تراجع هيلاري كلينتون في استطلاعات الرأي يثير قلق الديمقراطيين

«إف بي آي» يبحث عن أدلة لتوجيه اتهامات لروس اخترقوا حسابات الأحزاب وشخصيات سياسية

هيلاري كلينتون تحاول استعادة ما خسرته خلال الأيام الماضية (رويترز)
هيلاري كلينتون تحاول استعادة ما خسرته خلال الأيام الماضية (رويترز)
TT

تراجع هيلاري كلينتون في استطلاعات الرأي يثير قلق الديمقراطيين

هيلاري كلينتون تحاول استعادة ما خسرته خلال الأيام الماضية (رويترز)
هيلاري كلينتون تحاول استعادة ما خسرته خلال الأيام الماضية (رويترز)

حاولت المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون، استعادة الزخم الذي خسرته أمام منافسها الجمهوري دونالد ترامب، الذي يتقدم في استطلاعات الرأي، مع استئناف حملتها بعد أيام من وعكتها الصحية.
وقبل نحو خمسين يوما من الانتخابات، تراجع تقدم كلينتون في استطلاعات الرأي، ما يثير قلقا لدى معسكرها لا سيما أن الحماسة لمرشحته تتلاشى لدى مناصريه.
وأظهر معدل استطلاعات الرأي منذ نهاية أغسطس (آب) أنها لم تعد تتقدم على منافسها الجمهوري دونالد ترامب إلا بـ1.8 نقطة على المستوى الوطني، بتراجع 4 نقاط خلال أسبوعين. وفي الولايات الأساسية التي تعتبر حاسمة للانتخابات، أصبح ترامب يتقدم حاليا في أوهايو (46 في المائة مقابل 41 في المائة) وفي فلوريدا (47 في المائة لترامب مقابل 44 في المائة لكلينتون)، بحسب استطلاع «سي إن إن - أو آر سي».
يرى روبرت شابيرو الخبير السياسي في جامعة «كولومبيا» في نيويورك، أن ترامب «حصل على أسبوعين جيدين منذ زيارته إلى المكسيك» في نهاية الشهر الماضي. وأضاف: «تمكن من حشد قاعدته الناخبة وتحدث عن مواضيع أكثر: السياسة الخارجية، والاقتصاد، والعائلة». وتابع أن «معدله ليس مرتفعا جدا، لكنه أحرز تقدما في جهوده لكي يطبع لنفسه صورة رئيس».
على العكس، فإن هيلاري كلينتون التي لم تتمكن منذ أشهر من تخليص نفسها من قضية البريد الإلكتروني الخاص وهجمات معسكر الجمهوريين على مؤسسة كلينتون، تسعى إضافة إلى ذلك لتصويب هفوتها حين وصفت ناخبي ترامب بأنهم جماعة «يرثى لهم».
وأضاف شابيرو، في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية، أن كلينتون لم «تتمكن من إدارة مسألة إصابتها بالتهاب رئوي بأفضل شكل» معتبرا أن تكتمها في بادئ الأمر عن مرضها، أثبت «لبعض الناخبين رأيهم بأنها ليست صريحة».
واعتبر أن الديمقراطيين «لديهم الدافع للقلق» لكنه قال في الوقت نفسه إنه لا يزال أمام كلينتون «كثير من الطرق للفوز بأصوات الهيئة الناخبة».
وهاجمت كلينتون ترامب خلال تجمع نورث كارولينا، الخميس، الذي حضره أكثر من 1500 من مناصريها، ولاحقا في واشنطن خلال احتفال بمناسبة شهر التراث اللاتيني.
والمرشحة الديمقراطية التي استأنفت حملتها الخميس بعد ثلاثة أيام من الراحة في منزلها إثر إصابتها بالتهاب رئوي، لم تبد قلقا، مؤكدة: «لقد قلت على الدوام إنها ستكون انتخابات متقاربة». لكن ما يدل على القلق في معسكر الديمقراطيين، إعلان فريق حملتها الانتخابية أن منافسها السابق بيرني ساندرز الذي يحظى بشعبية كبرى لدى شريحة الشباب، والسيناتور إليزابيث وارين سيقومان بحملة في نهاية الأسبوع لصالح كلينتون في أوهايو.
وقالت كلينتون لأنصارها في غرينسبورو في كارولينا الشمالية (إحدى الولايات المهمة): «العودة إلى مسار الحملة يمنحني شعورا بالارتياح. إن آخر ما أرغب فيه قبل شهرين من الانتخابات هو البقاء في المنزل. لقد استعدنا الزخم».
وقالت إنها ستتوقف خلال الأسبوع المقبل في الولايات التي بدأ ترامب يتقدم فيها على حسابها، وبينها فلوريدا التي تعتبر حاسمة. وبدا أنها تعافت، لكنها كانت تعاني من بحة من حين لآخر. والرهان الرئيسي لدى كلينتون (68 عاما) هو استعادة التقدم على دونالد ترامب، الذي سجلته بعد مؤتمري التنصيب الحزبيين في يوليو (تموز).
من جهته قال دونالد ترامب: «لقد شهدنا شهرا رائعا، هناك كثير من الحماسة». وهي ليست المرة الأولى التي تتقارب فيها نتائج المرشحين إلى هذا الحد، فقد حصل ذلك في نهاية مايو (أيار) قبل أن يسجل ترامب تراجعا.
ولكن ترامب لم يفوت الفرصة في رد الهجوم، مستهدفا حصيلتها الاقتصادية وحصيلة الرئيس باراك أوباما، وعبر نشر تقرير طبي جديد أكد أن المرشح السبعيني في «صحة ممتازة». ويتوقع أن تتواصل الهجمات بينهما حتى مناظرة 26 سبتمبر (أيلول) في نيويورك.
