فرنسا كرمت ضحايا الإرهاب.. وهولاند يؤكد: عدونا «داعش» و«القاعدة»

الرئيس الفرنسي: حرب الإرهاب ضدنا اتخذت أبعادا جديدة

الرئيس فرنسوا هولاند قبل مشاركته في الاحتفال التكريمي التقليدي لضحايا الإرهاب الذي جرى في قصر الأنفاليد بحضور كبار المسؤولين أمس (أ.ف.ب)
الرئيس فرنسوا هولاند قبل مشاركته في الاحتفال التكريمي التقليدي لضحايا الإرهاب الذي جرى في قصر الأنفاليد بحضور كبار المسؤولين أمس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا كرمت ضحايا الإرهاب.. وهولاند يؤكد: عدونا «داعش» و«القاعدة»

الرئيس فرنسوا هولاند قبل مشاركته في الاحتفال التكريمي التقليدي لضحايا الإرهاب الذي جرى في قصر الأنفاليد بحضور كبار المسؤولين أمس (أ.ف.ب)
الرئيس فرنسوا هولاند قبل مشاركته في الاحتفال التكريمي التقليدي لضحايا الإرهاب الذي جرى في قصر الأنفاليد بحضور كبار المسؤولين أمس (أ.ف.ب)

فرنسا ما زالت في حالة حرب ضد الإرهاب: مرة أخرى، تشدد أعلى السلطات الفرنسية على استمرار التهديد الإرهابي وعلى الحاجة لمواجهته من خلال المحافظة على الانسجام الوطني والوحدة والاستمرار في الدفاع عن القيم التي تميز المجتمع الفرنسي مع الإبقاء على التدابير الأمنية لتلافي تكرار العمليات الإرهابية.
هذه التأكيدات جاءت أمس على لسان الرئيس فرنسوا هولاند بمناسبة الاحتفال التكريمي التقليدي الذي جرى في قصر الأنفاليد بحضور كبار المسؤولين في الدولة «رؤساء الحكومة ومجلسي النواب والشيوخ والوزراء» ولكن كذلك مسؤولين سياسيين آخرين بينهم الرئيس السبق نيكولا ساركوزي ورئيسي الحكومة السابقين ألان جوبيه وفرنسوا فيون. وهؤلاء الثلاثة يتنافسون للفوز بترشيح حزب «الجمهوريين» لخوض الانتخابات الرئاسية في شهر مايو (أيار) من العام المقبل.
وبالنظر للجدل الذي تثيره الحملة الانتخابية التمهيدية بسبب التركيز على مواضيع الإرهاب والإسلام والهوية الوطنية والتهديدات التي تلم بها، فإن مناسبة الأمس كانت فرصة للرئيس هولاند لإعادة وضع النقاط على الحروف وليطرح نفسه حاميا للوحدة الوطنية بوجه الانقسامات وسدا منيعا بوجه الإرهاب. وتنبع أهمية ما يقوله من الحملات المتلاحقة التي يقوم بها اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف على السلطات التي يتهمها بالضعف والعجز عن حماية المواطنين. ويتضح يوما بعد يوم أن مرشحي اليمين واليمين المتطرف يتبارون في استهداف السلطة الاشتراكية ويبدون مصممين على استغلال الموضوع الأمني لاجتذاب الناخبين خصوصا أن شعبية هولاند تداعت إلى أقصى الحدود «أقل من 15 في المائة ما زالوا ينظرون بإيجابية إلى أداء هولاند رئيسا للجمهورية» ومعها تداعت قواعد اليسار والاشتراكيين على وجه الخصوص. ولم يعد سرا أن هولاند ينوي خوض المنافسة للفوز بولاية رئاسية ثانية. لكن استطلاعات الرأي تفيد أنه سيخرج من المنافسة منذ الدورة الأولى بحيث يبقى في الميدان للجولة الثانية مرشح اليمين الكلاسيكي ألن جوبيه أو نيكولا ساركوزي ومرشحة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبن. لكن هولاند لن يعلن موقفا نهائيا من إعادة ترشحه إلا مع بداية العام القادم. ويراهن كثيرون على امتناعه عن التنافس في حال بقيت استطلاعات الرأي على حالها.
