قرغيزيا.. على أبواب فوضى

بعد مرض رئيسها واستفتاء لتعديل دستورها

مواطنون روس يدلون بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية في سفارة روسيا في العاصمة بشكيك (أ.ف.ب) وفي الاطار الرئيس ألمازبيك أتامباييف (أ.ب)
مواطنون روس يدلون بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية في سفارة روسيا في العاصمة بشكيك (أ.ف.ب) وفي الاطار الرئيس ألمازبيك أتامباييف (أ.ب)
TT

قرغيزيا.. على أبواب فوضى

مواطنون روس يدلون بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية في سفارة روسيا في العاصمة بشكيك (أ.ف.ب) وفي الاطار الرئيس ألمازبيك أتامباييف (أ.ب)
مواطنون روس يدلون بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية في سفارة روسيا في العاصمة بشكيك (أ.ف.ب) وفي الاطار الرئيس ألمازبيك أتامباييف (أ.ب)

اللافت في مرض الرئيس القرغيزي ألمازبيك أتامباييف وتلقيه العلاج خارج البلاد، ليس مرضه بحد ذاته، وإنما أحداث أخرى سبق بعضها الإعلان عن تعرضه لوعكة في تركيا، وبعضها جرى أثناء تواجده في تركيا. الحديث يدور هنا بصورة خاصة حول خلافات بين الرئيس أتامباييف وبعض القوى السياسية القرغيزية بشأن تعديلات دستورية لتحويل نظام الحكم في البلاد من رئاسي إلى برلماني – رئاسي، حيث تصبح صلاحيات الرئيس الحالية بيد رئيس الوزراء الذي تحدده الأغلبية البرلمانية بالتوافق مع الكتل الأخرى. إذ يتهم البعض أتامباييف، الذي يرأس البلاد منذ عام 2011 وستنتهي رئاسته بعد عام ونصف تقريبا، بأنه يسعى عبر تلك التعديلات إلى البقاء على رأس هرم السلطة، لكن بصفة رئيس للحكومة. كما يرفض معارضوه إدخال تعديلات على الدستور الحالي، ذلك أن التعديلات الثامنة على الدستور القرغيزي التي جرت عام 2010 تتضمن فقرة تحظر تعديل الدستور قبل عام 2020، إلا أن التعديل يبقى ممكنا من الناحية القانونية بحال كان عبر استفتاء شعبي.
الرئيس أتامباييف وصل إلى العاصمة الروسية موسكو يوم أمس، قادما من تركيا، وتم نقله إلى المشفى المركزي التابع للإدارة الرئاسية الروسية لاستكمال العلاج، وفق ما أكد المكتب الصحافي في الرئاسة القرغيزية. وكان أتامباييف قد ألغى يوم التاسع عشر من سبتمبر (أيلول) قراره بالتوجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية، وتوقف مع الوفد المرافق له في تركيا، حيث تم نقله لتلقي العلاج في أحد المشافي هناك بعد أن اشتكى من آلام في الصدر، في منطقة القلب، وفق ما ذكرت وسائل إعلام تركية وقرغيزية.
وكان المكتب الصحافي في الرئاسة القرغيزية قد أوضح أن نقل الرئيس أتامباييف إلى موسكو جاء «بناء على توصيات الأطباء المختصين، وبدعوة من الجانب الروسي، كي يواصل العلاج بإشراف الأطباء الذين سبق وأن قاموا بعلاجه». ووصل إلى العاصمة الروسية كذلك نائب كبير الأطباء في مشفى الشؤون الرئاسية القرغيزية. وتجدر الإشارة إلى أن أتامباييف قد سبق وأن حصل على المساعدة الطبية في روسيا، حيث خضع لجراحة في مفصل الركبة.
أتامباييف رد في أغسطس (آب) هذا العام على اتهامات معارضيه بأنه يسعى للبقاء على رأس السلطة، وخلال الاحتفالات بالذكرى 25 لاستقلال قرغيزيا، وجه أتامباييف الاتهامات علانية لمعارضيه، حين قال إن «كل شخص يحكم على الآخرين بنفسه» في إشارة منه إلى أنهم هم من يرغبون في السلطة. وحمّل المسؤولية عما وصفها بـ«حملة التشويه ضد التعديلات الدستورية» لرفيقة دربه سابقا، وواحدة من زعماء المعارضة القرغيزية حاليا، روزا أتونبايفا، التي ترأست الحكومة القرغيزية المؤقتة بعد ثورة عام 2010 ضد حكم الرئيس قورمان بيك باكييف. حينها كان الرئيس الحالي أتامباييف نائبا لروزا أتونبايفا.
