غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

سادس كبرى المدن التركية تحتل موقعًا استراتيجيًا واقتصاديًا مهمًا وتشكل مركزًا للدعم اللوجيستي

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»
TT

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

غازي عنتاب.. منفذ «داعش»

أصبحت مدينة غازي عنتاب، في جنوب تركيا، محط الأنظار بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي كونها أقرب نقطة إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في شمال سوريا، خصوصًا جرابلس وأعزاز. وهذا، على الأقل، ما كان الوضع عليه قبل القضاء على وجوده هناك من خلال عملية «درع الفرات»، التي دعمت فيها تركيا وحدات من «قوات الجيش السوري الحر» بالتنسيق مع التحالف الدولي لضرب «داعش»، التي انطلقت في الرابع والعشرين من أغسطس (آب) الماضي، وما زالت مستمرة.
عنتاب (عينتاب)، أو غازي عنتاب هي عاصمة محافظة غازي عنتاب في جنوب تركيا على حدود سوريا، وهي تعد سادس كبرى المدن التركية من حيث عدد السكان. وجدير بالذكر أن الأتراك ما زالوا يسمونها عنتاب على الرغم من أن البرلمان التركي أضاف إلى اسمها كلمة «غازي» عام 1921، وكانت قديما جزءًا من بلاد الشام.
وغازي عنتاب مدينة استراتيجية تتصل بخليج الإسكندرونة بمنفذ ضيق من ناحية الشمال، وتتصل من الشرق بمحافظة شانلي أورفة (أي أورفة ذات الشأن أو المحترمة) ومن الشمال بمحافظة قهرمان مرعش (أي مرعش الشُّجاعة أو الباسلة) وتجاورها من ناحية الغرب محافظة أضنة.

قاعدة لوجيستية
تعد غازي عنتاب، وفق كثرة من المراقبين، قاعدة الدعم اللوجيستي لتنظيم داعش الإرهابي المتطرف في تركيا و«رأس حربة» التنظيم في الداخل التركي. فمنها كان التنظيم يجمع عناصره المحلية والآتية من الخارج أيضًا، وفيها وفي محيطها كان يقيم معسكرات للتدريب، وإليها كان يفد الباحثون عن ذويهم ممّن هجروا بلادهم وأتوا للقتال في صفوف «داعش» في سوريا والعراق. كذلك، منها انطلق العديد من الهجمات الإرهابية في تركيا التي استهدفت الأكراد بصفة أساسية، ثم توسّعت أهدافها ضد تركيا مع بدء تطبيقها سياسات صارمة على حدودها ومشاركتها في التحالف الدولي لضرب «داعش»، وصولاً إلى دخول شمال سوريا لملاحقة التنظيم وتطهير حدودها منه انطلاقا من منطقة كركميش التي تعد نقطة التماس التركية مع مدينة جرابلس الحدودية السورية.
تضم محافظة غازي عنتاب قطاعين سكنيين حضريين هما شاهين بي وشهيد كامل، وتبلغ مساحتها 7642 كيلومترًا مربعًا ويقارب عدد سكانها المليون و700 ألف نسمة، أصولهم خليط من القوميات، أكبرها الكردية ثم التركية مع أقلية من الشركس والعرب.
وتختص غازي عنتاب بنحو 4 إلى 6 في المائة من الحجم الكلي للصناعات التركية، وخصوصًا ورش التعدين والنحاس ومصانع السجاد، كما تشهد الحركة السياحية فيها نموًا لافتًا، لا سيما في محيط قلعة غازي عنتاب الشهيرة. ويشتهر سكان غازي عنتاب بنشاطهم الزراعي، ففيها تنتشر كروم العنب ومعاصر الزيتون ومزارع الفستق التركي الشهير الذي يعرف في تركيا باسم «عنتاب فستق» (أو «الفستق العنتابي») وهو من أكثر أنواع الفستق التركي جودة وأغلاها ثمنًا. ومن ثم تُعرف بكثرة الصناعات الغذائية التقليدية الشهيرة في تركيا كالكَباب العنتابي واللحم بالعجين وحلوى البقلاوة.