في الكلمة التي ألقاها أمس، في جو مهيب وبعد قراءة أسماء ضحايا الإرهاب من الفرنسيين في الداخل والخارج الذين سقطوا منذ العام 1989 والاستماع إلى كلمات مؤثرة لذوي الضحايا، عاد هولاند ليؤكد أن الإرهاب «أعلن الحرب على فرنسا» وأن العدو هو واحد ولكن بوجهين: «القاعدة» و«داعش». وأضاف الرئيس الفرنسي أن الاعتداءات الإرهابية التي ضربت بلاده كانت «تستهدف فرنسا بكليتها» وكانت جميعها تسعى لاستغلال اسم الإسلام وإلحاق العار به وزرع الخوف وضرب الديمقراطية والثقافة الفرنسيتين. لكن هولاند يرى الحرب الإرهابية اليوم «مختلفة» عن إرهاب الماضي إذ أنها «أخذت أبعادا جديدة» لأنها تريد أن «تنسف طريقتنا الاستثنائية في أن نعيش معا». وقال متوجها لضحايا الإرهاب وذويهم الذين حضروا الاحتفال: «إن فرنسا كانت كلها مستهدفة عبركم، فرنسا حقوق الإنسان التي تدافع عن قيمها في كل مكان في العالم». ورغم حرص هولاند على البقاء فوق المناكفات السياسية، فقد أراد من تركيزه على الوحدة والانسجام الوطنيين مهاجمة اليمين بجناحيه لأنه يرى أنه أخل بهذه القاعدة عندما سعى لاستغلال العمليات الإرهابية لأغراض سياسية. كذلك رد هولاند على من يريد من بين صفوف اليمين اتخاذ تدابير «استثنائية» مثل إنشاء محاكم خاصة لمحاكمة الجرائم الإرهابية أو الحجر على كل من يشتبه بأنه تبنى فكرا راديكاليا متطرفا من غير المرور أمام القضاء بالتأكيد أن محاربة الإرهاب «يجب أن تبقى في إطار ما تتيحه دولة القانون» التي «لا تعني أبدا حالة من الضعف بل تعكس قوة الدولة».
ومن ناحية مقابلة، رأى الرئيس الفرنسي أنه يتعين الاستمرار في الإجراءات التي اتخذت لمواجهة الإرهاب. وجدير بالذكر أن فرنسا تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ خريف العام الماضي بعد مقتلة مسرح الباتاكلان ومقاهي ومطاعم العاصمة ليلة 13 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن دور الدولة ليس فقط أمنيا أو تشريعيا بل هو أيضا في مواكبة ضحايا الإرهاب وذويهم ومساعدتهم نفسيا وقانونيا وماديا عبر الاستمرار في تغذية الصندوق الخاص بالتعويضات العائدة لهم فيما تسمع شكاوى تتهم الدولة بتناسيهم بعد مرور فترة من الزمن.
ربما كانت اللحظة الأكثر تأثيرا في احتفال الأمس قد حلت عندما تحدثت طالبة عمرها 21 عاما، اسمها ياسمين بوزرقان - مرزوق التي فقدت ثلاثة من إخوتها في العملية الإرهابية التي ضربت مدينة نيس ليل 14 يوليو (تموز) الماضي والتي أوقعت 84 قتيلا ومئات الجرحى. وروت ياسمين كيف وهي تبكي كيف عاشت «مشاهد الحرب» في تلك الليلة المشؤومة وكم تتألم عندما ترى أن هناك من يخلط بين الإسلام والإرهاب. ووصفت الإرهابيين بأنهم نوع من «البرابرة الذين لا دين ولا شريعة لهم». ومن ضحايا كورنيش البحر في مدينة نيس العشرات من ذوي الأصول العربية والمسلمة. وجاءت مناسبة تكريم ضحايا الإرهاب بعد أيام قليلة على «اكتشاف» فرنسا وجوها جديدة وهي الإرهاب بصيغة المؤنث والقاصرين. وخلال الأيام العشرة الماضية، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على مجموعة من الفتيات والنساء والقاصرين التي كانت تحضر لعمليات إرهابية في العاصمة باريس وفي ضواحيها.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».