وفي كلمة أمام أعضاء نادي نيويورك الاقتصادي، هاجم ترامب سياسات كلينتون وأوباما بعد زيادة الدين العام مرتين، ووعد بأن فترة رئاسته ستشهد انتعاشا اقتصاديا. وقال إنه سيكون هناك نمو «غير محدود» في الوظائف إذا قامت الحكومة بخفض الضرائب وإلغاء القيود المدمرة وأطلقت العنان لقطاع الطاقة، محذرا من أن البلاد لن تعرف الازدهار وسيحتاج مزيد من الناس للمعونات الحكومية إذا فازت كلينتون. وقال: «إن الشيء الوحيد الذي يمكنها حقا تقديمه هو شيك المعونة الاجتماعية».
لكن قبل أقل من شهرين على الانتخابات، أصبحت كلينتون تثير حماسة أقل لدى الناخبين، فقد عبر 38 في المائة فقط من الديمقراطيين عن حماسة شديدة مقابل 47 في المائة في أغسطس، بحسب استطلاع صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكة «سي بي إس». وفيما أبدى 55 في المائة من ناخبي ترامب حماسة شديدة لفكرة التوجه للتصويت، بلغت نسبتهم 36 في المائة فقط لدى معسكر كلينتون. في حين أن معدل التعبئة مهم جدا من أجل الفوز.
لكن موقع «فايف ثيرتي إيت» الذي يحلل استطلاعات الرأي والمعطيات التاريخية والاقتصادية، أصبح يعطي الآن كلينتون نسبة 60.1 في المائة من فرص فوز الانتخابات، مقابل 39.8 في المائة لترامب. وفي 8 أغسطس كانت فرص كلينتون 79.5 في المائة بالفوز، مقابل 20.5 في المائة لترامب.
ومنذ ذلك الحين قام دونالد ترامب بتغيير فريق حملته الانتخابية، وأصبح أكثر انضباطا ورسالته أكثر تنظيما، فيما ألغى الإهانات من خطابه. وتتواجد مديرة حملته الجديدة كيليان كونواي بشكل كثيف على محطات التلفزة.
ومعروف أن الانتخابات الرئاسية الأميركية ليست اقتراعا مباشرا، حيث إن استطلاعات الرأي على الصعيد الوطني لا تعتبر الأكثر أهمية فيها.
بالواقع يصوت الناخبون لاختيار «كبار الناخبين» (الهيئة الناخبة) والذين يتراوح عددهم بحسب الولايات. ويجب أن ينال المرشح غالبية أصوات كبار الناخبين (270 من أصل 538) للفوز بالرئاسة. وبعض الولايات الأساسية تكتسب أهمية أكثر من الأخرى، إلى حد أنها يمكن أن تقلب النتيجة. وبينها فلوريدا وأوهايو وبنسلفانيا وكارولينا الشمالية. وأمام استطلاعات الرأي، فإن أول مناظرة رئاسية مرتقبة في 26 سبتمبر تعتبر حاسمة ولا تشكل نبأ سارًا للديمقراطيين، على الرغم من أن كلينتون العضو السابق في مجلس الشيوخ ووزيرة الخارجية السابقة والمرشحة للرئاسة للمرة الثانية، تملك خبرة طويلة.
وقال شابيرو: «تاريخيا، وفي المناظرات الأولى لا يكون أداء الرئيس المنتهية ولايته أو المرشح الذي يتصدر استطلاعات الرأي جيدا مقارنة مع منافسه». وأضاف أن الناخبين يعلقون أهمية أكبر عليها من ترامب؛ لأن التوقعات حياله ليست عالية.
ومن جانب آخر قال مكتب التحقيقات الاتحادي، إنه يكثف مساعيه لإيجاد أدلة كافية تتيح لوزارة العدل توجيه اتهامات لبعض الروس الذين خلصت أجهزة المخابرات الأميركية إلى أنهم اخترقوا أجهزة كومبيوتر لأحزاب وشخصيات سياسية.
ويقول المسؤولون إن إعداد دعاوى قانونية هو أمر صعب لأسباب، أهمها أن أفضل الأدلة ضد القراصنة الأجانب كثيرا ما تندرج تحت بند السرية.
لكن بعض مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الخارجية يعتقدون أن التحرك القانوني هو أفضل سبيل للرد على ما يقولون إنه محاولات روسية متزايدة لتعطيل وتشويه الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني)، دون الوصول إلى حد مواجهة مفتوحة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وقال مسؤول أميركي مشارك في مشاورات الإدارة: «عدم التحرك ليس خيارا؛ لأن هذا مؤشر على الضعف وسيشجع الروس على التدخل بشكل أكبر، لكن الرد بالمثل ينطوي على مخاطر كبيرة».
ونفت روسيا أنها ترعى أو تشجع أي أنشطة قرصنة إلكترونية.
ويوم الثلاثاء قالت رئيسة اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأميركي، إن اللجنة تعرضت للاختراق الإلكتروني مجددا من قبل متسللين ترعاهم الدولة الروسية، سعيا للتأثير في انتخابات الرئاسة.
واستقالت الرئيسة السابقة للجنة ديبي واسرمان شولتز من منصبها عشية المؤتمر العام للحزب الديمقراطي في يوليو، بعدما نشر موقع «ويكيليكس» تسريبات من رسائل البريد الإلكتروني للجنة تظهر أن مسؤولي الحزب فضلوا كلينتون على حساب السيناتور بيرني ساندرز في منافسات اختيار مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».