من «القاعدة» إلى «داعش»
عام 2005، ألقت قوات الأمن القبض على بعض عناصر «القاعدة» في غازي عنتاب كانوا يقومون بتدريبات في منطقة غابات، وذلك في أعقاب عملية رصد استغرقت سنتين. ويومذاك كان يوسف دورماز، الذي أصبح فيما بعد مسؤول تنظيم داعش في غازي عنتاب، ضمن من اعتقلوا، وتبين أنهم انضموا لاحقًا إلى «داعش»، وأنهم كانوا يدربون أطفالاً صغارًا أيضًا. وكُشف أن دورماز هو المسؤول عن تفجير محطة القطار الرئيسية في العاصمة التركية أنقرة عام 2015 الذي راح ضحيته 101 شخص، أثناء مسيرة نظمها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي تحت عنوان «تجمّع السلام والديمقراطية»، قبل انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015.
في العام نفسه وقعت 3 هجمات إرهابية ضخمة انطلقت جميعها من غازي عنتاب ونفذها «داعش»، هي الهجمات التي استهدفت اجتماعات ومؤتمرات لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي في مدن ديار بكر وسَروج (بمحافظة شانلي أورفة) وأنقرة، وتبين أن المتهمين في التفجيرات الثلاثة أقاموا من قبل في غازي عنتاب التي غدت القاعدة اللوجيستية للتنظيم المتطرف في سوريا كونها نقطة تماس مع مدينتي جرابلس وأعزاز السوريتين. ولقد وصفت صحيفة «راديكال» في تقرير لها في عام 2014 غازي عنتاب بـ«مركز الدعم اللوجيستي الاستراتيجي لـ(داعش) في جرابلس وأعزاز»، وأضافت: «منها تخرج العناصر المحلية والأجنبية الآتية إلى تركيا وتتجه إلى داخل سوريا، وهي أيضًا النقطة التي يقصدها الأجانب الذين يبحثون عن ذويهم ممن جاءوا إلى تركيا والتحقوا بالتنظيم عبر أراضيها».

استراتيجية «داعش»
والحقيقة أن «داعش» اعتمد استراتيجية خاصة في تجنيد عناصره بغازي عنتاب تركزت على الخطاب الديني لخداع العناصر التي يرى أنها يمكن أن تنضم إليه، وخصوصًا من الشباب ممن لم يكملوا دراستهم ليس لديهم أمل في المستقبل أو من مدمني المخدرات.
ووفق ما كشفه أحد عناصر «داعش» (25 سنة) بعدما سلّم نفسه للسلطات التركية أخيرًا، كان التنظيم يرسل قوافل إلى الأحياء الفقيرة في غازي عنتاب حيث ينظم دروسًا لتحفيظ القرآن. وكان يجمع التبرعات علنًا على أنها تبرّعات للأعمال الإنسانية، ويضع مناضد في الميادين العامة وتجمع عناصره الأموال تمهيدًا لإرسالها إلى داخل سوريا. ولفت إلى أن هذا الأسلوب بدأ به التنظيم في العراق وسوريا منذ أكثر من 3 سنوات، ونقله بعد ذلك تطبيقه في غازي عنتاب.
وأشار العنصر الداعشي إلى أنه كان يقوم بتجنيد العناصر في غازي عنتاب من خلال تقديم الوعود بالعمل والزواج فور الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا، ويغري المنضمين إليه بأحلام إقامة «الخلافة»، ويقنعهم بقتل العلويين والأكراد و«معاملتهم معاملة الكفار»، بعد استخراج آيات تؤيد «قتل الكفار» من القرآن. وأكد أن هناك مئات ذهبوا إلى مدينة الرقّة، «عاصمة داعش» في سوريا، متأثرين بهذه الوعود، وأن الناس صدّقوا ما يقوله أعضاء التنظيم خلال الدروس.
ثم قال إن عناصر «داعش» الذين كانوا يأتون إلى غازي عنتاب من داخل سوريا كانوا يتعمّدون إثارة الفزع لدى سكان المدينة من أجل ترك منازلهم والهروب منها، وأنهم يحققون أموالاً طائلة من التجارة والتهريب. وتابع العنصر الداعشي أن هذه العناصر تدخل دائمًا في مشاجرات مع الأتراك والسوريين الذين نزحوا من بلادهم بسبب تهديدات عناصر «داعش» واستفزازات مدمني المخدرات والأشقياء المنضمين إلى صفوفهم. ولفت إلى أن كثيرين من السوريين الذين نزحوا إلى غازي عنتاب فرارًا من الحرب في سوريا غادروها مضطرين بسبب استفزازات «داعش»، وهربوا إلى مدن مثل ديار بكر وكيليس وشانلي أورفة وقهرمان مرعش وغيرها.

