» العامة، التي تدير 48 مدرسة، ومقرها هيوستون.
وفي الشكوى، اتّهم محامو الحكومة التركية شركة «هارموني» بإساءة استخدام 18 مليون دولار من المال العام وتحويل أموال لحركة غولن، واتهموها باتباع إجراءات تمييزية في توظيف العاملين. ولم يعلن حتى الآن أي قرار بفتح تحقيق رسمي من عدمه.
ونفى سونر تاريم، أحد مؤسسي «هارموني»، ارتكاب أي مخالفات، وقال إنه لا توجد «مؤامرة سرية» في إدارة المدارس التي لا تهدف لتحقيق الأرباح. وأضاف: «الهدف في الحقيقة هو تكوين خبرات في الرياضيات والعلوم». غير أن تاريم سلّم بأن شركته تعرضت لضغوط، واضطرت لزيادة إنفاقها على الرسوم القانونية والعلاقات العامة. وقال: «ولهذا فإن لها أثر ما في مواردنا، لكن ليس على سمعتنا».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».