على ضوء هذا المشهد الداخلي، حيث لم يتوقف الجدال بشأن التعديلات الدستورية، وبينما كانت السلطات تستعد لعرض الأمر على استفتاء شعبي، كان لافتًا أن يعلن الرئيس القرغيزي ألمازبيك أتامباييف عن موافقته على التعديلات الدستورية وتأييده لعرض تلك التعديلات على استفتاء شعبي وهو خارج البلاد، يوم 21 من سبتمبر حين كان في تركيا. حيث ذكر المكتب الصحافي للرئاسة القرغيزية في اليوم ذاته، أن الرئيس أتامباييف اطلع على التعديلات على نص الدستور ووافق على عرضها على استفتاء شعبي، علما بأن أربعة أحزاب برلمانية قرغيزية تدعم الاستفتاء وتبنت مبادرة الدعوة له، وهي نفسها اقترحت التعديلات الدستورية التي توسع من صلاحيات رئيس الحكومة وتسمح له بالجمع بين العمل رئيسا للحكومة ونائبا لرئيس الحكومة، أو رئيسا للحكومة وعضوا في البرلمان في آن واحد. هذا فضلا عن تعديلات في الفصل الخاص بالمؤسسة القضائية وبالمحكمة الدستورية. وإذ يستبعد المختصون في شؤون آسيا الوسطى أن تلجأ القوى القرغيزية إلى العنف لحل خلافاتها السياسية، إلا أنها تبقي على احتمال انتفاضة شعبية جديدة في قرغيزيا، بحال لم تتوصل الأطراف إلى حلول وسط بشأن الاستفتاء. ويرجح أن تتضح الأمور بعد تعافي الرئيس أتامباييف وعودته إلى بشكيك.
ويتميز نظام الحكم في قرغيزيا (قرغيزستان) عن الأنظمة في جمهوريات آسيا الوسطى المجاورة بأنه نظام ديمقراطي إلى حد ما. على الرغم من هذا فإن البلاد شهدت احتجاجات واسعة عام 2005 يطلق عليها اسم «ثورة التوليب»، أطاحت حينها بالرئيس القرغيزي عسكر آكاييف. وفي عام 2010 شهدت البلاد احتجاجات ومواجهات أنهت حكم الرئيس قورمان بيك باكييف. والآن في عهد الرئيس الحالي ألمازبيك أتامباييف لا تزال هناك خلافات بين شمال وجنوب البلاد. وتشكل بشكيك العاصمة القرغيزية ومدينة أوش في الشمال مركزين للقوى المتناحرة. ففي الجنوب هناك أغلبية أوزبكية متدينة أكثر من الشمال. وكانت مدينة أوش عاصمة الجنوب قد شهدت عام 2010 مواجهات عرقية بين الأوزبك والقرغيز، وذلك في الفترة التي عاشت فيها البلاد حالة فراغ في السلطة أثناء ثورة عام 2010، أما الشمال فيمثل غالبية من القرغيز.
وعلى صعيد السياسة الخارجية والعلاقات مع الجوار والقوى الكبرى في العالم، تبقى علاقات قرغيزيا متوترة مع الجارة طاجيكستان بسبب خلافات حدودية وتداخلات عرقية، وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقة مع أوزبكستان. بينما تجمعها علاقات طيبة جدا مع كازاخستان التي تعتبر قرغيزيا «الأخ الأصغر» وتقدم الدعم لها. دوليا تنظر الصين إلى قرغيزيا باعتبارها بوابة بكين في آسيا الوسطى، بينما تجمع الرئيس أتامباييف علاقات شراكة استراتيجية مع موسكو، حيث يستضيف على أراضي بلاده قاعدة للقوات الجوية الروسية، وذلك بعد أن قرر إغلاق القاعدة الأميركية التي كانت الولايات المتحدة تستخدمها لدعم عملياتها في أفغانستان. كما تتميز قرغيزيا عن جيرانها في الوقت الراهن بوجود نسبة كبيرة جدا من الشباب المتعلمين، مقابل نسبة عالية من البطالة.
وما يثير قلق المراقبين تزامن الإعلان عن مغادرة ألمازبيك أتامباييف البلاد وإقامته خارجها فترة غير محدودة لتلقي العلاج، مع محاولات مجموعات إرهابية تنفيذ تفجيرات في البلاد. حيث أعلنت قوات الأمن القرغيزي في العشرين من سبتمبر عن العثور على عبوتين ناسفتين وضعتا بقرب محل تجاري حكومي في العاصمة القرغيزية بشكيك. إثر تلك الحادثة دعت السلطات القرغيزية أبناء المدينة إلى توخي الحذر. وفي وقت سابق كانت السفارة الأميركية في بشكيك قد أعلنت تحذيرا من وقوع هجمات إرهابية في البلاد. ويخشى كثيرون من أن تستغل بعض القوى حالة التوتر السياسي الحالية التي تمر بها قرغيزيا والقلق في البلاد إزاء الحالة الصحية للرئيس، بهدف توتير الوضع وجر البلاد مجددا إلى مواجهات بين الشمال والجنوب، ستكون لها، بحال نشوبها، تداعيات خطيرة على الوضع في آسيا الوسطى بشكل عام.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».