ضغوط على السوريين
من جانب آخر، روى بعض السوريين الفارين من غازي عنتاب أنهم عندما حضروا إلى تركيا كانوا يعتقدون أنهم سيكونون «في ضيافة (رجب طيب) إردوغان» وسيجدون العمل والسكن والحياة المريحة في انتظارهم، لكنهم فوجئوا بأوضاع ما كانوا يتخيلونها. ومثلاً، بسبب ارتفاع إيجارات المساكن، لجأ البعض إلى استئجار محلات تجارية لا تزيد مساحتها عن 20 مترا يقطن فيها 20 شخصًا، كما تعرضت نازحات سوريات للتحرش والضغوط، ولذا أخذت عائلاتهن تغادر المدينة. ثم قال إنه إذا انتهت الحرب في سوريا «سيصبح الوضع أكثر تعقيدا مع عودة الأتراك الذين انضموا إلى (داعش) في سوريا». وأوضح أن زعيم التنظيم في عموم تركيا يدعى إلهاملي بالي، بينما مسؤول «داعش» في غازي عنتاب هو يونس دورماز، وأشار إلى أن اثنين من مساعدي دورماز فرّا إلى سوريا.

إمارة غازي عنتاب
وكشفت مذكرة اتهام تقع في 500 صفحة أعدتها النيابة العامة في أنقرة أخيرًا، في إطار التحقيقات حول نشاط تنظيم القاعدة وصلته بـ«داعش»، عن مخطط لتنظيم داعش الإرهابي للسيطرة على غازي عنتاب وتحويلها إلى إمارة له في تركيا. وتحدثت مذكرة الاتهام عن خطة احتلال المدينة استنادًا إلى رسالة بعث بها يونس دورماز إلى إلهاملي بالي (زعيم «داعش» في تركيا) الذي أصدر التعليمات الخاصة بهجمات «داعش» في كل من منطقة السلطان أحمد في مدينة إسطنبول في بداية العام الحالي وديار بكر وسَروج ومحطة قطار أنقرة العام الماضي. وبحسب المذكرة اقترح دورماز التكتم على أنشطة التنظيم في تجنيد عناصر تنظيم داعش بغازي عنتاب من خلال الادعاء أنهم «يستهدفون حماية المسلمين ضد حزب العمال الكردستاني».
أما فيما يتعلق بوقت التنفيذ وشكل التنظيم، فقال دورماز: «راهنًا توجد في غازي عنتاب وظائف يمتهنها العرب فقط، إذ إن هناك نحو 50 رجلاً تقريبًا يعملون في صناعة الأحذية و(الشباشب). لذا سيستأجر مواطن تركي لا يلفت الأنظار مكانًا من طابقين وسيحوله إلى مقر عمل وسيوظّف فيه العرب فقط بواقع 50 رجلاً على الأقل. بهذه الطريقة سنخبئ رفاقنا خلف ستار مقر العمل. وإذا فتحنا 5 مقرات أخرى مشابهة لهذا سنتمكن من أداء مهامنا».
كذلك تضمنت مقترحات دورماز خطة الإيواء في المنازل غير المسجلة التي اطلع عليها الرأي العام التركي للمرة بعد ظهور أنباء حول استئجار منفذي الهجوم الانتحاري على مطار أتاتورك الدولي يوم 28 يونيو الماضي منزلاً في حي الفاتح بإسطنبول. وفي هذا الصدد قال دورماز: «ثمة منازل يقطنها العرب فقط. ويمكننا إسكان رفاقنا فيها بإيجار سنوي. فعلى سبيل المثال أنا أقطن في مبنى يسكنه العرب. المبنى مؤلف من 38 شقة وكل شقة تضم أربعة أشخاص على الأقل، مما يعني أن بإمكاننا إخفاء 110 أشخاص على الأقل».
وعقب وقوع الهجوم الذي تعرضت له بلدة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا العام الماضي، وردت ادعاءات بأن «داعش» نفّذ هذا الهجوم بدعم خلايا التنظيم العاملة في غازي عنتاب.

ملاذ «الدواعش»
على صعيد آخر، يصدر الجيش التركي نشرة أسبوعية حول عدد مقاتلي «داعش» الذين يُعتقَلون في المدن التركية المختلفة. وتأتي مدينة غازي عنتاب في المرتبة الأولى دائمًا. كما أن المدعو أورهان ج. المتورط في تفجير استهدف مدينة ديار بكر، ذات الغالبية الكردية بجنوب شرقي تركيا، قبل يومين من الانتخابات البرلمانية التركية في 7 يونيو العام الماضي، وأسفر عن مقتل 4 وإصابة 402 آخرين، اعتُقل أيضًا في مدينة غازي عنتاب.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن المقاتلين التابعين لتنظيم داعش الإرهابي، وكذلك المتعاطفين معه، يصلون إلى المدينة عبر الطرق البرية أو الجوية، ليبقوا لفترات في البيوت والمخابئ الخاصة بـ«داعش»، ومن ثم ينتقلون إلى الأراضي السورية، موضحة أن داعش حول المدينة إلى مركز للدعم اللوجيستي لتلبية احتياجاته من القوة البشرية والاحتياجات الأساسية.
وتثار اليوم بعض الادعاءات بأن التنظيم الإرهابي تلقى هزائم متتالية في عدد من المناطق المتاخمة للحدود مع تركيا، مما دفعه إلى الاختفاء بالانسحاب إلى خلايا التنظيم في غازي عنتاب وبلدة كيليس القريبة منها بجنوب تركيا. ولقد فجّر أران أردم، النائب عن حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض عن مدينة إسطنبول، مفاجآت مثيرة حول فعاليات تنظيم داعش الإرهابي داخل تركيا. وأشار أردم إلى أن تركيا تحتوي على نحو 200 خلية لـ«داعش»، وأن إسطنبول تضم خلايا نشطة، موضحًا أنه يمكن الاكتفاء بتفقّد قوائم المسافرين بين إسطنبول وغازي عنتاب منذ عام 2013 لفهم خطورة تنظيم داعش تركيا.
وادّعى أردم أن 20 في المائة على الأقل من المسافرين المُشار إليهم هم من ميليشيات «داعش»، مشيرًا إلى أن أكثر من 600 داعشي دخلوا غازي عنتاب بهذه الطريقة. وتابع إلى أن الآتين من الخارج للانضمام إلى «داعش» كانوا يستخدمون بيوت ضيافة تابعة لهيئة الشؤون الدينية في حي الفاتح من حين لآخر، لافتًا إلى أنه لا يعلم ما إن كانت هيئة الشؤون الدينية التركية على علم بهذا الأمر أم لا، غير أن هذا الأمر جلي، على حد قوله.
وأوضح أردم أن مساكن الشرطة استخدمت أيضًا للغرض نفسه، وأن ميليشيات «داعش» انتقلت من هناك إلى غازي عنتاب، حيث معسكرات التدريب التي يتلقّون فيه تدريبات نظرية، قبل التدريب على الأسلحة والقنابل فور بلوغهم الرقّة. وأكد أردم أن هيئتي الأمن العام والاستخبارات التركية على علم بكل هذه المعلومات، لكنهما لم تتخذا أي إجراءات في هذا الصدد. ثم أشار إلى اعتقال خالص بايانجوك - واسمه الحركي «أبو حنظلة»، الذي يُزعم أنه قائد التنظيم في تركيا، عقب هجوم سورج في شانلي أورفة العام الماضي، واقتيد إلى مديرية الأمن حيث طُرحت عليه خمسة أسئلة من بينها سؤال كوميدي حول ما إن كانت له أي علاقة بالتنظيم الإرهابي، ومن ثم أطلق سراحه، وتبين لاحقًا أنه فر إلى سوريا.

تحركات علنية
يوم 21 أغسطس الماضي وقع هجوم انتحاري على صالة للأفراح في منطقة شاهين بي بغازي عنتاب أودى بحياة 56 شخصًا، وأدى إلى إصابة 94 آخرين، ونسب الرئيس إردوغان المسؤولية عن الهجوم إلى تنظيم داعش، وقال إن طفلا بين 12 و14 سنة هو الذي نفذه. وكانت مصادر أمنية قد ذكرت أنه في 18 مايو (أيار) الماضي فجّر دورماز نفسه قبل القبض عليه في حملة أمنية في غازي عنتاب استهدفت تنظيم داعش. وعثرت قوات الأمن في جهاز الكومبيوتر الخاص به على قائمة بأسماء أعضاء التنظيم في تركيا والمهام المكلفين بها وقائمة بالعمليات الإرهابية التي كان من المقرر تنفيذها بواسطة عناصر «داعش» في تركيا، وعددها 3 آلاف و56 عملية انتحارية، لكن هناك معلومات أخرى تشير إلى هروبه إلى سوريا.
أيضًا كان مقطع فيديو التقطه أحد المواطنين في غازي عنتاب قد كشف عن احتفال أقامته عناصر تابعة للتنظيم عقب هجوم باريس الذي أودى بحياة نحو 160 مدنيًا في فرنسا العام الماضي. وأظهر الفيديو أنصار داعش يمرون بسياراتهم وعليها علم داعش الأسود من أحد الشوارع في غازي عنتاب، وهو نفسه الشارع الذي شهد التفجير الانتحاري في 21 أغسطس، والذي بعده بثلاثة أيام فقط انطلقت عملية «درع الفرات» في شمال سوريا.
وأوضحت تركيا بعدها أن الهدف منها هو تطهير حدودها من «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى الميليشيات الكردية في سوريا، وإقامة «منطقة آمنة» بطول 95 كيلومترا وعمق 45 كيلومترا داخل الأراضي السورية ينقل إليها اللاجئون السوريون خلال سنتين، ومثلت هذه العملية منعطفا جديدا في تعامل تركيا مع تنظيم داعش، الذي لطالما اتهمت بدعمه.

أهداف جديدة
الدكتور مراد يشيل طاش، الخبير في مركز دراسات الشرق الأوسط في تركيا، يُرجع أسباب تصعيد «داعش» عملياته في تركيا في الفترة الأخيرة إلى سببين: أولهما جرّ تركيا إلى دخول سوريا والتورط في أزمات المنطقة، لأن ذلك سيؤدي إلى أزمة جديدة بين تركيا وروسيا بسبب تدخل تركيا في سوريا، كما أن تركيا ستدخل في مواجهة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا، مما سيؤثر سلبًا على علاقة أنقرة بواشنطن.
أما السبب الثاني فيرتبط (وفق يشيل طاش) باستراتيجية «داعش» للضغط على تركيا بهدف منع انطلاق ضربات التحالف الدولي من قاعدة إنجيرليك (بجنوب تركيا)، لأن هذه الضربات ألحقت خسائر كبيرة بالتنظيم وقلصت المساحة التي كان التنظيم يخطط لإقامة دولته عليها، وكذلك تؤثر على الموارد البشرية والدعم اللوجيستي للتنظيم.
أما وسف أوزهان، الخبير التركي في شؤون الإرهاب، فيري أن تصعيد التنظيم لعملياته ضد تركيا يرجع إلى السياسة الحازمة التي بدأت تركيا تطبيقها في الفترة الأخيرة والتضييق على عناصر «داعش»، ومنعهم من الحركة واستهدافهم بعملية «درع الفرات».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.